موقع الكتابة الثقافي uncategorized 95
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

روبرت بار
ترجمة: عبير الفقي 

في بعض الطبائع لا توجد وسطية، لا شيء غير الألوان الأولية الخام. كان “جون بودمان” رجلًا ذا طبيعة متطرفة، أما الشيء أو لا غيره.
ربما كان هذا يهم قليلا لو أنه لم يكن متزوجًا من امرأة طبيعتها نسخة مطابقة لطبيعته. بلا شك في هذا العالم توجد المرأة المناسبة لأي رجل كي يتزوجها والعكس صحيح؛ 
ولكن عندما تفكر في أن أي إنسان لديه الفرصة ليكون على معرفة فقط ببضع مئات من الناس، وأن هناك عشرة أو أقل من دزينة هم من يعرفهم بشكل وثيق، وأن واحدا أو اثنين منهم على الأكثر هم فقط اصدقاؤه، سيكون من السهل أن نرى ذلك عندما نتذكر عدد الملايين الذين يسكنون هذا العالم، وأنه على الأرجح، منذ خلقت الأرض لم يقابل الرجل المناسب منهم بعد المرأة المناسبة.

إن الاحتمالات الحسابية جميعها ضد مثل هذا التقابل وهذا هو السبب في أن محاكم الطلاق موجودة. الزواج في أحسن الأحوال ليس إلا حلا وسطياً وإذا حدث أن اتحد شخصان من طبيعة متصلبة فإنه بالطبع ثمة مشكلة.

في حياة هذين الشابين لم تكن هناك وسطية. كان لا بد أن تكون النتيجة إما الحب أو الكراهية، وفي قضية السيد والسيدة بودمان كانت الكراهية من النوع الأكثر مرارة وغطرسة. في بعض أجزاءٍ من العالم، يعتبر عدم التوافق مسألة عادلة للحصول على الطلاق، لكن في انجلترا لا يحدث هذا التمييز الدقيق، وذلك حتى تصبح الزوجة مجرمة، أو حتى يصبح الرجل على حد سواء مجرما ًووحشياً.
وهذان الاثنان تم ربطهما معا برباط لا يمكن أن يقطعه الا الموت. لا شيء يمكن أن يكون أسوأ حالا من هذه الامور، و الأمر جعل الاثنين أكثر يأسا نظراً إلى حقيقة أن السيدة بودمان عاشت حياة بلا لوم، وزوجها لم يكن أسوأ حالا ولا نوعا ما أفضل من غالبية الرجال 
ربما، هذا الوضع هو ما أوصل الأمر إلى نقطة معينة، بالنسبة لجون بودمان فقد وصل إلى حالة ذهنية عقد فيها العزم على التخلص من زوجته في جميع الأحوال.
لو كان رجلا فقيرا كان من المحتمل أن يهجرها، لكنه كان غنيا، ورجل مثله لا يمكن أن يترك باختياره عملا مزدهرا فقط لأن حياته العائلية صادفت وأن كانت غير سعيدة.
عندما يسهب عقل الرجل في التفكير كثيرا بموضوع واحد، لا يمكن لأحدٍ أن يعرف إلى أي مدى سيذهب.
العقل هو أداة حساسة، وحتى القانون يعترف بأنه يمكن أن تتم الاطاحة بتوازنه بسهولة. أصدقاء بودمان – لأنه كان له أصدقاء – يدعون أن عقله كان مشوشا. ولكن لا أصدقاءه ولا أعداءه ساورتهم الشكوك في حقيقة الحادثة، والتي تحولت إلى أن تكون الحادثة الأكثر أهمية، كما كانت الاكثر شؤما في حياته. 
وسواء كان جون بودمان عاقلا أو مجنونا، اتخذ قراره في ذلك الوقت بقتل زوجته، لن يعرف ذلك أبدا، ولكن بالتأكيد كان هناك مكر في طريقة ابتكار الجريمة وجعلها تبدو كنتيجة لوقوع حادث.
بغض النظر عن أن المكر في كثير من الأحيان ماهو إلا عقل كفء أصبح منحرفا. لقد عرفت السيدة بودمان جيدا مدى معاناة زوجها من وجودها، لكنها كانت ذات طبيعة عنيدة كطبيعته، وكانت كراهيتها له، إن أمكن القول، أكثر مرارة من كراهيته لها.
أينما كان يذهب رافقته، وربما لم تكن فكرة القتل لتراوده لو أنها لم تكن مستمرة في فرض وجودها عليه طوال الوقت وفي كل مناسبة. لذلك عندما أخبرها أنه سيقضي شهر يوليو في سويسرا لم تقل شيئا، لكنها جهزت نفسها للرحلة. في هذه المناسبة لم يحتج، كما كان المعتاد منه، وهكذا غادر هذان الزوجان الصامتان إلى سويسرا.
هناك إلى فندق بالقرب من قمم الجبال التي تقف على الحافة فوق أحد الأنهار الجليدية الكبيرة. بمقدار ميل ونصف فوق مستوى سطح البحر يقف بمفرده، يتم الوصول إليه من خلال طريق شاق يتعرج أعلى الجبل لستة أميال.

ومن شرفات هذا الفندق كان هناك منظر رائع للقمم الثلجية والأنهار الجليدية، وفي الجوار توجد العديد من المناظر الخلابة التي تؤدي إلى نقاط أكثر أو اقل خطورة. عرف جون بودمان الفندق جيداً، وفي أيام أسعد كان على اطلاع وثيق بالمناطق المجاورة. الآن وبعد أن نشأت فكرة القتل في ذهنه، بقعة معينة على بعد ميلين بعيداً عن هذا النزل هي التي لاحقته باستمرار, 
قد كانت بقعة تطل على كل شيء، وطرفها محمي بسياج منخفض ومتهالك.
صباح أحد الأيام نهض في الساعة الرابعة، متسللا إلى الخارج دون أن يلاحظه أحد من الفندق وذهب إلى هذه النقطة، والتي سميت محليا بالمشهد المعلق. ذاكرته خدمته جيدا. فقد كانت بالضبط ما يريد، هكذا قال لنفسه. كان الجبل الذي يقف ورائها حاد ومنحدر.ولم يكن هناك سكان قريبين لتفقد المكان. كما كان الفندق البعيد مخبأ بأكتاف من الصخور. كانت الجبال على الجانب الآخر من الوادي بعيده كي تمكن أي سائح عادي أو مواطن يري ما يجري عند بقعة المشهد المعلق. بعيدا أسفل الوادي البلدة الوحيدة في المشهد والتي تبدو وكأنها مجموعة منازل لعبة صغيرة. لمحة واحدة عامة على الجدار المتداعي فوق الحافة كانت تكفي أي زائر حتى لأكثر الأعصاب قوةً.

كان الانخفاض هائلا لأكثر من ميل لأسفل على التوالي، وعلى الجزء السفلي بعيد كانت الصخور خشنة والأشجار المتقزمة التي بدت، في الضباب الأزرق، مثل الشجيرات.

“هذا هو المكان” قال الرجل لنفسه “وصباح الغد هو الوقت المناسب”. كان جون بودمان قد خطط لجريمته بغلظة وبعزم، وبهدوء، كما لو أنه يعقد صفقة في البورصة. لم يكن في ذهنه أي فكرة عن الرحمة بضحيته الغافلة.
لقد قادته كراهيته بعيداً. بعد وجبة الإفطار في صباح اليوم التالي، قال لزوجته: “أنوي السير في الجبال هل تريدين المجيء معي؟” “نعم،” أجابت بإجاز. “حسنا جداً، ثم، قال. “سأكون جاهزاً في التاسعة” “سأكون جاهزة في التاسعة” كررت هي من بعده. 
في تلك الساعة غادرا الفندق معًا، والذي سريعاً عاد إليه وحده. لم يتحدثا بكلمة لبعضهما خلال طريقهم إلى المشهد المعلق. كان الدرب عمليا مستويا يلتف حول الجبال، لم يكن المشهد المعلق أعلى من الفندق بكثير فوق سطح البحر. لم يكن جون بودمان قد آلف أي خطة محددة لينفذها عندما يصل إلى المكان. كان عازما على أن تقوده الظروف. لكن بين الحين والآخر يساور ذهنه خوف غريب من أنها قد تتشبث به، وربما تجره إلى حافة الهاوية معها. 
وجد نفسه يتساءل عما إذا كانت لديها أي هاجس عن مصيرها، واحدة من الأسباب التي دعته لعدم التحدث كان ارتجاف الخوف في صوته، والذي ربما اثار ريبتها. لقد عزم على أن يكون عمله حادا ومفاجئا، بحيث لا يكون لديها فرصة إلا لمساعدة نفسها أو لجره معها. لم يكن لديه خوفا من صراخها في تلك المنطقة المقفرة.
لا أحد يمكن ان يصل الى تلك البقعة إلا من خلال الفندق، ولم يكن أي أحد هذا الصباح قد غادر المنزل، حتى بالنسبة لرحلة الاستكشاف إلى الجبل الجليدي – والتي تعد واحدة من أسهل الطرق وأكثر الرحلات اعتيادا بالمكان. الملفت للنظر، أنهما عندما كانا على مرمى البصر من المشهد المعلق، توقفت السيدة بودمان وجفلت قليلا.
نظر بودمان في وجهها عبر الفتحات الضيقة لعينيه الملثمة، وتساءل مرة أخرى إذا كان لديها أي شكوك. لا أحد يستطيع أن يقول، عندما يسير شخصين معا بشكل قريب، ماهي التواصلات اللاواعية التي تكون لعقل مع العقل الآخر. 
“ما المشكلة؟” سأل بخشونة “هل أنت متعبة؟” “جون”، صاحت، مع لهاث في صوتها، واصفه إياه باسمه المسيحي للمرة الأولى منذ سنوات، “ألا تعتقد أنك لو كنت طيبا معي في البداية، لكانت الأمور أختلفت؟”
“يبدو لي”، قال: دون النظر إليها، “إن الوقت متأخر نوعا لمناقشة هذا الامر اليوم”.
“لدي الكثير للندم”، قالت بارتعاش “هل لديك شيء منه؟”
” لا “، أجاب. 
“حسنا جداً “، أجابت زوجته، بصلابة معهودة تعود إلى صوتها. “لقد كنت فقط أمنحك فرصة. تذكر ذلك”. نظر زوجها في ريبة إليها. “ماذا تعنين؟” تساءل: “منحي فرصة؟ أنا لا أريد أي فرصة ولا أي شيء آخر منك. الرجل لا يقبل شيئا من أحد يكرهه”.
أنه شعوري نحوك، وأتصور، أنه لا يخفى عليك، ونحن مقيدان معا، وأنت فعلت أفضل مالديك لجعل العبودية غير محتملة “.
“نعم”، أجابت، وعيناها على الأرض، “نحن مقيدان معا.. نحن مقيدان معا! كررت هذه الكلمات من تحت أنفاسها أثناء سيرهم الخطوات القليلة المتبقية للمشهد.
جلس بودمان أسفل الجدار المتداعي. ألقت المرأة عصا تسلقها على الصخرة، ومشت بعصبية جيئة وذهابا، تقبض وترخي في يديها. حبس زوجها أنفاسه لدنو اللحظة الرهيبة. “لماذا تمشين مثل الحيوانات المتوحشة؟” صاح.
“تعالي هنا واجلسي بجانبي، واهدئي”. واجهته مع بريق لم يشاهده من قبل في عينيها – بريق الجنون والحقد.
“امش مثل الحيوانات المتوحشة” قالت : “لأنني متوحشة. لقد تحدثت قبل لحظة عن كراهيتك لي، ولكنك رجل وكراهيتك لا تمثل شيئاً مقارنة بكراهيتي.
بمثل شرك، بقدر ما ترغب في كسر الرابطة التي تربطنا معا، لا تزال هناك أشياء أعلم أنك لن تنحدر إلى مثلها. أعرف أنه لا تفكير للقتل في قلبك، ولكن هناك منه في قلبي، وسوف يتضح لك، جون بودمان، كم أنا أكرهك “.

أمسك الرجل بعصبية الحجر الذي بجانبه، وكأنه أٌعطى بداية جيدة للبدء عندما أشارت إلى القتل. “نعم”، وتابعت، “لقد أخبرت كل أصدقائي في انجلترا اني اعتقد أنك تنوي قتلي في سويسرا”.

” يا إلهي العظيم!” صاح. “كيف يمكن أن تقولي شيئا كهذا ؟” “أقول ذلك لإظهار لك كم أنا أكرهك – وكم أنا على أتم استعداد لأضحي من أجل الانتقام. 
قد حذرت الناس في الفندق، وعندما غادرنا تبعنا رجلان.
لقد حاول المالك إقناعي بعدم مرافقتك. وخلال لحظات قليلة هذان الرجلان سيأتيان إلى المكان.
أخبرهما حينها، إذا كنت تعتقد أنهما سوف يصدقانك، أنه كان حادثا ” 
ثم مزقت المرأة المجنونة الجزء الأمامي من ملابسها لأشلاء من الدانتيل ونشرتها في المكان.عندها هب بودمان واقفا على قدميه، صائحا: “ماذا تنوي أن تفعلين؟”
ولكن قبل أن يتمكن من التحرك نحوها عاجلت بإلقاء نفسها من فوق الجدار، وراحت تصيح وهي تتدحرج إلى أسفل الهاوية المرعبة. 
في اللحظة التالية جاء رجلان مسرعان إلى حافة الصخرة، فوجدا الرجل يقف وحده. 
وحتى خلال ذهوله كان مدركاً أن احدا لن يصدقه إذا أخبره الحقيقة.

………….

– *روبرت بار( 1849 – 1912) كاتب قصص قصيرة وروائي كندي-اسكتلندي ولد في جلاسكو – اسكتلندا. له العديد من الروايات والقصص القصيرة.