موقع الكتابة الثقافي uncategorized 4
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

بين انتعاش الذكرى عن طريق تأمل الجمال، نائمًا وعاريًا كفكرة مطروحة في رواية “منزل الجميلات النائمات” للكاتب الياباني “ياسوناري كاواباتا”، وبين مسألة مصادفة الحب العذري في آخر العمر والتي طرحها الكاتب الكولومبي “جابرييل جارثيا ماركيز” في روايته “ذاكرة غانياتي الحزينات” امتدادًا لخط الرواية الأولى وإضاءة لفكرة تبجيل الشيخوخة والتصالح معها في كل منهما. يضع “طارق إمام” الضلع الأخير في مثلث الحكاية كي يعيد ولادتها من رحم ثالث بملامح جديدة مستخدمًا الشخصيات الرئيسية في الروايتين السابقتين: العجوز، القوادة، الفتاة النائمة، لينتقل بهم إلى زمان ومكان جديدين فيحولها من محكية ظاهرها العجز الذكوري إلى لعبة أدبية جوهرها التحول من التعدد إلى الواحدية.

كُتبت رواية “طعم النوم” في ثمانية عشر فصلاً عَنون الكاتب نصفهم تحت اسم “منزل النائمات” والنصف الآخر تحت اسم “مدينة العجائز”، حيث يحاكي “إمام” النصين المعروفين من منظور مفارق فيخلق جدلية جديدة للشخصيات والأحداث، ويقرر أن يمنح دور البطولة للشخصية المسكوت عنها في الروايتين السابقتين؛ شخصية الفتاة النائمة؛ فيكتب الحكاية للمرة الأولى على يدها وبصوتها، يمنحها اليقظة التي فقدتها لتثير تساؤلاً: النيام واليقظون! من منهما فعلاً يستطيع أن يدون حياة الآخر! وماذا إذا كتب كليهما الحكاية.. أية واحدة منهما ستكون أدق؟ ستكون أصدق؟ يقول أن النيام يمكنهم أن يكتبوا قصص اليقظين بل يمكنهم أحيانًا أن يقتلوهم..

ثم يعبر من خلال صوت تلك الفتاة إلى مفاهيم مختلفة عن الأجساد الباردة والأجساد الدافئة، عن البراءة والعري، وبسرد موارب ومغاير عن الأشكال التي طرحت بها وجهة النظر من قبل حيث يتعدى العري في الرواية المعنى المألوف له إلى معاني أخرى تمتد إلى أحداث وشخصيات تخص خمسون سنة من أهم الفترات السياسية في تاريخ مصر منذ نكسة 67 إلى ثورة 25 يناير2011 . يطرح الكاتب من خلال تلك الفترة تساؤلات سياسية وحياتية، يعرض بعدًا آخر لقراءة الهزيمتين ويُعمق مرحلة كل منهما عن طريق الكثير من الترميز الذي ينساب ناعمًا وكاشفًا عبر النص..

من تلك الرموز: المدينة التي تحول جميع سكانها فجأة إلى عجائز، الفتاة التي ابتلعت 573 زرًا، الدراجة التي تطوف بها الفتاة المدينة، شخصية صاحب مصنع الملابس وتقيؤه للفتيات اللواتي اختفين في مصنعه، صورة عبد الناصر والمسدس الموجه إلى ظهره، الكتب وإلى أي حد يمكنها أن تشبه البشر!

يقول الكاتب: هنالك بعض البشر يملكون موهبة أن يكونوا أعداء للجميع، وبعض الكتب أيضًا..

الكتب التي تشبه أشخاصًا بلا تاريخ، الكتب التي تختار قراءها، الكتب ذات الصفحات البيضاء التي تحتاج أن يكملها أحدهم والكتاب الذي امحت كلماته عندما لم يقرأه أحد حتى اختفت تمامًا…

يطرح الكاتب فلسفته عن العُهر فيتلاعب بالأزمنة مشيرًا إلى أن لكل زمن عاهراته وقواديه! وعلى عكس المعاني التي طرحها كلاً من “كاواباتا” و”ماركيز” داخل نصيهما في تصالح بطليهما مع القبح والتشوه والضعف والعجز، يُحرض “طارق” على الرؤية الحقيقية لتلك المعاني ويمنح القارئ مساحته الكاملة للتأويل، يطرق بابًا في مخيلته وبداخله لم يطرقه أحد من قبل.. وكأن إيجاء الحقيقة العارية، وكأن القدرة على رؤيتها في الأنفس والأجساد هو ما يعيد الصحوة، وكأن كتابتها فقط هي ما تمنح النشوة..

وعبر النص يطرح الكاتب فلسفته عن القتل ليتجاوز فكرة إنهاء حياة شخص ما إلى قتله من الداخل، قتله أثناء نومه حيث تتجاوز فكرة النوم بدورها لتصبح ترميزًا للغفلة في كل مرحلة..

يقول: هل القاتل الحقيقي هو من يقتل؟ أيهما من يمكن أن ندعوه قاتلاً؟ شخص قتل بالخطأ دون أن يكون راغبًا بالقتل؟ أم شخص يتمنى أن يقتل ولا يملك الخطة أو الأداة أو الشجاعة؟ من فيهما الحقيقي؟ من فيهما الموجود؟ إن القتل يختار مقترفيه لا ضحاياه.

 

ويتجاوز “إمام” هنا كعادته التقنيات المعروفة في السرد إلى التجريب، فيوظف الفانتازيا ويؤول من خلالها الواقع ضمن تداخل سردي لا يقف عند حدود الحدث أو الشخصية بل يمتد إلى المكان والزمن. يختار مدينة الإسكندرية لتكون مسرحًا للأحداث وجزءًا منها، يصفها فيقول: الإسكندرية شارع طويل وضيق بين بحر ومقابر، ينتهي كل منهما عند مدن أخرى، على الأرض أو في السماء، الفارق ليس كبيرًا. لذلك نشعر، نحن أبناء هذه المدينة، أننا لا ننتمي إليها إلا بقدر ما نشخص خلف حدودها.

ويقول: بحلول الغروب تكون الإسكندرية قد ودعت أرواحها وكأنها عزلاء أمام حرب أخيرة مع البحر الذي يراها في أعمق نقطة ضعف، البحر الذي يطل عليها بأكثر مما تطل عليه.

في الرواية يتزامن حدوث العجائبي مع الواقع فيتحول القارئ مع سطورها إلى ذلك العجوز الممدد على السرير منتظرًا الحكاية الكاملة كأنها النجاة، أو كأنها الموت! وتصبح الحكاية الكبرى وعاءً للفكرة، حكاية داخل حكاية وفكرة تقود إلى فكرة، ويصبح الحلم وعاء للحقيقة، كلاهما لا ينتهيان لأنهما لا يكتملان! يقول الكاتب: متى يمكن لشخص ما أن يقول أنه أنهى حكاية ما؟

ثم يطرح فلسفته عن الحكايات فيقول: تلك الحكايات الصغيرة أشبه ما تكون بفئران السفن الغارقة، هي أول ما يقفز من الحكاية الكبيرة لتبحث عن أقرب شط تواصل فيه حياتها. حتى هذه اللحظة لم أعرف أبدًا حكاية صغيرة فشلت في النجاة بنفسها، بينما أستطيع أن أحصي عددًا لا نهائيًا من الحكايات الكبرى التي ماتت بموت أصحابها أو أزمنتها أو أمكنتها.

بهذه المعارضة الروائية يثبت “طارق إمام” أن الكتابة هي مهنة النص المدهش الذي لا يتكئ بالضرورة على حكاية مدهشة، بل يولد عن طريق السرد المدهش للحكاية، وأن الأدب الحقيقي هو الأدب الذي يجعلك تتشبع بصوت الكتابة إلى الحد الذي ينفذ معها إلى روحك ليترك أثرًا من دوائر ممتدة مثل الذي يخلفه إلقاء حجر في نهر! تختفي بعدها الدوائر فتصبح الصورة رائقة وتصبح الحقيقة أعمق وأوضح.

“طارق إمام” روائي مصري صدرت له ستة روايات منها هدوء القتلة، ضريح أبي، الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس. وخمسة مجموعات قصصية منها حكاية رجل عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها، ومدينة الحوائط اللانهائية. حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس في الرواية عن رواية هدوء القتلة 2009 وجائزة الدولة التشجيعية 2010 . يبرع في اختراع المدن ويستطيع أن يحول أي حلم إلى حكاية.