"عفاريت الاسفلت" فيلم ينشد الحياة ويولد الامل في سينما عربية جديدة
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
إبراهيم العريسالمفاجأة الاساسية التي حملها مهرجان القاهرة السينمائي الأخير لمتفرجيه جاءت، هذه المرة، من مصر، على شكل فيلمين كل منهما يشكّل العمل الاول لصاحبه. وكل منهما على طريقته يتعامل مع الحياة كما هي من دون احلام كبيرة ومن دون محاولات يائسة للخروج. الفيلمان هما "يا دنيا… يا غرامي" من اخراج مجدي أحمد علي وانتاج رأفت الميهي و"عفاريت الاسفلت" من اخراج اسامة فوزي الذي يتيح لمحمود حميدة، دوراً اساسياً يضعه في الصف الاول مباشرة.

في “عفاريت الاسفلت” بطل، على اي حال، بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بطل هو “سيد” سائق الميكروباص شاب يلعب دوره حميدة، باتقان لافت، ولكن الى اي مدى تنبسط بطولة “سيد” في الفيلم؟ هذا السؤال لا يهم المخرج اسامة فوزي وكاتب السيناريو مصطفى ذكرى كثيراً فهما لا يسعيان الى استثارة تعاطفنا معه، ولا حتى الى ادانة مواقفه المتناقضة، ولا سيما في المشهد المخيف، حين يأتي الى الفتاة الموسرة التي تقع في هواه محاولاً ان يصطاد اخيها المهندس عريساً لاخته العانس. لماذا؟ لانه لا يريد لاخته ان تتزوج سائق ميكروباص مثله!

ازاء هذا الموقف من المدهش والايجابي ان مؤلفي الفيلم لا يحاولون توجيه اية ادانة، فالفيلم ليس بالنسبة اليهما محكمة تحاكم اخلاقيات المجتمع وابنائه. الفيلم صورة الحياة تكثفها وتضيف اليها، تماماً مثلما تفعل حكايات الف ليلة التي يستخدمها الفيلم بأناقة وعذوبة على لسان الحلاق حسن حسني الذي يروي لنا حكايات تبرر في نهاية الامر ما نراه امامنا من احداث. فبالنسبة الى الحلاق، الذي تقيم زوجته علاقة مع سيد ويقيم هو علاقة مع ام سيد التي يقيم زوجها جميل راتب علاقة مع ارملة صديقه الذي يحلم ابنه عبدالله احمد بالزواج من شقيقة سيد فيما يعارض هذا الاخير الزواج، بالنسبة الى الحلاق، الف ليلة وليلة لم تمت، هي فينا في داخلنا، وما الحكايات المروية على لسانه سوى الاشارة الى ذلك، ترى أوليس من اجمل ما في الفيلم هو تلك العلاقات التي تنبني في طبقات دائرية ومتصاعدة في الوقت نفسه. أوليس اجمل ما فيه تلك العلاقات التي تنبني من حول مكان رمزي/ واقعي واسطوري في الوقت نفسه هو البيت الذي ما ان تنطرح فكرة بيعه حتى يهبّ الجميع محتجين لأن المكان/ الحيز الذي من دونه ليسي ثمة مجال لمواصلة العلاقات التبادلية والدائرية التي تقوم بين شتى الشخصيات، وتسهم في جعل الجميع في مأمن من الحرمان الجنسي الذي يغلف حياة ماسح الاحذي من ناحية، وشقيقة سيد العانس قامت بالدور بشكل ملفت الفنانة سلوى خطاب من ناحية ثانية؟ الحال ان اسامة فوزي وكاتب السيناريو وفقا كثيراً في النهاية حين جعلا البيت المذكور محور الفيلم، بعدما كان الميكروباص محور بدايته، وكأنما عبر استخدام الحلاق لحكاية الف ليلة كان لا بد للفيلم ان ينتقل، من دون مفاجآت، من الواقعي الى الاسطوري، وبشكل اكثر تحديداً من الخاص الى العام. وذلك لاننا هنا مرة اخرى امام فيلم يستخدم الحارة كـ “ميكروكوزم” ليرسم لنا من خلالها ومن خلال اهلها صورة لحياة بأسرها، لعالم واقعي. ولن يبعدنا عن هذه النظرة بالطبع، التصوير الشاعري الذي طغى على نهاية “عفاريت الاسفلت” وجعله ينتمي في النهاية الى الاسطوري كلياً. فالحال اننا وسط تلك الاسطورية التي بدأت مع موت الجدّ بين يدي الحلاق، نعود في الفيلم الى سيد يكحّ وهو يتمشى مع ابيه وسط تلوث في الجو يخيل للمرء، اولاً، انه ضباب شتائي. اذن، من الاسطورة الى الواقع مرة اخرى وكأن المخرج يقترح علينا عدم الوقوع في فخ الفصل بين الاثنين. وفي اعتقادنا ان الحلاق هو الذي يستخدمه المخرج هنا للربط بين العالمين وللتساؤل في نهاية الامر: أين الحياة؟ وأين صورة الحياة؟ أين الواقع وأين نقيضه؟

من الواقعي الى الاسطوري وبالعكس

هذه الرحلة المكوكية بين الواقعي والاسطوري، بين الواقعي والنمطي، هي التي اتاحت لفيلم مثل “عفاريت الاسفلت” فرصة التصدي لعدد من “التابوات” في السينما المصرية في تأكيده على ان الأوان قد آن لتخليص السينما من “تابوات” من المؤكد ان المجتمع متخلص منها، في السراء والضراء منذ زمن بعيد: تايو الأم، المقبرة، الموت، البطل، الاخت العانس، الحرمان الجنسي.

بهدوء وعذوبة عرف اسامة فوزي كيف يقترب من هذا كله، في فيلم هو فيلمه الاول، تماماً كما ان فيلم مجدي احمد علي “يا دنيا… يا غرامي” هو فيلمه الاول. والحال ان نجاح هذين المخرجين الشابين يأتي ليذكرنا ان جزءاً كبيراً من نجاحات السينما المصرية، في الآونة الاخيرة، يدين بالكثير للافلام الاولى واحياناً الثانية لأصحابها، نقول هذا وفي ذهننا اسماء البكري وخالد الحجر ورضوان الكاشف بين آخرين.

ومع هذا فان حالة اسامة فوزي ومجدي احمد علي تختلف، وذلك لأننا في كل واحد من فيلميهما نجد انفسنا امام قدر من النضوج والمصداقية يدفعنا بعيداً عن ذلك التسامح المعتاد الذي نحاول ان نبديه في كل مرة ازاء العمل الاول لصاحبه. هنا لم نجد انفسنا مجبرين على اي تسامح. بل وجدنا انفسنا ننساق وراء لعبة لذيذة تقول لنا ان كلاً من هذين المخرجين عرف كيف يلعب لعبة نحلم منذ زمن بعيد بأن يلعبها احد: لعبة الاستمرارية والتواصل. اذ في مقابل مخرجين كان كل واحد منهما يحاول ان يبدأ السينما باختراعها من جديد، وفي مقابل مخرجين آخرين من النمط السائد يحاول كل واحد منهما ان يعيد انتاج ما سبق انتاجه في تراكم غاب عنه الجديد، هنا لدينا مخرجان يستكملان، عبر ابداع فردي وذاتي لا غبار عليه، مشاوير كان سبق لأسلاف لهما ان سلكاها، فاستفادا من اخطاء ريادة الآخرين، وتجاوزا السلف.

وفي الحالتين لدينا درس اساسي وثمين في الكيفية التي يمكن بها للسينما ان تولد من رمادها من دون ان تزعم الانفصال نهائياً عما سبقها.

وفي هذا طرق آخر لواحد من “تابوات” التعامل داخل سينما مصرية لا بأس ان نعترف مرة اخرى ان فيلمين جديدين كانا كافيين لاقناعنا بأنها لا زالت قادرة على ان تولد من رمادها من جديد. هذه الولادة حملت هذه المرة اسمين لن يكون من السهل نسيانهما: “يا دنيا… يا غرامي” و”عفاريت الاسفلت”.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1996

عودة إلى الملف

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:766. Generation time:17.119 sec. Memory consumption:291.42 mb