فارس خضر شعرية الاستبصار
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

 

د. مصطفى الضبع

إلى الألفية الثالثة تنتمي ثلاثة أرباع تجربته (ثلاثة دواوين من أربعة صدرت منذ مطلع الألفية)، تجربة استمرت منذ إعلانها الأول عن نفسها في نهاية الألفية الماضية (1998) بصدور الديوان الأول وتوالي الأعمال الجامعة بين الشعر والدراسات الشعبية:

د. مصطفى الضبع

إلى الألفية الثالثة تنتمي ثلاثة أرباع تجربته (ثلاثة دواوين من أربعة صدرت منذ مطلع الألفية)، تجربة استمرت منذ إعلانها الأول عن نفسها في نهاية الألفية الماضية (1998) بصدور الديوان الأول وتوالي الأعمال الجامعة بين الشعر والدراسات الشعبية:

كوميديا – الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة 1998.

الذي مر من هنا– الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة 2002.

أصابع أقدام محفورة على الرمل، مختارات شعرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2002.

4- بعين واحدة وبصيرتين – الأدهم للنشر والتوزيع – القاهرة 20018.

وله أربع دراسات في الأدب الشعبي:

ميراث الأسى “تصورات الموت في الوعي الشعبي”، دراسات شعبية، الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة 2004.

العادات الشعبية بين السحر والجن والخرافة  كتاب مجلة الإذاعة والتليفزيون- القاهرة 2008.

3- المدن المسحورة: تجسير المسافة بين السماء والأرض- الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة 2013.

4- سهراية الليل: 100 حكاية شعبية من واحة الداخلة، الهيئة العامة للكتاب- القاهرة 2015. 

في قسمة عادلة على مستوى الكم يتشارك الشعر والدراسات الشعبية في مشروع فارس خضر، تجربة قوامها ثمانية مؤلفات على مدار عشرين عاما، يتقدم فيها الشاعر فارضا رؤيته على الباحث ، ويعد الباحث للشاعر مرجعياته الفكرية عبر البحث عن الجذور واستصفاء مرئيات الواقع ، مستخلصا رؤيته/ رؤاه عبر البحث عن حقيقة الإنسان في عمل الباحث، واستبصار الذات الإنسانية في عمل الشاعر، ذلك الشاعر الذي يأتي عمله في هدوء يستمده من طبيعة الباحث المدقق ، وقانون الكتابة العلمية ذات الطابع المتأمل بعيدا عن صخب الواقع وضجيج مطالب الحياة اليومية .

في هدوء المتأمل تتشكل شاعرية فارس خضر، وفي عمق المستبصر تطرح التجربة تفاصيلها المفرودة على مدار نصوصه الشعرية جميعها، كمن يزن الكلمات واضعا إياها فيما يليق بها من مواضع ينجز الشاعر نصوصه، ويقيم بلاغته للاتصال بمتلقيه.

في ديوانه الأخير ” بعين واحدة وبصيرتين” يأتي عنوان الديوان بنية غير متكررة مما يجعله نصا قائما بذاته، نص تفوق على غيره من النصوص فتصدرها مكتنزا قدرا من القيمة، أو مكتنزا بعض ما يحيل عليه من النصوص الأخرى، أو فارضا عليها ما يجعلها تستجيب للطاقة الدلالية الكامنة فيه، بداية من الطرح المعجمي لمفردة العين الواحدة مع البصيرتين يطرح التركيب معنى التعمق / الاستبصار، ويحيل إلى نوع من المكاشفة وفق قدرات التركيب على تحريك الخيال أو بث ما يحيل إليه من تصورات ذهنية، قائمة على مفردة محسوسة تدركها مباشرة وأخرى مجردة تدرك من خلال ناتج فعلها ، فالبصيرة تفعل فعلها في استكشاف العالم وإدراك مكنوناته.

من “دليل كسيحعنوان القصيدة الأولى إلى “الرائي” عنوان القصيدة الأخيرة تتبلور رؤية الشاعر في سلسلة تتفرع منها مجموعة من الخيوط والتفاصيل المكونة للعالم حين يقاربه الشاعر الممتلك وعيه، والشاعر يقيم نصوص الديوان على سردية تشبه المتوالية السردية، فالـ “دليل الكسيح” يكشف عن: “شجرة جوافة.. تنام في سريره” والشجرة بدورها تأخذنا إلى مستودع الآثام” الذي يتصف بأنه “عميقٌ وواسعٌ كمَقْبرةٍ جَمَاعيَّة“، ويكون كم ما في القصيدة من وقائع داعيا إلى خطاب صاحبة القداسة “يا صاحبة القداسة” للشكوى من “مصارع الثيران” الذي أحال الحياة إلى “قبر يتحرك بين محطات المترو” لتكون حصيلة رؤية “الرائي” في النهاية هذه النصوص الممتلكة ما يجعل الذات قادرة على تقديم رؤيتها للعالم (يمكن تجربة الربط نفسه بين عتبات دواوين الشاعر الأربعة: كوميديا الذي مر من هنا بـــــــ أصابع أقدام محفورة على الرمل وبعين واحدة وبصيرتين).

بالطبع لا تقوم العلاقة بين نصوص الديوان على هذا الربط الشكلي فقط وإنما تقوم مجموعة من الروابط بين النصوص لتجعل منها نصا واحدا متعدد التفاصيل، منها على سبيل المثال:

1-               عنوان الديوان الجامع لنصوصه، حيث العنوان صيغة مستقلة لا تتنازعها القصائد ولم يكن لها وجود في أي منها مما يجعله صيغة لها قدرتها الدلالية الخاصة خارج سيطرة احتضان أي قصيدة للعنوان حال وروده في واحدة منها.

2-               الصور المتوالية في سرديتها المتدرجة من ضمير الغياب للحضور ومن الغائب للمتكلم، ومن المتكلم للمخاطب.

3-               التدرج في مواقع صوت الذات في القصائد من الداخل إلى الخارج من الخارج القريب إلى الخارج البعيد.

جميع ما سبق يؤكد وحدة الكون الشعري لدى الشاعر المستبصر لهذا الكون.

يشتغل الشاعر على نصين متوازيين: النص الشعبي (الشفاهي غالبا) المنتج مسبقا، يشتغل عليه عبر دراساته الشعبية الكاشفة والمعيدة إنتاج ما سبق للعقل السابق إنتاجه وبثه عبر وسائله الخاصة وقنواته التقليدية (التداول الشفاهي خاصة)، والنص الشعري المنتج خصيصا للحظة تاريخية مفارقة، المتداول عبر وسائط مختلفة، يشتغل عليه الشاعر عبر نظام خاص من اللغة مغاير تماما لنظام الدراسات في اشتباكها مع المنتج الثقافي المغاير

يستهل الديوان بقصيدة ” دليل كسيح ” والقصيدة بدورها تستهل بقيمة منفية (لا يعرف من صحرائه سوى الهاوية) تأخذ متلقيها لأسلوب استثناء له دلالته في الكشف عن طبيعة النص الشعري عند فارس خضر، الاستهلال بهذه الصيغة يحيلنا إلى ضمير الغائب، إلى ذات غائبة توسع مجال الرؤية بينها وبين المتلقي ، فالذات الحاضرة صاحبة القول تضيق مسافة الحركة بينها وبين المتلقي على خلاف المساحة بين غائب وحاضر، حيث الغياب يأخذنا إلى ما وراء الصورة في حضورها القريب ، ومن منطقة الغياب يأتي صوت الذات حين تواصل صيغة النفي أيضا معلنة حضورها من خلاله ومقاربا بينها وبين الغائب بالنفي أولا وبصيغة الاستثناء ثانيا :

“لا أجِدُ ما يدُلُّ عليَّ

سِـوَى أَلَـمِي”

وهو ما يعني أنه قادم من رحلة بحث طويلة عبر الزمن، معلنا أنه لم يجد ما يدل عليه سوى الألم (ألمه الخاص)، مما يجعل من الألم شارة تحرك المتلقي إلى منطقة اكتشاف الأسباب وراء، أو المفضية إلى الألم، فإذا ما وضعنا الذات في منطقة النموذج الإنساني حيث تكون الذات في القصيدة ليست مقصودة لذاتها تماما بقدر ما تحيل إلى المجموع الإنساني مما يعني جماعية الصوت أو جماعية التعبير في إحالته على المجموع الإنساني كله ، وهو ما يفضي إلى كونه إعلانا عن الوجود الإنساني كله ، ذلك الإعلان الذي يتأسس بدوره على النداء على ذات مغايرة تنقلنا بين ثلاثة ضمائر بطريقة واضحة ، تنتقل من:

4-                                ضمير الغياب في التصدير إلى الأنا في استهلال القصيدة، ومن الأنا في الاستهلال إلى المخاطب في النداء:

يا رأسَ الحكمةِ.. والحماقةِ

لم تقرأْ سُــورتي

ولا مسَّكَ حريقي.. أبَــدًا

لكنَّكَ تعرفُ الطريق”

إعادة تفسير العالم

لا يقدم لك الشاعر ما تراه عبر رؤيته وإنما هو يعيد تفسير الأشياء والعالم، ويكون عليك أن تقبل بهذا التفسير ما دمت تدرك طبيعته ومستهدفاته، وما دمت على يقين أن للشاعر رسالة يجتهد أن تكون مؤثرة:

هذهِ المقطوعاتُ الموسيقيةُ

كانتْ في الأصْـلِ

فَـوَارِغَ طَـلْقَاتٍ..”

معيدا الصور إلى طبيعتها الأول، محركا الوعي إلى منطقة تخصها تتمثل فيما كانت عليه في حالتها الدالة فالمقطوعات التي نسيت سنوات شموخها حين كانت فوارغ طلقات تتحول من حالة الحرب إلى حالة السلم حين تصبح مقطوعات موسيقية، وحين يعيدها الشاعر لسيرتها الأولى يطرح من زاوية أخرى كونها تعيش في السلم بمنطق الحرب فهي صوت الحرب قبل أن تكون صوت الموسيقى في تعبيرها عن حالة السلم المتوهمة

الجدارية الشعرية

وفق نظام قريب الشبه بالمعلقة القديمة تعمل القصيدة الحديثة على تشكيل سماتها الشكلية المفضية إلى نظامها الداخلي، تلك السمات التي تتجلى في: الطول، وتعدد الصور وتداخلها، وانتشارها وتميزها بما تمتلك من وعي خاص وطرائق خاصة في التعبير، وتتحقق سمة الطول في القصيدة الحديثة من خلال مظهرين متكاملين:

5-                تشكيل الديوان بوصفه قصيدة واحدة، وتداخل قصائد الشاعر وترابطها فيما بينها مما يجعل أعمال الشاعر أحيانا بمثابة القصيدة الواحدة متعددة العتبات.

6-                طول بعض القصائد مما يقربها من المعلقة من زاوية الطول، يضاف لها عدد من السمات التي تمثل قاسما مشتركا بين القصيدتين: المعلقة القديمة، والجدارية الحديثة

حيث كلاهما طويلة الحجم، تتمدد في الزمن، تتسع لصور متعددة، تعلق في الذهن، تمتلك عوامل الانتشار (قديما عبر تعليقها على أستار الكعبة وإتاحتها للحجيج مما يمنحها مساحة الذيوع والانتشار، وحديثا عبر اعتماد وسائل الاتصال الحديثة وتقنيات النشر في تحقيق الانتشار ذاته) الجدارية الحديثة معلقة على جدار الوعي في مقابل تفسير المعلقة بكونها تعلق في الذاكرة)، وهو ما يتيح للقصيدة الحديثة عوامل الانتشار بصورة أكبر بكثير ما كان عليه أمر المعلقة القديمة.

       تنوع الألوان وتكرارها – شعبية العناصر وتداولها – العمل على إطار له زمن المتعة – لها ظاهر (لونى وتشكيلي)، ولها باطن دلالي – بصرية الصور – تمثيلها للقصيدة في عصرها، أو تمثيلها للشعر في زمنها، إذ تعبر عن سمات القصيدة في عصرها – خروج الجدارية من الانشغال بموضوع واحد تتعدد نواحيه وتتشابك موضوعاته إلى موضوعات متشابكة يربط بينها رؤية الشاعر لا وحدة الموضوع.

من هذه الزاوية يمكننا قراءة تجربة الشاعر وفق نظامين للقراءة:

       نظام يقوم على قراءة القصائد الطويلة بوصفها تمثيلا للجدارية الشعرية.

       نظام يقوم على قراءة تجربة الشاعر بكاملها بوصفها قصيدة واحدة تعد تمثيلا شديد الوضوح للجدارية الشعرية.

وفق النظام الأول تتعالق القصائد في سلسلة من الصور طارحة قضايا الواقع المعيش، فالديوان الأول يضم خمس قصائد طويلة تضم كل قصيدة بدورها مجموعة من اللوحات تماما كما يكون الأمر في الجدارية حين تضم مجموعة من التفاصيل والألوان المتعددة، القصيدة الأولى في الديوان ” نصفُ إلهٍ ينزفُ دَمَه الطَّاهر” تتشكل مادتها من ستة مقاطع تمثل بنى صغرى تتعاضد في تقديم الدلالة الكلية للقصيدة (أوبرا – دائما – طعنة أخيرة مفضوحة كالدموع – في مكانٍ ما .. أفْرغَ حُزنَه كاملاً– الجرح الميت يرش الماء على جسده – نصف إله في ليلة معتمة) وعلى النسق نفسه تأتي بقية قصائد الديوان، محافظة على نظام وضعه الشاعر لتقديم عالمه والتعبير عن رؤيته، والشاعر يؤكد في واحدة من عتبات ديوانه ” العبارة المتصدرة قصائد الديوان” على طرحه النظام بوصفه هدفا في ذاته، حين يستعير مقولة المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس “الأرواحُ الفقيرةُ لا تبحثُ عن الجمال، بل عن النظام” والعبارة المستعارة تؤكد على دلالتين : استهداف النظام – كون الأرواح الفقيرة لا يعنيها الجمال بقدر بحثها عن النظام ، والعبارة تحمل قدرا من الالتباس أكبر مما تحمل معناها الواضح حيث وصف الأرواح بالفقيرة يحمل معنى الذم لكونها فقيرة ، مجردة من الطموح ، أو معنى المدح لكونها واقعة في الفقر بمعناه الاقتصادي نتيجة أفاعيل الأنظمة الديكتاتورية ، ، والنظام مفردة تحتمل المعنيين : النظام في مقابل الفوضى ، والنظام بمعناه السياسي الذي يعني نظام الحكم . ولا يخفى تبدل الدلالات وتغير المعاني حين نقارب بين المعاني المتعددة إذ يمكننا تركيب الفقر بمعناه الاقتصادي مع ديكتاتورية النظام حين يكون المقصود النظام سياسيا، وإذا كان النظام بمعناه الترتيب تحقيقا للدلالة فالقصائد في تشكيلها ماهي إلا نظام لا تحقق عملها بدونه، ولا تمنح متلقيها القدرة على اكتشاف مفاتيحها دون اعتماد نظام يكون طريقة بناء كما يكون طريقة تلق في الآن نفسه، وكلما استطاع المتلقي التوصل لنظام البناء تمكن بالضرورة من التوصل إلى معنى القصيدة ودلالتها في جانبها الأعمق.

هكذا تستهل القصيدة الأولى تقديم نفسها لمتلقيها عبر لوحة أولى ” أوبرا”:

ثم يطرح النص مقدمة مستعارة من المسرح حين يصف المشهد قبل بدايته “موسيقى ثقيلةٌ والتفاصيلُ وخزات دامية” ( الديوان ص ) مازجا السرد بالمسرح في ضفيرة شعرية الإيقاع ، وبعدها مباشرة يبدأ فعل القصيدة بما يحيل إلى بداية سابقة لم يشهدها الداخل إلى المسرح، شان ما تفعله القصيدة الحديثة القائمة على التكثيف :

إذن أقفزُ من مقعدي” فقد جرت من الأحداث ما تجعل الشاعر يقفز من مقعد المتفرج لأداء فعل وجد نفسه مستفزا للقيام به، أو مطالبا لأدائه ” وأشدُ المايسترو من بابيونه الأنيق” ويكون لفعل الشاعر تبريره إذا ما توقفنا على نقطتين لهما أهميتهما في إدراك طبيعة الفعل:

       المشهد ما هو إلا تصوير للحظة تعيشها الذات بوصفها تشاهد وتكتفي بالمشاهدة غير أن الأحداث لم تجر على طبيعتها أو على ما يجب أن تسير عليه.

       المايسترو ما هو إلا الديكتاتور الذي طرحته فكرة النظام بمعناه السياسي، ويكون فعل المتفرج بمثابة محاولة الخلاص من المايسترو الذي يدير الأمور بطريقة ديكتاتورية، إنه فعل الخروج على النظام السياسي دون أن يعبأ بما يكون عليه الآخرون، إذ يكمل فعله يدوس على الوجوه التي تكتفي فقط بالاندهاش “وأمشي / عارياً على الوجوه المدهوشة ” والعري ما هو إلا التخلص مما ظل يغطيه من أفكار ومظاهر للخنوع والرضى بما يفعله النظام ، ليصل إلى موقع الفرقة العازفة، لا ليستولي على مكان المايسترو وإنما ليتولى أمر آلة العزف ” وممسكاً بالكمان الوحيد” والكمان في رمزيته على إصدار صوت يصغي له الجميع ، يكون بمثابة صوت الثورة على نظام الديكتاتور ، والشاعر يقيم صورته على أربع مفردات أساسية : أقفز – أشد – أمشي – ممسكا  يجمع بينها كونها تمثل أعمدة لصورة واحدة أولا ، وكونها تدل على الاستمرار ثانيا ، غير أن معنى الاستمرار الكامن في الأفعال الثلاثة المضارعة يرتفع درجة في اسم الفاعل مما يجعله متفوقا على الاستمرار في الأفعال المضارعة ( بوصفه حدثا غير محدد الزمن مما يجعله متفوقا على الفعل المحدد لزمنه) .

تجدد الصورة

لا يكرر الشاعر صوره، ولا يعيد استخدام تركيب واحد مرتين، ويضيق أمر التكرار حتى لا تتكرر المفردات نفسها كثيرا، قليلة هي المفردات (خلاف حروف الجر) التي تعرف طريقها بالتكرار، وقليلة هي التراكيب التي يمكن للمتلقي أن يدرك تشابهها مع سابقها أو لاحقها، مما يعني اعتماد الشاعر على معجم يصعب توقعه، وعلى نظام لغوي لا يؤمن بتكرار المفردات وإن أدت وظائفها المغايرة في السياق الشعري

في قصيدته ” قبر يتحرَّك بين محطات المترو يأخذنا الشاعر إلى منطقتين متداخلتين: الموت – المترو، في بداية يطرح إعلانه الأول:

بالأمس

متُّ

بين محطتين

ثم يستهل حركته بالنفي، ذلك الذي يحيلنا إلى نوع من الشفافية أو العراء الذي مارس فيه الموت / المتحرك بقوة المترو، والمترو في دلالته على الاستمرار في خط مستقيم لا يتراجع مشابها حركة الزمن وشعور الإنسان بها، حيث الامتداد يعني التجدد وينفي التكرار، ويأتي استهلال القصيدة معتمدا على حاستي البصر والصوت، تناغما مع حركة الزمن / المترو في سيرها الممتد على استقامة الخط:

لم تكُنْ هناكَ سَـتَائِـرُ

لِتَحْرِقَـهَا؛

صرختي

كانتْ مَـجْـزُوزةَ الرَّقبَـةِ

كأُضْحِيةٍ

مُتْخَمةٍ بالألم

إنها واحدة من طرائق رسمه الصورة في تجددها ، طريقة الحركة الخارجية ،حركة المترو بين المحطات أو الإيهام بها ، صحيح هو يرصد تفاصيل الصورة داخل المترو بوصفه معادلا موضوعيا للحياة في الخارج ، غير أنه يضع المتلقي بين خطين متحركين : خط الحياة في الخارج في التهامه هذه الصور ، وفي توجيه النص لإنتاجها ، وخط التصوير داخل القصيدة في قدرته على التعبير عن الحركة الداخلية في محاولتها الانفلات عن الخارج لتتمكن من التعبير عنه منفلتة من ضغطه وهو ما يجعل الصراع قائما بين حركتين تموران داخل الشاعر وتنتقلان للقصيدة التي تنقلها بدورها إلى المتلقي الذي يجد نفسه في مواجهة واقعه من خلال مناخ يعيشه في الحياة ، وطقس تدخله إليه القصيدة التي تسبقه للتمرد وتدعوه إلى اتباع منطقها للانعتاق من وضعه غير الإنساني.

ينضاف إلى ذلك حركة الصور في انتقالها عبر الزمان مرة، وعبر المكان مرات، ثم عبر الحالات ذات الطبيعة الإنسانية التي ترسمها النصوص بعناية.

وفي مساحة ضيقة غير أنها دالة يعتمد الشاعر التناص بوصفه واحدة من طرائق الحركة التي من شأنها العمل على تجدد الصورة، الضيق هنا لصالح النص أولا والصورة ثانيا، فالتناص يحيل إلى صورة سابقة معيدا إنتاجها في بيئة جديدة غير أنها تشد متلقيها طوال الوقت إلى مرجعيتها مما يجعلها تضع نفسها ومتلقيها في حالة من الحركة بين قطبين: سابق ولاحق، وتجاوز التناص من شأنها رفع القيود عن القصيدة لتتحرك في وسيطها الخاص دون تعالق يربطها بالسابق.

قانون النص /منطق الصورة

النصوص تشبه المدن التي لا ندخلها بقوانين تخصنا ، وحين نمارس فيها الحياة ليس بمقدورنا أن نطبق إلا قوانينها هي ، هكذا النصوص تفرض علينا قوانينها ولا تقبل غير دستورها بوصفها نظاما له منطقه الخاص، ربما تبدو فاقدة منطقها للوهلة الأولى وقبل أن يحيلها النص إلى مرجعيتها الواقعية، عندها تبدو الصورة منفصلة عن متلقيها بدرجة ما، غير أنه (المتلقي) حين يقارب الصورة من زاوية تماهيه مع الذات في النص وحين ينجح النص في نقل المتلقي من خانة الهو إلى خانة الأنا، عندها فقط تستقيم الأمور وتكشف الصورة عن جوهرها، هكذا تبدو صورة من مثل:

مصلوبٌ

على سطحِ الماءِ

لا أَرْسُـو

ولا أغْـرَق

نصف التعبير الأول يحيل إلى الآخر / الهو( مصلوب على سطح الماء ) فليس بإمكان الأنا أن تنازع الضمير في فرض سطوته على اللغة ، غير أن الانتقال إلى النصف الآخر حيث المخزون الدلالي للفعلين ( أرسو – أغرق) يحيل على ذات المتكلم / المتلقي في كشفه عن سطوة أخرى تستمر وتجعل المتلقي يعيد النظر إلى الصورة من أولها ، تلك التي تتشكل في تركيب لغوي ممتد: اسم المفعول (في دلالته على الخضوع لفعل الصلب مما يحرك التساؤلات حول أسباب ذلك وما سبقه) + تحديد مكان مغاير تماما لموقع الصورة المسرودة (الماء في مغايرته لعربة المترو) + بيان الحال في صيغة النفي (لا أرسو- لا أغرق)، والفعلان في هذه الحالة يؤكدان حالة الصلب وفقدان القدرة على المقاومة فما يستطيعه المصلوب لا يفي بغرض المقاومة أو تقرير الفعل المطلوب ، وقد يتوهم متلقي الصورة أن النفي يطرح معنيين متضادين غير أنهما في الحقيقية يقتربان في المعنى ( الرسو والغرق مترادفان ) مما يعني توسيع المعنى بالترادف لا تضييقه بالتضاد ( التضاد يحصر المعنى بين طرفين يمثلان قطبين يحددان أفق المعنى بينهما ) ، تتكرر الصيغة في موضع آخر من الديوان (لا كنتُ الرَّاقِصَ الْـمَاهِـرَ / ولا هذهِ رَقْصتي) ، إنه منطق اللغة في قدرتها على تشكيل نص / صورة لا تتأتى لك دلالاتها مالم تدخلها بمنطقها الخاص ، بمنطقك الخارج عنها.

تتعدد مساحات العمل في تجربة الشاعر، ويمكن للمتلقي/ الباحث مكاشفتها والتعمق في دراستها وقوفا على مجموع نصوص الشاعر في دواوينه أو مجموعة نصوص واحد منها، رصدا لمساحات شعرية يليق بها أن تكون واحدة من نصوص التجربة الشعرية المصرية في لحظة تاريخية لا ينتمي لها الشاعر وحده وإنما يشاركه فيها من يمتلكون الوعي بالشعر من حيث هو نظام للرؤية المؤسسة على طبيعة جمالية دالة.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:767. Generation time:24.717 sec. Memory consumption:291.02 mb