قراءة في رواية الزيارة لـ عمرو العادلي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

 


هي رواية تشبه الحياة, أولها كآخرها, آخر جملة قد تسلمنا لأول جملة ثم نبدأ من جديد. رواية اجتمع فيها الكثير من عناصر الكتابة كالخيال الخصب وروعة الأسلوب وجمال التشبيهات والسرد الذي لا يجوز أن تمضي إلى جواره بحرص, لأنه سيبتلعك في داخله غصبا عنك.

الأحداث هنا تشبه تلك الصور التي نراها ونحن نصف مغيبين كتلك اللحظات الأولى التي يسري فيها مفعول المخدر قبل خضوعك لعملية جراحية, أو ربما تشبه بعض الهلاوس التي تمر أمام مخيلتك عند إصابتك بنوبة شديدةٍ من الحمى. الرائع هنا هو قدرة الكاتب على تحويل كل تلك الأحداث الهلامية أو الكابوسية لعالم شبه حقيقي, وقدرته على بث الروح في المشاهد الضبابية وتحويلها لأحداث وصور حقيقية من لحم ودم وروح.

 

فالكاتب كانت لديه القدرة على التوحد بالصور والتشبيهات والشخصيات, وحتى الأحرف التي يستخدمها للكتابة. لقد كون الكاتب علاقةً خاصة مع كل ما يدور حوله تقريبا في هذا العالم واستطاع أن يطوّعه بمهارة كتب بها تلك الرواية التي تسحبك بهوادة متقنة لتتمكن بالتهاملك كاملا فيما بعد. فالأحداث والزمن وحتى جمل الكاتب كانت أشبه ما يكون بالدوائر التي يسلّمك آخرها لأولها والعكس.كاهتمام الكاتب بوصفه لحرف الجيم الذي يمضي كنصف دائرة هو الآخر أو لحرف الصاد المجرد تماما من النقط ربما كبطل الرواية نفسه.

البطل في هذه الرواية لم يكن بطلا بالمعنى المفهوم, كان مجرد راوٍ أو متفرج ربما كان قارئا مثلنا, يقص علينا فقط الأحداث التي مرت به أو التي اعتقد أنها مرت به وشاركه فيها بقية شخصيات الرواية كالأم والجدة اللتان لا تعرف طيلة الرواية من منهما ماتت ومن ظلت على قيد الحياة فكلتاهما كأنهما كانا يلهوان مع الموت.

تبدأ الرواية بمشاهد تمهيدية لاحتضار الأم التي تكلف ابنها بالبحث عن أبيه وتوصله إلى المستشفى التي يقيم بها, لتمضي الرواية فيما بعد وتتشعب إلى عدة خطوط, خطوط تحمل الماضي يكتبها الكاتب بأحرف مائلة وطباعة خفيفة, وخطوط أخرى تحمل الحاضر مكتوبة بأحرف معتدلة ثقيلة الطباعة. يدخل الكاتب عالم المستشفى الذي يبدو كعالم آخر تماما. ليفاجأ البطل بأن الأب ليس إلا مجرد رأسٍ ووجه يتكلم ويسمع ويأكل, ولكنه بلا جسد ليحركه من مكانه. لم يكن هو وحده من فقد جسده بل نجد العديد من الشخصيات فقدت رؤوسها وانفصلت عن الأجساد التي لازالت تتمكن من الحركة ومتابعة بقية الوظائف الحركية والميكانيكية ولكن بدون رأس.

يطلب الأب من الابن فور رؤيته بأن يبحث له عن بقية جسده الذي أُخذ منه عنوة, ليمضي البطل في رحلته كمن يتهاوى في بئر بلا قاع. فالمستشفى كانت أشبه بالحصن وعبورها كان بمثابة عبور بوابة أخرى للعالم ككل, فالمستشفى يحرسها العديد من الحراس الذين يمنعون الناس من الخروج كأنهم ذهبوا إلى الموت الذي لا رجعة فيه. لكن الكاتب يتمكن من الخروج ليكتشف عالما آخر غير الذي كان موجودا قبل دخوله.

ثم تنفصل الكتابة بعد ذلك لجزءين فتارة يمضي البطل حاملا رأس أبيه في حجره يحاورها ويتحدث إليها, وتارة يمضي إلى جوار جسده الذي يمشي طبيعيا على ساقيه وقدميه المحشورتين في فردتي حذائه الأحمر, بشرا طبيعيا لا ينقصه سوى الرأس.

ما بين رحلة البطل في البحث عن جسد أبيه المفقود, ودخوله وهروبه من المستشفى ونوبات الجنون التي كانت تمر بجدته, يتحول إلى مجرد مفعولٍ به, مجرد شبح خارج الأحداث, كأنه لم يكن موجودا, أو ربما أصابه مسٌّ من الحكاية فأخذته إلى داخلها. ربما هذه هي الحياة التي يمر الواحد منا عليها كالمتفرج, يشعر أن الأحداث كلها تخصه وتهمه ومع ذلك يلا يقوى على التعامل والتفاعل معها.

ربما ما يؤخذ على الرواية هو نهايتها التي لم تأت مفهومة وواضحة, فقد انتهت بأحرف مكتوبة لاسم الجلالة “الله” ربما فقط أراد أن يخبرنا أن كل شيء ماعداه ليس إلا مجرد صخب وحكايات مشوشة بلا معنى. ربما كنا في حاجة لتفسير أوضح لبعض رموز الرواية كالجدة التي تلتهم أذرع الناس, أو كالرأس المنفصل, ولمَ لم يعد مثلا إلى جسده؟ خاصة وأن نفس البطل كان يتمشى معهما ولكن كلاًّ على حدا. وكذلك أمر الحراس وربط وجودهم بممارسة الشعائر الدينية. ربما الأمر يحتاج قراءة أخرى. وإن كنا لا ننكر في النهاية أننا أمام رواية متفردة.

يذكر أن الكاتب قد صدرت له عدة أعمال منها : كتالوج شندلر “رواية”, رحلة العائلة غير المقدسة “رواية” و حكايات يوسف إدريس “مجموعة قصصية”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ