موقع الكتابة الثقافي uncategorized 35
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

صفاء النجار

أشياء كثيرة تجعلنى شديدة التعاطف مع «فايزة أحمد». فرغم أنها كروان الشرق، وأنها الصوت النسائى الوحيد الذى كانت أم كلثوم تسمعه بإعجاب، وأنها «أحلى من ينطق حرف الحاء فى العالم»، كما قال عنها رياض السنباطى، إلا أن أصدق وصف لصوت فايزة أحمد هو ما قاله عبدالوهاب بـأنه «الكريستال المكسور»، هذه الكسرة أو الشرخ- تنبع من روح فايزة المضطربة، القلقة التى ترى فى صوتها أكبر وأعمق مما يراه الآخرون، فاحتاجت لبذل الكثير من الجهد، كى تجبر العالم على أن يفتح أذنيه ويصغى لإحساس صوتها.

بدأ سوء التقدير من وطنها سوريا، مما جعلها تترك دمشق التى لم تحقق فيها النجاح الذى ترجوه، وجاءت للقاهرة المزدحمة بنجومها المصريين والعرب: عبدالحليم، نجاة، صباح، وردة،.. فى هذا المحيط العارم، لم تصبح فايزة أحمد نجمة من اللحظة الأولى.. فلم يكن لديها ما يخطف الأبصار، ويسلب العقول من الطلّة الأولى، كانت فايزة كتابًا يحتاج من يكتشفه بتأنى الإنصات وليس مجرد لمح البصر، كان لفايزة جمالها ولكنه ليس الجمال الفاتن الصانع لبريق النجومية، فعبارة «الجمال خير سفير» مقولة حقيقية والوحيدة التى تجاوزتها هى أم كلثوم، فقد كان صوتها أسطورة، شمسًا حجبت أى نقص فى عين من يراها.

عدم التمتع بطلّة ساحرة والنحافة الشديدة، عاملان مهمان فى عدم نجاح فايزة أحمد فى السينما. فكانت تظهر على الشاشة بوزنها الطبيعى الذى اقترب فى تلك الفترة من ٤٠ كيلوجرامًا، وهو ما كان يسبب لها حرجًا بالغًا أمام الجميع. حتى إنها كانت تلجأ إلى ربط قطعة كبيرة من القماش حول خصرها لتبدو أكثر وزنًا مما هى عليه بالفعل أثناء التصوير، لذا لم يكن لها حظ مع السينما والتمثيل، وكانت هى نفسها تقول: «التمثيل كرهته، ولا أحب رؤية الأفلام التى تعرض لى».

وأوصدت السينما بابها أمام فايزة، فاحتاجت لكثير من الوقت والجهد كى تثبت موهبتها وجدارتها بالنجومية. وبقدر ما يعطينا الطريق الطويل والكفاح من خبرة ودربة، بقدر ما يأخذ من راحة بالنا وثقتنا فى أنفسنا ويزيد خوفنا من الفشل.

وبسبب حساسية فايزة الشديدة وإحساسها بعدم حصولها على التقدير المتناسب مع موهبتها، اتسمت أخلاقها بسرعة الانفعال والغضب الشديد، حتى إن زوجها الملحن محمد سلطان وصفها بقوله «فايزة كانت قوية جدًا، كان ممكن تضرب راجل؛ كان لسانها طويلًا، ولا تخشى أحدًا»، هذا السلوك الخشن، غير مرغوب به فى الحياة بشكل عام حتى وإن اتسم صاحبه بطيبة القلب و«إن اللى فى قلبه على لسانه» فما بالك بالوسط الفنى الذى يكسب فيه الكيّسون والدبلوماسيون حتى وإن كانوا يشتعلون غيرة فى داخلهم؟.

عدم الكياسة وقلة الثقة فى الآخرين، جعلا الكبار فى عالم الطرب يرفضون مشاركتها فى حفلاتهم، ويتعمدون طلب استبعادها من حفلات المناسبات الكبرى، ويسيئون معاملتها، حتى وإن تظاهروا بغير ذلك، ففى فيلم «الوسادة الخالية» كان ضمن أحداث الفيلم أغنيه لفايزة هى: أسمر يا أسمرانى، استعان عبدالحليم بوجه نسائى للتعبير عن الأغنية، تضايقت فايزة من هذا التصرف وذهبت إلى حليم وقالت له: ليه عملت كده.. مش كنت تقول الأول، وبخفة دم حليم وذكائه قال لها: «حقك عليا يا فايزة.. هو فى عندنا كام فايزة فى مصر»، لكنها لم تسامحه، وكتمت غضبها، لكن إعادة تسجيله الأغنية بصوته وطرحها بالأسواق أشعل غضبها، وردّت بطريقة عملية، فغنت فى نفس العام أغنية ساخرة اسمها «هاتوا لى وابور الحريقة» على نفس لحن أغنية «حليم» فى فيلم شارع الحب «قولوا له الحقيقة»، هذه المشاحنات واستغراق فايزة فيها، جعلتها تفقد بعض تركيزها فتختار أحيانًا كلمات وألحانًا لا تناسب روعة صوتها.

يبدو أن «كسر الخاطر» كان قدرًا لفايزة أحمد، رغم كل ما حققته من نجاح وشهرة، وامتد كسر الخاطر فى صراعها مع مرض السرطان، الذى ترددت الأقاويل أن إصابتها به جاءت نتيجة لعمليات تجميل أجرتها لنفخ خدودها، وكانت معركتها مع السرطان المعركة الوحيدة التى خسرتها، فلم تفلح معه الثقة أو العناد.