في موضع ما من القارئ
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

ولد ستيفن دَن   في نيويورك عام 1939، حصل على إجازة في التاريخ واللغة الإنجليزية من جامعة هوفسترا وحضر ورشة الكتابة الإبداعية في ذي نيو سكول وحصل على الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة سيراكيوز. عمل لاعبا محترفا لكرة السلة، وفي مجال الدعاية، وعمل محررا، وأستاذا للكتابة الإبداعية.

صدر له أحدث دواوينه عام 2006 بعنوان “كل شيء آخر”، تاليا لديوانه الصادر عام 2003 بعنوان “زيارات محلية”، وديوانه “ساعات أخرى” الصادر عام 2000 والفائز بجائزة بوليتزر في الشعر في العام 2001. حصل على العديد من الجوائز والزمالات التي لا يتسع المجال لذكرها.

***

إلى الذين نتفهم أنهم مشغولون جدا عن قراءة الشعر

هوِّنوا على أنفسكم

إنها لن تستمر طويلا.

وحتى إذا هي طالت

أو إذا أصابتكم أبياتها بالنعاس

أو الملل

فأسلموا أنفسكم للنوم

أو افتحوا التليفزيون

أو وزِّعوا أوراق اللعب.

هذه القصيدة مصممة على احتمال

مثل هذه الأمور.

مشاريعها غير قابلة للتضرر.

هي موجودة في موضع ما من الشاعر

وأنا بعيد.

اختاروا أي وقت.

ابدأوها إذا شئتم من المنتصف.

يمكن التعامل معها كمونودراما

ويمكن أن تقدم لكم العنف

لو أن العنف ما تريدون.

انظروا،

ها هو رجل على الرصيف،

الطريقة التي ترتعش بها ساقه

تشي بأنه لن يرجع أبدا مثلما كان.

هذه قصيدتكم

وأنا أعرف أنكم مشغولون في العمل

أو أن الأطفال يجعلونكم على أعصابكم.

ربما الجنس ما تبحثون عنه.

حسن، ها هما معا مستلقيان

مثل معاطف الحفل ذات الأزرار المحلولة

ها هما بعدما هويا على السرير

في انتظار أن تحركهما أذرع مخمورة.

لا أحسبكم تريدونني أن أواصل،

كل منكم الآن يتوقع ما يحلو له،

لكن هذه قصيدة لكل أفراد الأسرة.

الآن، تنهال البيرة من شلال

ومزيلات العرق تنطلق تحت أذرع أشخاص يشبهونكم،

والعاشقان الآن يرتديان ثيابهما

ويتبادلان كلمات الوداع.

لا أعرف أي موسيقى يمكن أن تأتي من هذه القصيدة،

ولكن من المؤكد أن الأمر بحاجة إلى موسيقى.

فمن الواضح أنهما لن يلتقيا بعد الآن

ونحن بحاجة للموسيقى هنا

لأنه لم تكن هناك أي موسيقى

عندما تركتك أو عندما تركتها

في الزاوية.

رأيتم؟ أنا أريد هذه القصيدة

أن تكون أرقَّ من الحياة.

أريدكم أن تنظروا إليها

عندما يتلوى القلق في بطونكم

وتكون آخر حبة مهدئة قد نفدت

وتكونون بحاجة إلى من يقول

ستجدني حينما تحتاج إليّ

مثل صوت في قوقعة.

القصيدة تقول لكم هذا.

ولكن لا تمنحوا هذه القصيدة شيئا.

فهي أصلا لا تنتظر الكثير.

وهي لن تقول أكثر مما يبيِّنه الإنصات.

فاجعلوها في حقيبة عندكم، أو داخل البيت.

وإذا كنتم إلى الآن لم يغلبكم النعاس

أو لم يصبكم الملل.

فاضحكوا.

اضحكوا على أنفسكم، وعلى القصيدة، وعلى الشعر.

هيا:

.

رائع. هذا ما يمكن للشعر أن يفعله.

تخيل نفسك يرقة.

لا بد من هزة رهيبة ثم، بغتةً،

تصير جميلا لما بقي من حياتك.

***

أكثر من تجربة يمكن أن نقوم بها مع هذه القصيدة: يمكن مثلا أن نجرب قراءتها من المنتصف. يمكن أن نختبر فعاليتها كمنوم، أو مثير للضحك. أو نقترح تجربة أخرى لم تقترحها القصيدة: ماذا لو ضيقنا أعيننا قليلا، ماذا لو استعنا بمقص، أو في حالة القراءة من خلال الشاشة، نسخة نأخذها على صفحة بيضاء تخصنا، وفيها، نحذف السطور من حول هذه الكلمات:

انظروا،

ها هو رجل على الرصيف،

الطريقة التي ترتعش بها ساقه

تشي بأنه لن يرجع أبدا مثلما كان.

هذه، بالنسبة لي على الأقل، قصيدة جميلة، ربما يكون ستيفن دن هو الذي كتبها، لكنه لا يعرف أنها انفصلت عن قصيدته الكبيرة لتواجه العالم وحده، أو قطعة من العالم هي قارئها الذي لم ير ما يردعه أو ينكر عليه حرية تشويه قصيدة شاعر آخر لخلق قصيدته الخاصة عن رجل لن يرجع الآن مثلما كان.

وأليس هذا قريبا في أثره من تجربة تقترحها قصيدة دي؟ تجربة القصيدة بوصفها وسيلة انتقال، لا من مكان كالذي نعيش فيه إلى لامكان كالذي تعيش هي فيه، بل من طور إلى طور. من حالة اليرقة إلى حالة الفراشة، أليس هذا ما تعدنا به القصيدة في نهايتها؟ أليس هذا ما يزعم الشاعر أن الشعر قادر على القيام به؟ أنه قادر على أن يكون للإنسان بمثابة الهزة العنيفة اللازمة لكي يتحول الإنسان إلى إنسان أجمل مثلما تتحول اليرقة أو الدودة إلى فراشة؟

مشكلة التجربة الأخيرة، مشكلة التيقن من صدق زعم الشاعر، أننا لا نصلح فيه حكما، اللهم إلا كقراء. هل يصح هذا إذن سؤالا عن جودة الشعر، أو ربما شعرية الشعر، هل ينبغي أن نسأل أنفسنا بعد كل قصيدة إن كنا أصبحنا أجمل مما كنا؟ نحن من جانبنا نثق في أن الشعر قادر على أن يجعل الإنسان أكثر إحساسا بنفسه وبالإنسان وبالأشياء وبالجمال، وأكثر حساسية تجاه القبح وأشد اجتنابا له. ربما يرى البعض في هذا مبالغة منا، أو انحيازا، وربما يرى البعض أن الشعر لا يجعل الإنسان أكثر جمالا، بل أقل احتمالا للعالم الذي، بالمصادفة، لا يوجد له بديل، على الأقل، ما دمنا أحياء.