قصص “حروب فاتنة” واصطياد المعنى الهارب

د. يسري عبدالله

” تتشكل مجموعة(حروب فاتنة) للقاص والروائي حسن عبدالموجود، والصادرة في القاهرة عن ( كتب خان) للنشر، من عشر قصص تحيا حالا من الاتصال والانفصال بينها ليس على مستوى الرؤية الكلية ولا العوالم المشتركة للقص، ولكن على مستوى البناء الفني الصارم والمتواتر داخل القصص والذي يسعى صوب إشباع السرد من جهة، واستجلاء الهواجس الفردية لبشر محملين بالمأساة والهزيمة والقلق اليومي من جهة ثانية.
ويبدو عنوان المجموعة محمولا على نص مركزي داخلها، وأعني قصة “حروب فاتنة”، ثمة وحدتان في النص، العسكري والقائد، وبينهما أطياف من الذكرى تخص المجند المتطلع إلى شجرة الجميز القريبة لكي يحصل على ورقها الذي يخفف الجروح، والحارس عليها الآن، وتتداخل اللحظة القصصية الراهنة بمثيلتها الماضية ويلعب النص شأن قصص أخرى على مراوحات الحضور والغياب، وجدل الماضي والحاضر عبر مسحة ساخرة تتزايد في نصوص أخرى داخل المجموعة.
يختار القاص عناوينه وفق آلية خاصة فهي إما جملا مجتزأة من القصص تعبر عن روحها الساخرة المفارقة من قبيل (دراجة تعيد رفيق الحزب القديم) وهو المانشيت الصحفي الذي اختارته جريدة الحزب اليساري الخارج من رحم الحزب الأم القديم، أو عناوين على غرار (حروب فاتنة) العنوان الدال للمجموعة حيث المهام الصغيرة التي يقودها المجند بشغف بوصفها بطولات تخصه ومعطاة له خصيصا من أجل كفاءته اللانهائية، أو يصبح العنوان تعبيرا عن جوهر الحكاية السردية، أو كشفا موازيا عن جانب منها على غرار (معزة جوركي، النوم مع فتاة مودلياني، ضحكات التماسيح).
يقدم عبدالموجود عالما منسيا ويقربه إلى متلقيه، حيث ثمة بشر ينتمون لأزمنة ماضية وعالم قديم، فعبدالملاك أو “تو” المنتمي إلى أحد التنظيمات السرية يغادره الزمن مثلما يغادر حزبه وعندما تضغط عليه مفردة “الضمير” المتواترة في القصة بوصفها اللفظة المعتمدة بين الرفاق، والتي يبني عليها الكاتب انتقالاته السردية في الكشف عن النوازع الداخلية لبطله تو الذي يتماس اسمه الحركي مع بطل حكاية تو لفتحي غانم في تناص مع المخيلة القرائية للمتلقي النوعي. ويبدو تو هنا بطلا إشكاليا موزعا بين واقعه المعيش وحلمه المتخيل باستبقاء (مونيكا) الحبيبة التي ماتت أمام عينيه دون أن يفعل لها شيئا، والمؤرق بكلمة الضمير التي تتردد كثيرا في النص والتي يشعر تجاهها بانعدام الثقة من جانب التنظيم الذي يشتري له دراجة تعينه على الوفاء بالتزامات الحزب فيقرر إرجاعها، ولو بعد حين من الدهر متحملا سخرية الجميع وموضوعا في مانشيت صحفي في نهاية المطاف عن تلك الدراجة التي أعادت رفيق الحزب القديم.
وتبدو السخرية المضمرة هنا ملمحا من ملامح النص والكتابة.
وقد تصبح الشخصية القصصية المهمشة والمقصاة محض موظف في مكان منسي بالأساس غادره الزمن أيضا كما في قصة (الغرف المنسية) حيث الموظف الرتيب الذي يعمل مسئولا لمكتب الاتصال في الجمهورية العربية المتحدة والمستمر في طي النسيان بمهامه وموظفيه حتى بعد إلغاء الوحدة بين مصر وسوريا. وتتعدد الأداءات الرتيبة للموظف وتابعه الأقل درجة في المكتب حتى تأتي (رغدة) الفتاة المعدمة الشهية التي تمثل في القصة ما يعرف بالشخصية الحافزة أو المحركة التي تدفع بالموقف الدرامي الراكد إلى الأمام، فتنتعش آمال الموظف في حياة جديدة تعوضه عن وفاة (رجاء) التي يحاول أن يفتعل شبها بينها وبين رغدة في حيلة دفاعية تسمى التبرير، وبتواطؤ من الموظف التابع لرئيسه تحضر رغدة مبكرا، وتحين لحظة الكشف فيهُم المفتش برغدة ولكن تحاصره بعدها مشاعر الندم والاضطراب من صورة عبدالناصر المعلقة، وهي سردية قديمة لكنها مبررة في المسار السردي حيث لم تتغير صورة ناصر في المكتب على رغم مضى الحقب والسنين.
وفي (معزة جوركي) ثمة وحدات خمس: الأب والأم والابن والزوجة والمعزة أيضا. وتبدو الأم مركزا للحكي في النص، فهواجسها تملأ الفضاء النصي، بدءا من اعتقادها الجازم بأن (ميشلان) جارتها البعيدة تتجسس عليها وعلى هاتفها المحمول ووصولا إلى المعزة ذاتها التي تحولت إلى هاجس مؤرق للمجموع بحثا عن صاحبها.
تعتمد المجموعة تقنيا أيضا على مفهوم الصورة السردية حيث يتجادل البصري مع الحكائي في بنية متجانسة كما في قصة (العرض الأخير) التي تمتاز بحس إيروتيكي ساخر، حيث ثمة سارد بطل مولع بالكشف والابانة يتحدى النواميس والأعراف المستقرة ومعه سيمون حبيبته التي تشاركه فقرة الحب، في عرض يشاهده المساجين في المبنى المقابل فيُصفرون ويشجعون. وعلى متن القصة ثمة حضور خافت للثورة، ويبدو السارد منشغلا بتفاصيله الصغيرة في نص قائم على تداخل الأصوات( المأمور، البطل، سيمون، المساجين).
و يتواتر الحس الإيروتيكي في قصة (النوم مع فتاة مودلياني) الفنان الإيطالي الشهير الذي يأتي حضوره للنص ناعما وغير مفتعل وتصبح لوحته مفجرة للحدث القصصي.
يخرج حسن عبدالموجود إلى جغرافيا سردية أخرى في قصتيه (إشارات حمراء تفضي إلى بحر) و(ليلة العقرب)، ففي “إشارات حمراء” ثمة كشف عن بعض تفاصيل إنسانية تنطلق من المجتمع العماني وتحيل إلى غيره أيضا.
ثمة رجل وامرأة دوما هنا في المجموعة، وتبدو قصة ليلة العقرب التي تستعيد جانبا من حياة المجتمع اليمني مبنية على المثلث الشهير( الزوج، الزوجة، العشيق)، ولكن على نحو مغاير للأدبية الجاهزة في هذا السياق، فالزوجة لا تستجيب للناظر اليمني، وزوجها المصري خامل، لكن حينما تتفاعل الشخصيات الثلاث ويلقي لها الرجل اليمني بقميصه كي تكتم سم العقرب لا تنسى رائحته أبدا.
ثمة حس صحفي في “ماء العقرب” و”تراب العذراء”، ونراه على نحو أكثر نضجا وفنية في قصة “ضحكات التماسيح”، فالرجل الذي غادره الزمن مثل شخوص عبدالموجود يعود بعد تركه للجريدة ليعدل من عناوينها الأولى وبما يجعله عرضة لغضب رئيس التحرير الحالي وتكون لعبة الرجل الغابر هي لعبة حركة التمساح المراوغة والمضحكة في آن.
وبعد.. “حروب فاتنة” مجموعة مغايرة تكرس لمشروع كاتبها السردي الحقيقي والمختلف”.