موقع الكتابة الثقافي uncategorized 99
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د. رضا صالح

فى أوقات فراغه تعود أن يجلس فى الشرفة، يطالع وجوه الناس ذاهبين وآيبين من سوق مجاور للعيادة، كانت عيادته فى مكان شعبي آهل بالسكان،وقد مر على افتتاحها أكثر من ثلاثة أعوام. أوقات فراغه أطول من أوقات شغله بالعيادة؛ بل قل انه كان يتحرج أن يقول إن عيادته جلها أوقات فراغ ودعة، اتصلت تليفونيا لأسأل عنه ؛ قال لى:

شرفنا تجد ما يسرك؛ عندنا قهوة وشاى وقرفة وعناب وينسون و…

قلت:

 قهوة متكاملة

رد بابتسامة واضحة فى صوته:

لابد أن يكون المكان مهيئًا،  مادام لايوجد زبائن ؛ فالأفضل أن نستقبل الأحباب..

قلت مغمغما:

نعم..سأكون عندك غدا…

                                                 —***—

أعلم أن أباه كان طبيبا ؛ عندما توفى ترك لهم منزلا فتح فيه عيادته، وفيت بوعدى، وذهبت لزيارته.استقبلنى الممرض بحفاوة، فى الحال أبلغ الطبيب، خرج مهرولا لمقابلتى، كان وجهه يطفح بسعادة ظاهرة، قال:

تحب أن نجلس فى المكتب أم فى الشرفة أم فى الصالون ؟

دعنا نجلس فى الشرفة، فالجو حار ؛ والنفس تسأم من كثرة التواجد فى الأماكن المغلقة كما تعلم !!

لم أجد أى مريض بالعيادة، فقط كان الطبيب والممرض، وجهاهما فى وجه بعضيهما..

جلست معه، وأحسست بالأسى…

ازدادت ابتسامته اتساعا، قال لى:

 ماذا تشرب ؟

قلت:

أى مشروب بارد

أشار إلى الممرض ليأتى بكوبين من العناب

أردف قائلا:

لم أحسب أنك ستوفى بوعدك..

قلت:

 حاشا لله..ولم تقول هذا الكلام يا أخى ؟

أعلم أنك لا تملك الوقت..دائما مشغول فى عملك !!

لا يمنعنى شغلى من زيارتك، فأنت أخ فاضل

فى مصر أحسست بالغربة..

كيف ؟

عندما كنت أدرس فى لندن كان كل شىء مرتبا ومحسوبا ؛الأيام والساعات مجدولة،لا شىء يترك للصدفة،العلاج أيضا..كل مجموعة من أهل الحى لهم طبيبهم العائلى الذى يستشيرونه،لا يترك الحبل على الغارب كما نرى هنا…

يا أخى وهل تقارن أحوالنا بأحوال الإنجليز ؟ هؤلاء قوم تأصل لديهم النظام والترتيب وحب العمل وتقديسه , لكل شىء عندهم وزن وحساب…حتى الزمن القريب لم تكن تغرب الشمس من  مستعمراتهم كما تعلم !!

قال لى بنبرة حزينة:

لقد مكثت هناك أربع سنوات لدراسة الدكتوراة فى الطب النفسى كما تعلم، وعدت لأفتح عيادتى هنا لخدمة الشريحة التى نشأت منها، وهاأنذا أجلس كما ترى…

العيادات تحتاج إلى صبر ودأب..

ذات يوم اقترب منى بعض الأولاد، أخذوا ينظرون ناحيتى ويتضاحكون، بحلق  أحدهم فى وجهى  وهو يشير إلى رأسه مبتسما، وحرك أصابعه فوق أنفه علامة الجنون، تضايقت من هذا المنظر،تجاهلت الموقف مرغما..الناس هنا تخشى الاقتراب من العيادة فيما يبدوا حتى لا يتهمهم أحد بالجنون !

قلت:

لا تدع اليأس يداخلك !!

اغتصب ضحكة وقال:

إذا يأست ؛ سوف لا أحتاج إلى طبيب نفسى , سوف أعالج نفسى بنفسى !!

دخل  الممرض علينا  بصينية عليها كوبان من العناب المثلج..

قال لى:

تفضل..

أمسكت بالكوب وقلت:

لقد جاء فى وقته..

ألقى بنظرة إلى الشارع، يموج بالبشر وأصوات الباعة،أشار إلى سائل يجلس على ناصية الطريق، وقال لى:

أنظر إلى هذا الرجل..

 الشحاذ..

 نعم..

 ماله؟

لقد فكرت مرارا أن أقوم بدوره !! أتدرى كم عميلا له فى اليوم ؟

قلت ضاحكا: هُمُ  ُكثرُ !!

تقريبا، فى الساعة مابين ثلاثين إلى خمسين يدا تمتد إلى يده، هو يخبىء وجهه كما ترى، وهذه تبدو من أصول الصنعة !!

قهقهنا سويا، وقلت:

كم ساعة يقضيها فى جلسته الميمونة ؟

استمر ضاحكا وقال:

هو كالساعة منتظم فى عمله وليس من هواة التأخير ؛ يحضر فى الخامسة ويمشى فى العاشرة..

خمس ساعات

نعم

لو قلنا إن أربعين يدا فى متوسط  جنيها واحدا  فى الساعة؛  سيكون الاجمالى مائتى  جنيها فى الوردية الواحدة..

قال وهو يعبث بمنديل ورقى:

لقد اقترب بحصيلة يومه من راتبى الشهرى فى الحكومة !! 

…………….

*نص من المجموعة القصصية “مطلوب آنسة” الصادرة عن هيئة الكتاب