في كنف الريح.. في كنف دكتاتور .. بولينا بارسكوفا
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

تعد الشاعرة الرسية "بولينا بارسكوفا" إحدى أهم الشاعرات الروسيات ممن تقل أعمارهن عن أربعين عاما بحسب التعريف الوارد لها في مجلة جورنيكا الأمريكية، مع بعض أعمالها المنشورة في عدد المجلة الصادر في مايو من عام 2007. تضيف المجلة أن بارسكوفا نشرت العديد من الكتب الشعرية التي فازت بجوائز مهمة، وتضيف أنها انتقلت من روسيا إلى ولاية مساتشوستس الأمريكية حيث تعمل بالتدريس في جامعة هامشر.

القصيدة التي نقدمها لها في هذه الحلقة مترجمة من الروسية إلى الإنجليزية بقلم “إيليا كاميينسكي”.

***

مخطوطة عثرت عليها “نتاشا روستوفا” أثناء الحريق

سأحاول أن أعيش على هذه الأرض بدونك.

سأحاول أن أعيش على هذه الأرض بدونك.

سأصبح أي شيء،

لا يهمنى ماذا يكون

سأكون هذا القطار المسرع،

هذا الدخان،

أو هذا الرجل الجميل

الضاحك في المقعد المقابل.

جسما بشريا لا حول له ولا قوة

على الأرض.

قطعة حطب من الغابة

تضربها مياه المحيط.

شيئا يضعه لينين على كتفه الرسمي.

ولذلك، ولكي لا تعاني، تعيش النفسُ البشريةُ

في كنف الريح، في كنف الغابة، في كنف دكتاتور عظيم.

لكنني لن أكون ماء. ولن أكون نارا.

سأكون رمش عين.

إسفنجة تغسل شعرات عنقك.

أو فعلا، أو صفة، سوف أكون.

كلمةً ما تحمر لها وجنتاك.

ماذا جرى؟ لا شيء.

خطر لك شيء؟ لا.

ما جرى لا يمكنك الهمس به.

لا دخان من غير نار، هكذا يهمسون.

سأكون حفنة دخان

أعلى هذه المدينة الضائعة

أعلى موسكو.

سأكون عزاء كل رجل

سأنام مع أي رجل

تحت عربات الجيش المسافرة.

***

نتاشا روستوفا شخصية رئيسية من شخصيات رواية الحرب والسلام لـ ليو تولستوي. ومن ثم فهناك طريقتان لقراءة هذه القصيدة، أن نتذكر الشخصية الروائية، وغرامياتها، وما شهدته في حياتها من فجائع، وما آلت إليه حياتها في نهاية المطاف بعد انسحاب القوات الفرنسية حيث تمكنت روستوفا من الزواج أخيرا وإنجاب أربعة أطفال.

وطريقة أخرى لن تقتضي منا إلا أن نتجاهل العنوان الذي لا بد أن نكون نسيناه أصلا، والذي نذكركم به: “مخطوطة عثرت عليها نتاشا روستوفا أثناء الحريق”. ويتبين أن نتاشا ليست بطلة هذه المخطوطة، أو هذه القصيدة، هي مجرد الشخص الذي عثر على المخطوطة. وهناك شخص آخر في قطار يكتب هذه الكلمات، أو يستسلم لانسيابها في ذهنه.

غير أن حضور الحرب لا ينتفي قط، يكفي اسم روستوفا في البداية لنتذكر جميعا الرواية والحرب، ويكفي ذكر عربات الجيش المسافرة في نهاية القصيدة جنبا إلى جنب الدخان المعلق أعلى مدينة موسكو الضائعة لنتذكر الحرب.

وما بين هذين القوسين، ثمة شخص ما هو بطل هذه المخطوطة، يخاطب غائبا، يقول له إنه سيحاول الحياة على هذه الأرض بدونه. من الصعب أن نفترض سببا آخر للغياب سوى الحرب. ولكن ربما يكون غياب الحبيب سببا هينا ليعجز شخص ما عن الحياة على الأرض. لا شك أن الحب محرك أساسي من محركات الحياة على هذه الأرض. حتى علم النفس ـ فيما نذكر ـ يضع الحب ـ في أحد أشكاله على الأقل ـ في مرتبة متقدمة من هرم الرغبات الإنسانية الأساسية. لكن، أإلى حد أن تستحيل الحياة لمجرد فقدان الحبيب؟ أإلى حد أن يجرب الإنسان وقد غاب حبيبه أن يفقد وجوده؟ أإلى حد أن يستوي لدى إنسان أن يكون إنسانا أو قطعة خشب تتقاذفها أمواج المحيط، أو كلمة تحمرّ بسببها وجنتان؟

لماذا نميل إلى المغالاة فيما يتعلق بالحب؟ لماذا تكون اللقية الوحيدة التي تنقذها نتاشا روستوفا من حريق موسكو هي هذه القصيدة العاطفية؟ ولماذا دون كل أنواع الحب نعلي كل هذا الإعلاء من حب الرجل والمرأة أحدهما الآخر؟ لماذا ليس الصديق صديقه، أو الأب أبناءه؟

ولماذا يكون الحب أوضح ما نراه في قصيدة فيها في الوقت نفسه تعريض بالطغاة؟ وفيها الإنسان إذ يتعالى على الماء والنار، على النقيضين، على الكمال؟ وفيها أيضا الإنسان، وبرغم أن وجوده هان عليه، يعلم أنه هو نفسه أكبر عزاء ممكن لغيره من البشر المعذبين؟

ماذا في الحب يجعل كل ما سواه دونه؟

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:199. Generation time:3.213 sec. Memory consumption:44.1 mb