علاء خالد: بعد تجربة المرض أشعر بأن جزءاً من جسمي لم يعد لي

حاوره: موقع الكتابة

علاء خالد هو أصدقاؤه. يمكنك أن تتعرف عليه جيداً دون أن تراه إذا سمعت وقرأت لأصدقائه ومجايليه وهم يتحدثون عنه، تستطيع أن تراه في كل شوارع الإسكندرية إذا زرتها، يمكن أن تلمح وجهه في كل الوجوه التي حكى عنها، وكل الشوارع والحواري التي جابها ليكتب عنها، علاء خالد هو قصائده، وقصائده تحكي عن ترثي والزمان والإنسان. كل كتاب الإسكندرية يمرون من أمام جاليري علاء خالد، وهم يعرفون أن عينيه ستلتقي بأعينهم في الخارج ليدعوهم إلى كوب من الشاي أو القهوة وحكاية صغيرة، كلهم دخلوا فراديس علاء خالد، سواء كانت في الجاليري أو القصائد أو الرواية، أو أمكنة، أو في حكايته عن البشر والحجر، في هذا الحوار، بعض من فراديسه.

ـ  تجربة المرض الأخيرة، ودخول المستشفى، كيف رأيتها؟ ومع كل هذه المحبة التي أحاطت بك، هل ثمة دروس مستفادة منها برأيك؟

حتى الآن لم أستوعب ماحدث. نعم أشعر بأن داخل هذا الحيز، سواء كان السرير أو المرض أو المستشفى؛ واجهت وشعرت بأحاسيس ومعان جديدة على تماما، ولكنى حتى الآن أحاول أن استوعب الصدمة، ربما يأتي بعدها رؤية ماحدث بقلب صاف، أو بقلب يتسع ويمتص ماحدث. حتى الآن أشعر بآثار هذه الصدمة على جسمى، أتذكر وخزة إبر المستشفى، أو الهواء المعدنى فى قناع التنفس، أو الأسلاك التى كانت تمدنى بالحياة؛ فتصيبنى رجفة، رجفة الانتقال من مستوى معلوم لمستوى أخر غير معلوم، درجة السلم المكسورة، التى تجعل الجسم يهوى وخفقان شديد يوازى سرعة الهاوية المجهولة المقد عليها الجسم. أكثر الدروس المستفادة، هو أن الآخرين هم الذين أصروا على حياتى، عبر التبرع بالدم، وحاوطونى بدفئهم وإصرارهم. قالت سلوى أن وجودهم كان بمثابة تجسيد لتلك اللعبة القديمة التى كنا نرفع فيها الأجساد بأصابع موزعة على نقاط معينة وعبر قراءات مقدسة، ورويدا يرتفع الجسم، بقوة القراءة، وبقوة هذه الأصابع المشرعة والمؤمنة وبقوة التصديق فى المعجزة. أشعر بأن جزءاً من جسمى لم يعد لى، بالمعنى المادى وليس المجازى.

ـ البعض يعتبر تجربة المرض دافعاً للكتابة، مثلما فعل محمود درويش وحلمي سالم وغيرهما، هل تعد لنص عن هذه التجربة، هل هناك نصوص تفتقت عنها؟

خلال إقامتى بغرفة العناية المركزة كنت أرى الحياة من خلال عين خاصة جدا، لها هندستها الخاصة، ولها مساحة من اللاوعى الذى تضيفه على أى شىء من حولها ولها أيضا صور من عالم آخر تطل عليه. كنت أكتب أفكارا وأنا نائم، أرى أشياء تتحرك من حولى، زجاجات المضادات الحيوية، والمحاليل، والسرير نفسه.كان هناك عالم كرنفالى يكشف الحياة الخرى لهذه المواد التى تحيطنى. من تأثير المخدر تغيرت معادلة الأحجام والحقائق. عندما ترى الحياة من عين شخص ممدد على السرير ويرى من أسفل، من مكان  لعين لايشغله أحد، إلا شحاذو الشوارع، الذين يتمددون على الأرض ويراقبون الحياة من هذا المكان السفلى فى مستوى أقدام المارة. أحاول الآن أن أستجمع هذه النقاط والأحساسيس والعلاقات المضطربة بين الأشياء، وأكتب الآن ملاحظات صغيرة حتى لاأنسى. ربما أطورها فى المستقبل القريب. ولكنى أيضا أخاف أن لا يتطابق ما أكتبه مع ماكنت أحسه. أثناء المرض كنت محررا ومتحررا فى نظرتى لأشياء كثيرة. ربما اقتراب الموت أو حضوره؛ عجل بشكل ما فى انطلاق هذه الطاقة لرؤية الأشياء من مكان مختلف، تعود لك العين الباطنية، أو من مكان المغادر أو من شباك القطار، وليس من عين المنتظر على الرصيف. المغادرة تولد راحة غير عادية ربما لأنها تفتح الوعى على أصل موجود فيه وهو الفناء. 

ـ سلوى رشاد ليست مجرد شريكة في كتاب “وجوه سكندرية” أو في مجلة أو كتب أخرى، ماذا إذن؟

سلوى جزء من تطور وعيى، عبر علاقتنا، كانت إحدى الركائز الكبيرة التى أرى من خلالها الحياة سواء فى فترات الأزمات أو فترات الراحة والانشغال والتحقق. علاقتى بها طورت وعيى تجاهها وتجاه الآخرين، لأنى أصدقها وأصدق ماتراه.

ـ هل فشلت معركتك من أجل مكتبة الإسكندرية مع من يسيطرون عليها؟

أعتقد أنها لم تفشل ولكن لم تحقق ماتريده. الثورة كلها توقفت عند درجة سلم معينة ولم تتخطاها. سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات. قوة الدفع فى جميع الأصعدة لم تكن كافية لتحقيق تغيير جذرى، ولكن لايعنى هذا عدم حدوث تغيير. على الأقل الهالة التى كانت مرتبطة بالمكتبة وبمن يديرها قد زالت تماما فى نظر الناس، وهى بداية تغيير ولكنه طويل الأجل ويحتاج لعمل متواصل ونزاهة يجب أن تفرض نفسها على الأوساط الثقافية بشكل عام. هذه النزاهة ستعيد ترتيب علاقات كثيرة وأدوار ملتبسة.

ـ لا حديث عن علاء خالد بدون ذكر الإسكندرية، ولا حديث عن الإسكندرية بدون ذكر علاء خالد، لكن ثمة سؤال يخطر ببالي دوماً عندما أقرأ ما تكتب: هل هذه هي الإسكندرية التي نعرفها، أم إسكندرية علاء خالد تحديداً؟

الإسكندرية بالنسبة لى لها بعدان، بعد مفهومى وهو ما أجده متوفرا فى النصوص التى تحدثت عنها، وبعد مادى، هو طريقة تعايشى معها. أعتقد فى كلا البعدين هناك شىء أسطورى يمَّسك، والاثنان يؤثران على بعضهما البعض وينتجان صورة لها مجموعة من الظلال حولها. هناك شىء ملهم من الماضى، ولايمكن القضاء عليه أو إنكاره كونه  يشكل لحظة ملهمة فى تاريخ المدينة، مازال لها تأثيرها، كالأديان المقديمة والمنسية، على أبناء المدينة ومصر كلها. الإسكندرية مدينة مفهوم توفر الطاقة التى تحرك الأفكار، ولاينفد هذا المفهوم بمرور الزمن. أحب أنا أرى الواقع عبر فلاتر، فى تضاعيفه وظلاله. لايوجد واقع له بعد واحد فقط. الإسكندرية التى أتحدث عنها هى مزيج من الواقع والأسطورة. يمكن أن تتغير هذه الصورة الممنوحة للإسكندرية ولكن ضمن سياق عالمى يعيد تكوين الماضى عبر رؤية جديدة له. الحنين ليس قضية شخصية، وإنما علاقة الثقافة العالمية بالماضى، وحتى الآن هذه العلاقة الجديدة غائبة. شىء آخر أن هذا الحنين ليس كتلة واحدة ولكن تتخلله  مشاعر رفض ونقد للماضى واستبعاد لأجزاء مستعمرة فيه، لقد أحببنا الماضى الذهبى للمدينة والذى لم يكن لنا وكل صوره توحى بوجود الأجنبى وتؤكد صورته! وأخيرا نحب الماضى الذى كنا نتمنى كشعب أن نكون ممثلين فيه. النظرة للماضى تمر عبر عدة أحاسيس متداخلة ومتشابكة لدرجة يصعب تسميتها تحت اسم واحد.

ـ  لكن لماذا ترتبط الإسكندرية بالذاكرة تحديداً، بالماضي، وكأنك تفتش عن شيء لم يعد موجوداً؟

الذاكرة هى مخزن الماضى، وهو المكان الذى يمكن أن تتحول فيه الإسكندرية إلى نص أدبى، أو المكان الذى يستوعب كل رموز الماضى الغائبة. المكان الذى يمكن أن تلمس فيه  الإسكندرية المشحونة . وهو المكان الذى تعودت أن أرى من خلاله، لأنه يحوى البدايات الهامة، سواء لطفولة المدينة، أو للحظة تألقها أو ازدهارها. وربما هو مكان التمثل الفردى والمدينى، ملتقى نهر الفرد مع نهر المدينة. يمكن أن تعيد تمثل سيرة المدينة وماضيها كأنها سيرة تحول شخصى حتى فى الأزمنة التى لم أكن شاهدا عليها.

ـ لكن الذاكرة هي الأساس في “وجوه سكندرية”، و”ألم خفيف” هل تهرب من إسكندرية الحاضر؟

لا أهرب من إسكندرية الحاضر، ولكن يمكن أن أتحدث عنها كناشط مدينى وليس ككاتب. أى أن الحديث عن اللحظة الحاضرة فقير أو محدود، أعنى له جانب واحد،  ويشترك معى الكثيرون فى نقده. بالرغم من فداحة الخسارة التى تحدث للمدينة، ينصب الحديث دوما حول المقارنة مع صورة الماضى، وحول تغول الفساد، إذن تم تسييس المدينة ونُزع منها امتداداتها الخلاقة والملهمة، نُزع عنها اسطورتها. وتظل المدينة ونصها أسيرين لنظرة الماضى أيضا، حتى لو وشيَّت هذه النظرة بدوافع اجتماعية.

ـ لماذا يحرك الهامش وحده علاء خالد للكتابة، سواء في تتبعه لتفاصيل الهامش في “أمكنة”، أو حتى في الدواوين المتتالية التي تحلق في غواية هذا الهامش؟ ما إغراء الهامش بالنسبة لك؟

الهامش بالنسبة لى، كل ماتم اختزاله أو توصيفه فيما مضى تحت شعار جامد وإجمالى، مثل “الفقراء”، “الحكايات الصغيرة”، “الحكايات الكبيرة”، “البطل”، ” الفلاح”، ” الإسكندرية”؛ كلها تعبيرات جمدت المشهد لأنها فقدت اتصالها بالمنبع الذى أتت منه. فى المجلة، وربما فى حياتى، أحاول أن أحافظ على علاقتى بهذا المنبع، سواء كان الهامش، فى شكله عبر العصور، أو فى الماضى، كمحتوى ومفسر لهذا الهامش الخلاق.ولكن بشكل ما أعتقد أن هذا الهامش هو “المين ستريم” ولكن بعد تواريه عمدا واختزاله وإهماله، أو لسهولة الحديث عنه، أى لا أبحث عن الأفكار الفلكورية التى تم تلخيض الهامش فيها وصبه فيها عبر محاولات تدجينه ونزع حيويته منه. أبحث عن الهامش الذى له علاقة وثيقة بالتيار العام للمجتمع، وإن اتخذ شارعا جانبيا مارس فيه دوره .

ـ في “تحت شمس ذاكرة أخرى” ينتاب القارئ بأنها قصائد “مكان” أيضاً. ما رأيك؟ وكيف هربت من فخ “قصيدة الغربة” في الديوان؟

فى أى مكان لاأشعر بالغربة، تنتقل معى أشيائى، وربما أشيائى هذه هى فكرتى عن الآخر الذى يمكن أن يكون لها مرونة واتساع بحيث تؤصل نفسها فى تربته، وفى واقعه ولاتجد نفسها غريبة. لا أشعر بالغربة، ولكن أشعر بالمسافة، بينى وبين الأشياء التى تحوطنى، وهى مسافة طبيعية ترى من خلالها الأشياء وبها مسحة من الخيال أو الأسطورة. وهى ضريبة اى تحول ، من مكان لمكان، أو من فكرة لفكرة، أن ترى الأشياء بعين جديدة مضافا لها حصيلة ونية الرحلة، وهى على مااعتقد المسافة التى تتخلق منها وبداخلها الكتابة.

ـ ابتكر علاء خالد صنفاً جديداً في الكتابة لم يكن موجوداً من قبل، وهو كتابة المكان، وكتب الشعر، وكتب الرواية، هذا يجعلني أسألك عن مفهوم الكتابة لديك؟ أقصد هل توصلت إلى مفهوم جديد للكتابة يخرج عن أطر التقسيم العادي الذي تعودنا عليه تاريخياً؟

الكتابة عن المكان كانت موجودة من قبل ولكنها كانت متناثرة فى نصوص، ومختفية تحت ركام أيديولوجيات فى هذه النصوص، أو مهمشة وليس لها قوة الحضور فى قلب النص، ماحدث منى هو استعادة لها من هذه الضفاف والهوامش ووضعها داخل المتن. ولكن على ما أعتقد ان هذا الانتقال ليس كافيا لتأسيس “أدب المكان”، المسالة يجب أن تحوطها روح الرحلة، سواء الرحلة الفكرية أو المكانية، وخلالهما، وخلال التجارب الإنسانية التى تقوم بهما، سيتأسس الحشو الروحى والفكرى لهذا المكان.

حتى الآن أجد كل هذه الأنواع الأدبية تتناوب على، ربما الشعر له المكانة الأعمق والأقوى بالنسبة لى، ولكنه أيضا يتسرب فى نسيج كل الأنواع الأخرى فلا أشعر بافتقاده أبدا..

ـ هل تطوّع السرد، الذي تستخدمه في الشعر، والمقالات، والرواية، أم ترى أن مساحة السرد أوسع بالنسبة لك؟

أرى أن الشعر هو المنبع الذى يتغير شكله ويمتد ويتحور ويُطوَّع فى كل الأشكال الأخرى. الشعر كفكرة مكثفة لها شكل تحققها وصياغتها البليغة المحكمة، وفى الوقت نفسه نشأتها تأتى من عدم أو من سياق مفتوح، كأنك تلتقط قفشة من الهواء. ليس ماأقوله بلاغة ولكن هذه القفشة أو الضحكة المشددة هى نسخ  وتلخيص لكل ماحولك فى شكل محدد، ويمكن أن تستمر طريقة النسخ هذه وتحل فى كل الأشكال الكتابية الأخرى لأن بها طاقة بداية لها أصالتها، أو جذريتها. لحظة الشعر لحظة عجز عن الكلام فى وجود الإحساس، أعنى استقبال سيل منهمر يمر فى ممر ضيق لطبيعة الإنسان، وليس لعجز منه، ومن هنا تحدث المفارقة، كل شىء يتكدس فى هذا الممر الضيق، يخرج الشعر، متضمنا بالطبع طرائق أخرى للسرد ولكنها تقع على الهامش منه وليس فى قلبه.

ـ لكن لغة السرد نفسها مختلفة، في الرواية عن كتاب “وجوه سكندرية”، عن الحكي في “أمكنة” عن السرد الشعري في الدواوين، هل تحرص على الحفاظ على هذا الخط الفاصل؟

كل سرد بالفعل يختلف عن الآخر، كون جوهر النية مختلف من نص لآخر، ولكنى أجد ان لهم أصل شعرى دقيق.

ـ بمناسبة أمكنة، هل أنت مغرم بتوثيق الإنسان (عن طريق إجراء حوارات مع العاديين) أم المكان (عن طريق توثيق تاريخ المكان)، أقصد هل أنت معني بالبحث عن الذاكرة الضائعة، أم بصنع ذاكرة تكاد أن تضيع؟

أنا معنى بالبحث عن الذاكرة الضائعة ولكن بعد أن مر عليها زمن فى الضياع، هناك شىء صقله الزمن فى هذه الذاكرة، أجده بقوة فى حواراتى مع الناس، أجد شعرية وتركيب فى الوعى خاصين، شىء يقترب من الحكمة. وأيضا هناك ذاكرة تُصنع، عندما تعيد بعث ذاكرات الماضى وتضعها بجانب بعضها، أعتقد أن هناك تصور جديد لهذه الذاكرة أو لهذا العصر أو لهذا الماضى، الذى أتت منه الذاكرة. الذاكرة جزء أساسى فى أى بناء فكرى سواء للفرد أو للجماعة.

ـ لدي سؤال عن العائلة التي تبدو جزءاً من تكوين علاء خالد الإنساني والأدبي، سواء في الرواية، أو حتى في ديوان “خطوط الضعف” الذي كتبته بعد وفاة والدك، أو “تصبحين على خير” الذي كتبته بعد وفاة والدتك، هل المحرك هنا للكتابة هو الموت، أو التمسك بالجذور، أو محاولة  لرأب صدع أركان فكرة العائلة؟

بدأت الكتابة باعتقاد أن الخبرة الحياتية ومحيط تكون هذه الخبرة والأفراد الذين يعيشون داخلها هم مجتمع هذه الذات/ ذاتى التى تريد أن ترى أصل المشكلة. دائما أشعر بأن هناك مشكلة أو أزمة وجود يجب أن أنظر إليها؛ كأنك أحضرت كل أطراف المشكلة أو الأزمة ليكونوا حاضرين أثناء رحلتك ونقدك أو إنصافك لهذه الذات. هم جمهور شريك فى الذات، لذا كان حضورهم ضروريا. الموت جاء تاليا، ربما كان موجودا تحت هذه النية السابقة كى لاتفقد علاقتك مع أعضاء أساسيين فى حياتك بدون أن تحدد مساحة علاقتك بهم، كأنك تعجل قبل حضور الموت، لكى تتحمل مسئولية غياب الآخرين.. فى كل الأحوال كان الموت يقف بمسافة كبرت أو صغرت من هذه الذات ويشير لها من بعيد كى تتحرك.

ـ هل “الفقد” و”الذاكرة” متوازيان بالنسبة لك، هل هما سبب الكتابة؟

الذاكرة هى الأساس، ثم يأتى الفقد، لن أشعر بالفقد إلا بعد امتلاء، والذاكرة فى رأيى امتلاء. ربما كذلك لاعلاقة للفقد بالذاكرة ، كل منهما له باب دخول خاص فى هذا المبنى الإدارى الكبير الذى يسمى العقل. كل منهما يعمل لصالح جزء يخصه، وبدون أن يلتقيا، أو لو التقيا، مثلا بعد موت شخص تستعيد ذكراه، أو التذكر نفسه يثير شهية الافتقاد لشىء لم يعد موجودا؛ فسيكون مصادفة، لأن الافتقاد ليس ملموسا، بل وتابعا، أما فعل التذكر فهو الأصل، وهناك أدله يراها العقل جلية على وجوده وقوته.

ـ هناك إشكالية تطرحها دوماً الكتابة الإبداعية، وهي المسافة بين الواقعي والمتخيل، لكن يبدو أنك تخطيت هذه الإشكالية مبكراً؟

لم أطرح على نفسى هذا السؤال من الأساس، أصالة أزمتك الحياتية التى حاولت أن أتناولها فى كتاباتى، صنعت لنفسها طريقا، أو صنعت لنفسها توترات وتناقضات وروافد لأفكار وتقاطعات مع أفكار اخرى، شغلت رقعة الضوء الإبداعى لمسرح الكتابة، ولم يكن من بينها سؤال الواقعى والمتخيل، ولكن ربما انشغلت أكثر  بشعرية الواقعى، والواقعى الذى يأتى من مكان اللاوعى، وبالتأكيد سيكون ممسوسا بشىء فوق طاقة المنطق، أو أحد صور الخيال اللغوى.

ـ قبل الإسكندرية، لماذا كانت “سيوة” في “خطوط الضعف”؟

لأنى حلمت بالسفر إليها وكتبت حلمى هذا فى ديوان الجسد عالق بمشيئة حبر. كانت سيوة هى أبعد نقطة ممكنة بالنسبة لى جغرافيا ويمكننى أن اطولها بأقدامى داخل جغرافيا حلمى. الإسكندرية فى هذا الوقت كانت غارقة ومتوارية ضمن مشكلتى مع نفسى، لم أكن أراها، كون العين مسلطة فقط للداخل. سيوة صنعت أول مسافة حقيقية لكى تعيد رؤية حياتك ومكانك. بالإضافة كونها صحراوية، وفكرة الصحراء تشعرنى دوما بمكان أصيل، يتحاور مع مكان آخر أصيل بداخلك.

ـ وجودك شبه الدائم في الإسكندرية، ووجود نشاطات أخرى كثيرة لشباب، هل حقق استقلالاً ثقافياً للإسكندرية؟

أعتقد أن الإسكندرية فى طريقها لهذا، لأنه النشاط الثقافى والفن والمشاعر الفردية الحادة والأفكار ذات الأوجه المتعددة التى تصل لحد الشك، هى جزء من لاوعى المدينة أو عقلها الباطن.

……………………..

أسئلة سريعة

ـ هل تعتقد أن “الإسكندرية” التي في “خاطر ودم” علاء خالد ستعود يوماً؟

الإسكندرية التي في “خاطري ودمى” مفهوم أكثر منها صورة.

ـ في أي عصر من عصور الإسكندرية كنت تتمنى أن تعيش؟

لم اتمنّ أن أعيش في أي عصر لا أقدر على تمثله. ولكن بعد وفاة أبى ذهبت لحى بحرى وهو  الحى الذى عاش فيه وأخذت أعيد تصور حياة الشارع القديم وأسير فى مسار ذهابه للكلية، وأرى ماكان يراه ومازال باقيا، وشكل ملابسه فى الصور ونظارته الدائرية لمثقفى هذا الجيل. كنت أنا الذى يتحرك داخل جسد هذا الشخص الميت. كنت أعيد لقائى بأبى عبر هذا التمثل لعصر الأربعينيات.

ـ هل تفتقد أسامة الدناصوري؟

أسامة الدناصورى، جزء من علاقتى بالمدينة وبالشعر. لذا له مكان داخل نفسى. وموته جعل هذا المكان غير قابل للنقاش أو للنقد. أصبح جزءا من الذاكرة.

ـ هل ندمت لأنك لم تعش في القاهرة مع بقية جيلك؟

فى النصف الثانى من التسعينيات بدأت أشعر قليلا بالفراغ من حولى، ولكن سرعان مازال هذا الإحساس، وبدأت حياة جديدة متشابكة، كان فيها انفتاح أكبر على المجتمع المحيط، وكذلك رحلة أكبر تجاه أسئلة الثقافة بالمجلة “أمكنة”. وعلاقتى “بجيلى” لم تنقطع يوما بالرغم من سفر بعضهم للخارج، العلاقة أوجدت مكانا محايدا لها.

ـ هل غيرتك الثورة؟

أعتقد هذا.

ـ هل فشلت الثورة؟

إذا كان يمكن الإجابة عن هذا السؤال بكلمة واحدة، لا لم تفشل. إنها إجابة ترتبط بالإيمان الشخصى وطريقة النظرة إليه. مثل سؤال هل الله موجود أم لا. أو هل أنت مؤمن أم لا.

ـ هل تحب بول فاليري؟

كتبت قصيدة عنه فى ديوانى الجديد، الذى سيصدر قريبا، عندما زرت متحفه أمام البحر فى مدينة سيت.

ـ ما الوقت المفضل لك على البحر؟

كل الأوقات.

ـ ما مكانك المفضل في الجاليري؟

أمام الفاترينة الزجاجية، كى أشاهد حركة العابرين. كأنى أجلس وأمامى شاشة سينما.

ـ ما مقهاك المفضل في الإسكندرية؟

هناك عدة مقاه، وليس واحدا. الوطنية. عيدة. عبد الكريم. فيليب. الهندى.

ـ متى تعود إلى “تصبحين على خير”؟

لو كنت تقصد العلاقة، تذكر والدتى التى كتبت عنها فى الديوان، مازلت أشعر بمس روحى عندما أقرأ الديوان.

ـ ما هو أجمل مكان بعد الإسكندرية؟

الجزر اليونانية.

ـ لماذا تحرص على نشر دواوينك دائماً عند “شرقيات”؟

ماعنديش إجابة واضحة غير إنى مستريح فى العلاقة مع الأستاذ حسنى.

ـ اللي عاوز يقابلك يجيلك فين؟

يوميا هنا أستقبل الأصدقاء فى الجاليرى أو خارجه.

ـ كرسيان متقابلان: من يجلس أمامك؟

أصدقاء كثيرون، وأيضا أغراب، وأيضا آخر مطلق غير متوقع.

 

عودة إلى الملف