في ضرورة الفودكا وعلامات التعجب
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

لو أن الأسماء قابلة للترجمة لقلنا إننا اليوم مع قصيدة من "جبل الجوع". جبل الجوع أو مَوِنْتِن هَنْجَر، مجلة أمريكية أكاديمية تصدِر عددين سنويا أحدهما يصدر في أبريل والآخر في أكتوبر عن كلية فيرمونت التابعة لجامعة ومعهد الاتحاد. تشير المجلة إلى أنها متخصصة في تقديم الأعمال الفنية الراقية في الشعر والنثر والفن التشكيلي والرواية والسيرة الذاتية والكتابات غير القصصية والحوارات والترجمات. فيما يلي قصيدة من العدد الصادر في أكتوبر من عام 2006 للشاعرة إليانور ستانفورد.

نشرت ستانفورد قصائدها في عدد من المجلات الأدبية الأمريكية المرموقة مثل جورجيا ريفيو و"بلاو ـ شيرز" و"تراي كُورْتَرْلِي" وأوشكت مخطوطة ديوانها "كتاب النوم" على الفوز بجائزة دُورسيت.

***

قصيدة سياسية

بينما يتكلمون في الراديو عن الأمن

أهرس أنا البازلاء في المِبْشَرَة المعدنية

ناثرة بقعا خضراء على طاولة المطبخ.

الراديو مفتوح

ولكن بصوت منخفضٍ

يجعلني لا أرميه بما في يدي،

بدلا من ذلك،

أكتفي بمزيد من الضغط على البازلاء

إلى أن توشك أصابعي على المرور بين فتحات المبشرة

فتنزع الجلد عن مفاصلها.

لو كنت في بلد غير هذا،

في أمريكا اللاتينية مثلا أو شرق أوربا

لكنت كتبت أبياتا تقول

“أيا بلدي، اهتمي بنورك”

مثلما فعل نيرودا،

لكنت كتبت “أرجوكِ

رجاء وليد لأمه”

كما كتب وهو يحملق من شباكٍ

ناظرا إلى محيط يعاود المجيء بلا ملل إلى الصخور السوداء.

آه للحياة وسط أولئك الكتّاب الذين يفرطون بلا حياء في استخدام الفودكا وعلامات التعجب.

غير أنني في مكان كذلك

كنت على الأرجح سأكون المرأة التي تضيع وسط بخار يتصاعد من قِدر كرنب يغلي

أو المرأة التي تحمل طفلا على ظهرها بينما يداها مشغولتان على لوح الفطائر

تفرد الغِلَّ في دوائر محكمة من الدقيق.

كما هو الحال في مطبخي الحافل بالأدوات الحديثة

إذ أنفِّس عن غِلِّي في المبشرة المعدنية

وأتهيأ لإضافة ملاعق صغيرة من الأرز واللبن الطبيعي

من أجل الصغير.

***

غالبا ما يقول الناشطون السياسيون إن كل شيء في حياتنا سياسة، المقعد الذي نجلس عليه والشارع الذي نسير فيه وربما الهواء الذي نتنفسه. وربما يكونون محقين. وإن كانوا مبالغين بعض الشيء. غير أن هذه القصيدة لا تستحق عنوانها ـ وهو “قصيدة سياسية” ـ لمجرد أن كل شيء في الحياة سياسة.

ربما لا توجد تلك العلاقة المباشرة بين ما يردده الراديو وما تفعله تلك الأم في المطبخ. فالخطاب الإذاعي لا يتكلم مثلا عن توفر المواد الغذائية في وقت لا تجد فيه الأم ما تعده لطفلها، ليخلق مفارقة مباشرة تبرّر سياسية القصيدة. ولكن غياب العلاقة المباشرة هذا هو ما يمنح القصيدة بعدا سياسيا مضافا. فالقصيدة إجمالا تقول إن الخطاب الإذاعي مهتم بما لا تهتم به أم عادية.

تلك إذن حال أم يتصادف أنها شاعرة، وأنها مستغرقة في إعداد وجبة لطفلها في حين يستغرق الإعلام فيما لا تهتم به. إنها صورة مبسطة للظرف الذي كتب فيه كبار الشعراء الثوريين من قبل، حين كانت الحكومات الدكتاتورية أو المحتلة تقمع حرية الشعوب في أغلب بقاع الأرض ولا تبالي بمعاناة البشر العاديين. ولكن الظرف في نسخته الحالية يجعلنا ندرك أن زمان نيرودا قد ولى ربما إلى غير رجعة. فلم يعد الشعراء يخاطبون أوطانهم كما يخاطب طفل أمه، بل ينفسون عن غلهم في أشياء أخرى، قد تكون قصائد، أو فطائر، أو وجبات لأطفالهم. أصبح الشعراء ـ وها هي شاعرة تمثلهم ـ يتصورون أنهم لو ولدوا في زمان آخر ومكان آخر لما كانوا شعراء بالأساس، بل لكانوا عمالا وعاملات يعيشون حياة بسيطة حافلة بالكدح والمعاناة.

كان نيوردا ولوركا وحمزاتوف وأمثالهم في كثير من بلاد العالم يغضبون ويكتبون غضبهم قصائد وأغاني لا تعدم طريقها إلى قلوب أبناء أوطانهم، محمولة على صفحات الجرائد أو عابرة بحناجر المطربين والمطربات. ولم يكن الشعراء يخيبون توقعات قرائهم ومحبيهم ومحبي الحرية في كل بقعة من بقاع الأرض. فكانوا في آخر العمر يتلقون الرصاصات في ظهورهم، أو قلادات نوبل على صدورهم، فتحولهم الرصاصة أو القلادة إلى أسطورة تؤكد الأسطورة التي عاشوا يغنونها للناس: أسطورة الوطن الرحم، الوطن الأم الذي علينا انتزاعه من بين أيدي مغتصبيه ومشوهيه.

واختفت تلك الصورة. إلا من موضع سري في ذاكرة الشعراء أنفسهم. فصاروا إما يكتبون قصائد كالتي وقفنا معها اليوم، أو يسخرون من تلك الصورة القديمة للشاعر صاحب الرسالة، ناظرين إلى الشاعر باعتباره مواطنا عاديا يقع عليه ما يقع على غيره. واختفت بذلك تقريبا صورة الشاعر المناضل.

لقد اعترض تقريبا كل الشعراء الأمريكيين على خوض بلادهم حرب العراق. ولكن اعتراضهم ذلك لم يتجل كثيرا في الشعر. وبدلا من ذلك كونوا جماعة باسم “شعراء ضد الحرب” وأطلقوا لها موقعا على الإنترنت يضم آلاف القصائد التي كتبها شعراء من جميع أنحاء العالم معترضين ومنددين وباكين وحشية الحرب والغصب والاحتلال. ولكن ذلك الموقع يؤكد تراجع دور الشاعر لا حضوره. لأن موقعا كذلك، بل إن قصيدة من القصائد  المنشورة على ذلك الموقع كانت كفيلة منذ عقود قليلة مضت بأن تلهب حماس الجماهري، والثوار. ولكنها اليوم باتت تزدهر في هامش ضئيل داخل الواقع الافتراضي لا يعرف بأمره ربما إلا من يكتبون فيه.

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:199. Generation time:2.999 sec. Memory consumption:44.1 mb