موقع الكتابة الثقافي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

حاتم محيي الدين

في زمن بوذا كانت هناك امرأة في ريعان الشباب تُدعى (كريشا كوتامي)، رزقها الله بمولود صغير، يملأ القلب سعادة، ويمنح الروح السلام، ويغمُر الأيام بالتجدد، والحياة بالمعنى. عاشت في ظل ذلك الهناء شهورًا لم يُكتب لها أن تُتم العام الواحد، حتى جاء المرض ينهش الجسد الصغير، ويرقده الفراش لأيام، ولم يتركه إلا وقد أسلمت الروح نفسها للموت، وأخذت معها كل سلام في قلب الأم. وأصبح فؤاد (كريشا) فارغًا تقضي الأيام في الطرقات حاملةً جثة الصغير الهزيلة، تلتمس بها السائلين، وتجوب الأروقة، مسحوقةً بالحزن، مكبلةً بالألم، تتوسل كل من كانت تلقاه أن يشير عليها بكيفية تعيد بها الحياة لهذا الصغير. لم تعبأ للمتجاهلين وناعتيها بالجنون، وظلت تبحث وتسال المارة، حتى نصحها رجل حكيم بالتوجه إلى بوذا نفسه، فذهبت إلى لقائه، ووضعت الجثة الصغيرة أمامه وحكت له مأساتها، فاستمع إليها بمنتهى الشفقة، وقال بهدوء: "ليس هناك إلا دواء واحدًا للداء الذي يُؤرقكِ، انزلي إلى المدينة، وعودي إليّ بحبة خردل تكون من بيت لم يعرف أبدًا أي ميت.."

طرقت الأبواب رغبة في العثور على الدواء، وتاقت نفسها للرجوع إلى بوذا محملة بالإجابة، ولكن الإجابات ظلت كما هي، فبالنسبة للخردل فليس هناك أي مشكلة، لكنها لم تجد البيت الذي بإمكانه أن يعطيها الخردل بالشرط الذي وضعه لها بوذا، وبنهاية اليوم كان التعب قد أنهكها، وقد طرقت معظم الأبواب. ولا أمل في العثور على الدواء. فصعدت إلى بوذا لا تحمل إلا اليأس، فلا أمل لعودة الصغير إلى الحياة، ولا جدوى لبحثها الحثيث.

العودة بالدواء..

تتخذ الموعظة من تلك القصة مركزيتها في عودة المرأة إلى بوذا محملةً بالإجابة الحقيقية الوحيدة، فبكل ثقة وامتلاء عادت المرأة وهي لا تؤمن بشئ قدر إيمانها بالتقلب واللادوام، وأن المؤرِق الحقيقي لها هو ذلك الأمل، والتوقع بامتلاك العالم وامتلاك معناه وحقيقته، فالحكمة تكمن دائمًا في أن نتخلى عن كل ما هو زائل وغير حقيقي، تكمن في التخلي عن كل ما بإمكانه أن يُفقد، وكبوذية خاشعة آمنت أن اليأس هو الإجابة، ولا طريق للسعادة إلا من خلاله..!

إذا حاولنا استعادة القصة مرة أخرى، سنجد أن المرأة كان عليها أن تتوقع شيء آخر في البداية، ففي بداية هبوطها إلى المدينة كانت تتوقع دواءً من نوع آخر، دواء بإمكانه أن يُعيد الحياة إلى رضيعها مرة أخرى، فهي لم تبحث عن معنى في البداية قدر بحثها عن إجابة محددة ودواء لغرض معين، وحكمة بوذا كانت تهدف لكشفها عن رمزية هذا الفقد، وهل بإمكانه أن يكون في صالحها، ثم كانت هناك مرحلة من العناء لبلوغ هذا الغرض، ومرحلة في المنتصف بالتأكيد بدأت فيها التساؤل عن مكانتها المتسائلة الحقيقية، مرحلة “لماذا بإمكان الموت أن يختطف الصغار؟!” ثم مرحلة التسليم التام، “من أنا كي أضع قواعد للموت؟!” ومن ذلك السؤال الأخير بدأت في بناء قناعتها باليأس المضاد لكل تعلق والمضاد لكل أمل، فمن هذا الأمل يأتي الشقاء دائمًا.

لماذا الأمل ضروري؟!

القناعات المركبة دائمًا بحاجة لمضاد يبررها، هل كان بإمكان المرأة أن تصل إلى تلك القناعة إلا بقناعتها الطموحة السابقة، وعنائها الذي باء بالفشل في النهاية، هذا اليأس لا يمكن أن ينمو إلا بفشل شخصي، فشل نطبع عليه مكانتنا الوجودية من هذا العالم. اليأس إذا غير مبرر في ذاته ولا يُمكن أن يُخلق إلا في ظل أمل يبرره، ويقتات عليه، فالحياة وفق الواقع تقتضي أن نؤمن بتجربة العنفوان، والامل والتمسك القوي بالحياة، لأن هذه الهشاشة التي تحكم الحياة، لا يُمكن بحال من الأحوال أن تُكتشف إلا بتجربة شخصية.

الحياة وفق الموت..

رغم إحاطة حقيقة الموت بالموجودات كلها، فهناك اختلاف في تصور الفكرة وإدراكها وتقبلها، فالانسان يتميز بقلقه الوجودي، وتتمايز أفراده في مقدار ما يشكله الموت لها، لذلك اهتمت الحكمة القديمة أن تستوعب الحياة في إطار الموت، وجاءت الأديان لتؤكد أن الحكمة كل الحكمة هي في تقبل الفناء، واللادوام، وأن الموت حقيقة لا يُمكن الفرار منها، وهذه الحقيقة هي المُعطى الاساسي في عملية فهم الحياة، فالسعادة مرتبطة بتقبل الحياة كما هي، وبفنائها، وبالتخفف من أحمالها.

 

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:205. Generation time:2.859 sec. Memory consumption:44.27 mb