موقع الكتابة الثقافي uncategorized 49
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

حسني حسن

(1)

لأسباب عديدة، ومتنوعة، لم أكن أطيق مجيء يوم السبت في بداية كل أسبوع. أول تلك الأسباب كان، وبطبيعة الحال، أنه اليوم الأول في أسبوع مدرسي أراه طويلاً طويلا،ً بلا أمل، وربما بلا ضرورة. ومثلما كان انتهاء يوم الأربعاء يحمل لي بشارة اقتراب الخميس، بوعود النزهة المسائية الطويلة ما بين شارعي البورصة والبحر، فقد ظلت مساءات الجمعة كئيبة مقبضة وخاوية من أية وعود جدية، اللهم إلا وعد عصر السبت الملهم المثير.

أمَا ثاني الأسباب فقد تمثل في واقعة أسرية باتت، من فرط تكرارها وتواترها وانتظامها، كأنها قانون من قوانين الطبيعة، أو” بديهية إقليدية” لا يستقيم العيش بالاختلاف عنها، ولا حتى التفكير في حدوث ذاك الاختلاف؛ وأعني بها كون السبت هو يوم الغسيل الأسبوعي، حيث تنهمك أمي، منذ الفجر، وحتى قبل إيقاظنا للحاق بمدارسنا، في تصبين وغلي وشطف وعصر ملابسنا، المنقوعة في الطسوت النحاسية الكبيرة من الليلة الفائتة، وحيث يتعالى وشيش وابور الجاز وتقطعات صوته، ارتفاعاً وانخفاضاً، مع البخار المتصاعد من “حلَة الغلية” مشبعاً بروائح الصابون المبشور و”الرابسو” والكلور والزهرة والبوتاس، لتستمر تلك “الأوديسة” الأسبوعية إلى ما قبل آذان العصر بقليل، لتتفرغ الأمل لتسخين وغرف طعام الغداء، الذي لا يكون، أبداً، بدسامة ولذاذة وفخامة باقي أيام الأسبوع، بل وغالباً ما يكون نباتياً بكامله، سواء كان عدساً أو فولاً مستنبتاً أو بصارة أو، في أفضل الأحوال، عجة بيض وبطاطس مقلية. أمَا ثالث أسبابي لكراهية السبت فقد تجسد في ضرورة التخطيط الدقيق لجدول مذاكرة الأسبوع بطوله. ولمَا كان استذكاري لدروسي يتم، عادةً، بمنهجية استشرافية، بمعني قيامي بالمذاكرة من خلال تحضير جيد للدروس التالية، فقد استلزم ذلك، دوماً، بذل جهدٍ كبير في شرح وتبسيط الموضوعات والمفاهيم والأفكار والنظريات، لنفسي، ومن دون معونة من الخارج، ما يعني العكوف الذاتي على استنباط واستخلاص القانون، أو الفكرة الحاكمة، لمادة الدرس، وهو الأمر الذي لاح لي، وبالرغم من فائدته المنهجية والعقلية والتربوية والنفسية الهائلة، ظالماً، بل وعبثيا،ً إلى حدٍ بعيد، خاصة حين أقارن ما أقوم به من جهد شخصي رهيب، لتحرير مذكراتي وملاحظاتي الدراسية، بتلك السهولة المعطاة لبعض زملاء الفصل المنافسين في حصص الدرس الخصوصية التي يدفعون لها مقابلاً مالياً. لكن إحساسي ذاك بالظلم وبالعبث سريعاً ما رأيته يتلاشى، حين يتأكد لي عبر المنافسات اليومية في الفصل، أن أفكاري ومذكراتي، لأنها أفكاري ومذكراتي أنا، تبقى الأقدر على الصمود والنجاح، سواء على مستوى التذكر، أو على صعيد المقدرة على حل المسائل والأسئلة الأعقد والأكثر التفافاً، من نظيراتها المعطاة للزملاء في الدروس الخصوصية بالمنزل. وما جال بفكري، وقتها، أن معضلتي الشخصية تلك مع الدرس والاستذكار، وأن الحلول التلقائية التي أسعى لابتكارها لهذه المشكلة، تجسد، وبعمق تراجيدي، حجم الكارثة التعليمية التي ستحيق بأجيالٍ وأجيال من أبناء هذا الوطن التعيس، بل ولن أكون مبالغاً حين أقول إنها تفسر طبيعة وفداحة مشكلة عقلنا الوطني كله؛ العقل الذي يتأسس على النقل والحفظ والاستظهار، ولا يلقي بالاً للإبداع الذاتي ولا لتعلم التفكير في الموضوع بدلاً من تعلم مادة الموضوع.

الأكيد، أن ذلك كله، وعلى الرغم من نهوضي التلقائي به دون تذمر صريح، لم يكن أكثر ما يشغل بالي، ولا يفتن مخيلتي، ولا يؤرق عقل الصبي الذي كنته، وإنما وعد عصر يوم السبت المعهود المرتقب.

(2)

قروش ثلاثة، لا غير، تبقى هي الشرط، الضروري والوحيد، لتحقق الوعد. قروش ثلاثة أستخلصها من يد أبي، بعد الغداء مباشرة، وقبل أن يغطس في قيلولته القصيرة،ثم أجري، متقافزاً، على سلالم البيت إلى شارع طه الحكيم عند تقاطعه مع غياث الدين، لأنعطف يساراً باتجاه سينما مصر وميدان الساعة، وقبل السينما بأمتار أقف، بالانتظار، على باب “مكتبة سنجام”، لحين وصول الأخ الأكبر، من بين الإخوة الثلاثة الورثة، في نظاراته الطبية السميكة التي تشي بأنه قارئ ، وحركاته البطيئة الواثقة، والبلوفر الصوف “الجاكار”، وربطة المجلات وجريدة المساء التي يتخاطفها الناس بسبب صفحتها الأخيرة الرياضية بعناوينها المثيرة المقفاة. حريصاً على أن أظل أول من يستلم نسخته الأسبوعية من مجلتي، المفضَلة، سمير، لا أنتظر حتى ينتهي الشاب من فك رباط المطبوعات الواصلة لتوها، مع قطار العصر، لمكتب توزيع دار الهلال المواجه لمحطة قطارات طنطا، وأروح أمد له راحة يدي الصغيرة بالقروش الثلاثة، لألمح ابتسامته المتعاطفة مع لهفتي الجارفة، ليعطيني النسخة هامساً:

– أول نسخة، وأحسن نسخة، للقارئ الصغير. 

ألتقط المجلة من بين يديه، وأشرع في تحسسها وتلمس غلافها النظيف الملوَن، مستمتعاً بملمس الأحلام والوعود، المخبوءة والمؤجلة إلى حين، بين صفحاتها غير المفتوحة، مستشعراً سخونة المطبعة المختزنة، لا تزال، في طياتها، ومستنشقاً رائحة أحبار الطباعة الثقيلة المُسكِرة.

(3)

 ألتفت، اللحظة، للزمن المنصرم، وأفكر في سبعٍ وخمسين من السنين انسربت، من بين أصابع العمر، كما تنسرب قطرات الماء حين تحاول خزنها بقبضة اليد العارية. ثمة ما يبقى منها بالقطع، وهذا المتبقي يستحق الثناء، هذا المتبقي هو أنا، أو بالأحرى، أعمق وأصلح ما في الأنا، ألم يعلمنا داروين أن البقاء للأصلح؟ للأكثر قدرة على التكيف والاستجابة، الخلاقة الفاعلة، لإكراهات الوجود؟.

كان أبي تاجراً صغيراً مستوراً، أو حتى ميسوراً، بمعايير ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. تحدر من أسرة صعيدية فقيرة هاجرت من المنيا للقاهرة وطنطا حوالي مطلع القرن. جدي، الذي لم ألقه، أبدا،ً سوى من خلال صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود دائماً ما تراءى لمخيلة طفولتي كخفير نظامي يطل علي من فيلم قديم لصلاح أبو سيف، بشاربه الكث المبروم، بطربوشه المكوي بعناية فوق الجلباب الأبيض والبالطو الداكن، وبنظرة عينيه المفتوحتين على خطر مجهول ما، نظرة غير مذعورة، لكنها منتبهة ومتألمة وحالمة. تُرى أي حلم كان يتراءى لذلك الجد الذي اشتغل جزاراً كما اشتغل سقاءً؟ أية قصور، أو عشش، راح يبتنيها ويعمرها، بمخيلته، حين أقدم على الزواج من جدتي التي طالما سمعتها، بأذني، تتغنى، وتتحسر، على أمجادٍ تركية غابرة، لجدودٍ أتراكٍ غابرين، تدعي أنها تنحدر من سلسالهم؟.

لم يمهل القدر جدي طويلاً فمات حين بلغ أبي، ولده البكر، الخامسة عشر، والنتيجة اضطراره لتوديع المعهد الأحمدي، الذي يدرس فيه، والالتحاق بصنعة يكسب منها عيشه وعيش أمه وشقيقه الأصغر وشقيقته الصغرى، والنتيجة ربما حسرة لم يمحها وكوب الأعوام على علمٍ لم يحصله، أو مكانة لم ينلها، أو خيالٍ لم يحلق به بعيداً كما كان يأمل.

أمَا الأم فصبية جميلة وديعة لم يحفل أبواها، ربما لضيق ذات اليد، وربما لضيق الأفق، وربما بدون أي أسباب على الإطلاق، بتعليمها القراءة والكتابة، مكتفيين بتعليمها فنون الخياطة والتفصيل لدى “المعلمة”؛ تُرى هل تذكر أحدٌ ما في هذا العالم الكبير أن يسأل تلك الصبية عن فحوى أحلامها؟.

في السادسة عشر من عمرها، والعشرين من عمره، تزاوج حلمان صغيران مهيضان بأمل تدشين حلم جديد سعيد على مقاس التواضع والإيمان. لم تكن حياتهما نزهة، لكنهما نجحا بالعبور بها إلى شواطئ الاستقرار والاستمرار. تخلق الحياة صعوباتها التي لا تنتهي، وتخلق معها قوارب العبور إلى ضفة السيرورة: الأبناء والأعباء، الأرض والسماء، الظلمة والضياء، ثم الخلود والفناء.

كان أبي قد تزوج، ثانية، في صيف العام السابع والستين من بعد التسعمائة والألف، لتنزوي أمي في جحيم الهجران والنكران، وليصطلي هو، حتى لحظة الممات، بنيران الندم. وبمرور السنين، ما عاد ذلك الجرح يؤلم إلا أصحابه المباشرين؛ أعني الجميع. لكن الخيال قد يكون عاصماً. همست لي أمي صبيحة إعلان نتيجة الشهادة الابتدائية:

– رأيت معلمتك في المنام. ضحكت لي، وهي تقودني عبر صالة واسعة مزدانة بالمرايات البلجيكي الأصلية، وقالت خذي أكبرها وأجملها، هي لك.

فكان أن حصلت على المركز الأول على تلاميذ طنطا، كلهم.

قدر ما أستطيع، حاولت، يا أمي، أن أنتصر لرهانك الحزين بمواجهة الزمن الضنين، حتى وأنا أدرك تفاهة كل رهان، عبثيته، ولا جدواه المثيرة للشفقة، لكني فشلت، فهل تسامحين؟.

(4)

في أروقة المجلس الأعلى للثقافة، كان لي حظ أن ألتقيه. كنت أراجع بروفات كتابي الأول “يقين الكتابة.. ادوار الخراط ومراياه المتكسرة” الذي كان المجلس يعتزم إصداره مواكباً لاحتفاليته بسبعينية الكاتب الكبير. وكان هو، ولسعادتي الغامرة، من سيصمم الغلاف. لم أقابله، أعني وجهاً لوجه، قبل اليوم، غير أني لطالما جالسته وسمعته وحادثته، منذ زمان الطفولة البعيد، في عصر يوم السبت. دخلت عليه، بمكتب الصديق منتصر القفاش بمقر المجلس، لأجده بالانتظار. تأسفت بشدة لتأخر القطار الواصل من الإسكندرية. ابتسم بحنو، وربما بإنهاك، ومد يده بالسلام. شرعنا في النقاش، فورا،ً بشأن الغلاف ومدى مناسبته لمحتوى الكتاب، فأعربت له عن امتناني البالغ وفرحي بقبوله أن يقوم هو بتصميم الغلاف. كنت أعلم أنه قبل بالتكليف تقديراً لصديقه ادوار الخراط وليس لي، وبالرغم من ذلك كنت راضياً، بل ومحظوظاً، أن يكون عدلي رزق الله بنفسه هو مصمم غلاف أول كتاب أقوم بتأليفه. بعدما انتهينا من العمل، وهمَ بالقيام ليغادر، استجمعت نفسي، ولملمت أطراف شجاعتي المنسية، وقلت له:

– تعرف أستاذ عدلي أني أعرفك، وقابلتك كثيراً، منذ أكثر من ربع قرن؟

حدق في عيني بدهشة، محاولاً التذكر، وبان عليه العجز عن إدراك ما عنيته.

– ربع قرن؟ لكنك قبل ربع قرن كنت صبياً على ما أرى؟

– فعلاً، كنت دون العاشرة من العمر.

– وتعارفنا؟

ضحكت بسعادة، فانتقلت عدوى بهجتي إليه، وراح يبتسم باستطلاع مهتم.

– كنتَ أنتَ الساحر ترتان، وأشعب الطفيلي، في مجلة سمير، وكنتُ أنا قارئك الصبي الذي تحمله، برسوماتك المدهشة، وبألوانك الزاهية المبهرة،كقارب مسحور إلى شواطئ الحلم والسعادة.

وكأنما ألف شمس سطعت في وجه الفنان، فجأة، ومن دون انتظار. عاود الجلوس على مقعده، وصار يهدل، جزلاً، كفرد حمام عاشق:

– أو حقاً؟ وهل لا تزال تتذكر الساحر ترتان وأشعب؟ كم أنا سعيد بذلك، سعيد جداً بذلك.

– وأخيراً لاحت لي الفرصة لأشكرك على كل تلك السعادة التي منحتني في طفولتي وصباي، بل وحتى اليوم يا فنان.

عدلي رزق الله وحجازي وبهجت والليثي وعبد السميع واللباد ونسيم ومحمد قطب وسمير عبد الباقي ووليم الميري وصلاح حافظ ونتيلة راشد وأحمد الإبراشي، وعشرات غيرهم من الرسامين والكتاب والشعراء. الساحر ترتان وأشعب الطفيلي وتنابلة الصبيان وعلي عليوة وتهته وزغلول أفندي وسمير وسميرة ودندش وكرواية وباسل وفريق الكشافة والفتى جسور، وعشرات العشرات من أبطال المجلة الذين أفرخوا، بروحي وعقلي ومخيلتي، سعادة وإدراكاً، فهماً وإيماناً، ولا يزالون.

– اسمع، أنا مضطر للمغادرة للحاق بموعد مسبق، عندي مرسم ببرج العرب أحتفظ فيه بالكثير من رسومي القديمة، ومن بينها رسوم مجلة سمير، فهل تزورني؟

– شرف كبير لي يا فنان، حتماً سأفعل.

تبادلنا، على عجل، أرقام الهواتف المنزلية الثابتة، وتواعدنا على لقاء قريب نستعيد خلاله، معاً، حلم عصر يوم السبت، فهل كنت أعرف أن الأحلام، كما الوعود وعهود التلاقي، إلى النسيان؟.

(5)

   كمكافأة لي على تفوقي، الكاسح، في امتحان نهاية العام بالصف الأول الثانوي، قدم لي الأستاذ عزت عبد المقصود، مدير مدرسة طنطا الثانوية العريقة، هدية المدرسة. كانت الهدية، ولدهشتي العظيمة، عبارة عن مجموعة من الكتب الأدبية والتاريخية وبعض المجلات المصورة، والمجموعة في مجلدات، لسمير وميكي. انتابتني حيرة عابرة بشأن اختيار هديتي، وبقيت أسأل واستعلم، سراً، إلى أن عرفت أن من اقترحها، بل واختارها بنفسه، هو الأستاذ عزت بشخصه. كان الرجل الطيب، ومن ورائه عددٌ من أساتذتي، الأفاضل الأجلاء، قد حاولوا قصارى جهدهم، قبيل انتهاء السنة الأولى، أن يحرفوا مساري، ويقنعوني بتعديل اختياري من القسم الأدبي إلى العلمي، مشفقين على “إهدار نبوغي” في الدراسات الأدبية، غير أني خيبت رجاءهم في واستمسكت بقراري.

في نهاية عام 1979، انخرطت مدرستنا في مسابقات أوائل الطلبة للثانوية العامة على مستوى مدارس الجمهورية والتي كانت تنظمها إذاعة البرنامج العام. كانت المباراة النهائية بين طنطا الثانوية وعمر مكرم الثانوية بدمنهور، بمقر عمر مكرم الثانوية التليدة. تم انتخاب الفريق الذي سيمثل المدرسة من ستة طلاب: أربعة للقسم العلمي واثنان للأدبي. لم تجد إدارة المدرسة صعوبة تذكر في اختياري، مع صديق العمر هاني حلمي، كمتباريين عن القسم الأدبي، وهو الأمر الذي لم يكن بهذا الوضوح والحسم بالنسبة لزملاء القسم العلمي. قبل يوم التباري، استدعاني مدير المدرسة، لمكتبه، ليعبر لي عن ثقته فينا لتحقيق الفوز والرجوع بالكأس، مشدداً على أن ثقته الأكبر هي في ممثلي الأدبي. لم أفهم، حينها، إن كان ذلك التصرف من جانبه تعبيراً عن الثقة، حقاً، أم العكس، غير أني كنت مصمماً على رفض الانهزام حتى مع السمعة، الطيبة المخيفة، التي راحت تروج حول مستوى الفريق الدمنهوري المنافس.

لم يخيب الزملاء بالقسم العلمي ظننا، غير الحسن، فيهم، وسرعان ما انهزمو،ا أمام المنافسين، بفارق أربع درجات كاملة. للوهلة الأولى، بدت المباراة وكأنها قد حُسمت وانتهى الأمر، فكيف لنا أن نعوض هذا الفارق الكبير في النقاط خلال منافسات المواد الأدبية؟. استطاع هاني وأنا أن نقلص الفارق ، سريعاً، نقطتين كاملتين، وما تبقى أمامنا سوى سؤال الفلسفة من نقطتين أخريين. كان السؤال موجهاً لفريقنا أولاً، وقمت بالإجابة عنه إجابة شافية، ونموذجية بحسب ما يقال، فحصدنا النقطتين. وجاء الدور على الفريق المنافس، ولا زلت أتذكر أن السؤال كان عن نظرية المثل عند أفلاطون، وقام عضو فريق عمر مكرم بالإجابة عن السؤال بثقة جعلت لجنة التحكيم، ومقدم البرنامج الإذاعي، يعلنون حصول عمر مكرم على نقطتي السؤال كاملتين، وكاد أن ينتهي الأمر عند هذا الحد. نظرت في عيني صديقي ورفيقي لأتأكد مما أشك به، فعرفت أنه يفكر كما أفكر. لم أتردد طويلاً، وقمت بطلب الكلام وتسجيل الاعتراض على الإجابة الناقصة وغير الدقيقة، سارداً على أسماع الحاضرين تفاصيل الإجابة الصحيحة. بان التردد وعلت علامات التحير وجوه لجنة التحكيم، وفجأة، نهض مدرس أول الفلسفة لمدرسة عمر مكرم ليؤكد، بنفسه، على صحة ودقة كلامي، وليعترف أن إجابة تلامذته خطأ. اضطرت اللجنة للتراجع، قليلاً، وخصمت نقطة واحدة من نقطتي السؤال، ومن ثم تم إعلان النتيجة النهائية بفوز المدرسة المضيفة بفارق نقطة، لا غير. المدهش أنه بمجرد إعلان اللجنة قبولها اعتراضي، وقبل إعلانها النتيجة النهائية، سمعت المدرج المزدحم بالأساتذة والطلاب يضج بتصفيق حادٍ كتحية احترام لمنافس شرس شريف، الأمر الذي جعلني أنخرط في بكاء عميق حار، وراح جسدي يرتعش ويتشنج بعنف صامت. لكن انفعالات اليوم الغريب أبت أن تتوقف عند ذاك الحد، وإذ بي أرى الأستاذ عزت ينهض من مقعده بالصف الأول، ويخلع معطفه الجوخ الأسود الثمين، ويأتي لعندي، ويلفني به، ويأخذني إلى حضنه، وهو يربت بأبوة على رأسي.

عندما أعلن وزير التعليم، من خلال الإذاعة، أسماء أوائل الجمهورية للثانوية العامة ومدارسهم، أرسل لي الأستاذ عزت يستدعيني لمكتبه، ثم مر بنفسه على أبي، في ورشته بشارع طه الحكيم، ليبارك الحصول على ثاني الجمهورية. مال علي مداعباً :

– الحاج اشترى لك الهدية؟

تبسمت للرجل الطيب، وهممت بالرد:

– كان يدفع لي ثمنها عصر كل يوم سبت.