موقع الكتابة الثقافي uncategorized 49
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

حسني حسن
لم يجد صعوبة كبيرة وهو يهم باتخاذ القرار. كان قد أمضى ليلته السابقة، مُسَهداً، يفكر بالأمر، ويقِلبه على جميع وجوهه المحتملة، ولمَا ولج مكتبه في الصباح، عرف أن كل شيء قد حُسم وانقضى. شعر براحة تنتشر وتتوسع، بداخله، كظلٍ وارف لشجرةٍ ضخمة نبتت، بغتة، في صحراء أيامه وسنينه الأخيرة. أخرج ورقة بيضاء، من الحافظة الجلدية الأنيقة، وأمسك بالقلم الفرنسي، مُدَبب السن. كتب:

“السيد السفير/ رئيس الهيئة
احترامي،،،
اسمحوا لي أن أتقدم لسيادتكم بطلب إعفائي من مهام منصبي كرئيس للمكتب في جمهورية السودان الشقيق، راجياً التكرم بالتوجيه نحو إعادتي للعمل بديوان الهيئة بمصر، وذلك لظروف صحية قهرية يتعذر معها استمراري بالخرطوم.
وإذ أنتهز هذه الفرصة للإعراب، لسعادتكم، عن جزيل شكري وصادق امتناني على ما أوليتموه لي من ثقة ودعم طول فترة إلحاقي للعمل بالخارج، أرجو أن تتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
توجيهاتكم،،،
التوقيع”
راجع المكاتبة بسرعة، فلم يجد فيها ما يستدعي الحذف أو الإضافة، وكأنها كانت منقوشة في مخيلته، ومخزونة بذاكرته كل تلك الفترة. مهرها بتوقيعه، بتؤدة، ثم وضع الورقة على الفاكس، وما هي إلا بضع ثوانٍ حتى تسلم الإفادة الخارجة من الجهاز بنجاح عملية الاتصال. تنفس بعمق، وسحب حقيبة أوراقه، مغادراً مكتبه بالقنصلية، ومتوجهاً إلى المطعم القريب، ليتناول إفطاره، ويشرب شايه الصباحي المعتاد.

سدَدت نظرة، صريحة ومباشرة، من عينيها، الموريسكيتين اللوزيتين المكحولتين، وهي تسأله:
– والأسرة معك؟ بلدنا جميل، وسيستمتعون هنا.
– للأسف، لن يصلوا إلا بالعطلة الصيفية، ولمدة شهر واحد، لا غير.
– مؤسف فعلاً.
ردَت وهي تزنه بنظرتها، الجريئة المقتحمة، منقبة، في تضاعيف وجهه وأعماق عينيه، عن ظلٍ لشيء ما؛ ربما حسرة، ربما لهفة، وربما ابتهاج بخلاص. تابعتْ بتصميمٍ جلي:
– لا تقلق فلن أتركك للوحدة تنهشك.
ابتسمت بإغواءٍ دسم، هذه المرَة، قبل أن تواصل حملتها:
– هنا، لا أحد يبقى وحيداً، لا أحد يحتمل وحدته، أكثر من أسبوعٍ، أو اثنين!
حافظ على جمود ملامحه وتصلب أساريره، مفكراً، بخوفٍ زائد، في الفخ الذي تنصبه له، أو في الشبكة التي تنسجها من حوله. كان مُشَبعاً بالمحاذير، والتعليمات الأمنية، التي ظلوا يلقنونه إياها لشهرٍ كامل.
– أما أنا فقد اعتدتُ وحدتي.
بادر بالرد كمن يدفع عن نفسه خطراً داهماً لمحه، مترصداً، عند أول انعطافة بالطريق. تذكر لياليه، الطويلة الشاقة، بالخرطوم، وقفزت، إلى سطح الوعي، صورته وهو واقف تحت “الدوش” الهامي برشاش ماء يكاد يغلي في الليل، ثم وهو يحسب، بدقةٍ مهلكة، ما تبقى له، من شهورٍ وأسابيعَ وأيامٍ وساعاتٍ ودقائق، حتى تنقضي السنوات الأربع المُحدد له أن يقضيها هناك. تذكر لحظة هبوطه بمطار الخرطوم فجراً، ذاك المطار المنقوع في الحُلكة والبؤس. تذكر النظرة، التحتية الجانبية، المتحرشة المنسحقة، التي محضه إياها ضابط الجوازات، وهو يقلِب في صفحات جواز سفره، بحثاً عن تأشيرة الدخول، قبل أن يعود لصفحة الغلاف ليقرأ عليه كلمة “دبلوماسي”. تذكر رياح الهبوب التي استقبلته ولفحته بسياطٍ من غبار، أصفرَ دقيقٍ ساخن، أهاجت منخاريه، وضيَقت أنفاسه عليه. تذكر الأيام الثلاثة التي تحصن فيها بالمكتب، بمقر القنصلية، لا يغادره، خشية أعمال العنف الدموية، التي اندلعت بالمدينة غداة الإعلان عن مقتل الزعيم، الجنوبي المتمرد، العائد إلى العاصمة الشمالية بقوة سلاح الجيش الشعبي، جون جارنج. وتذكر، أخيراً ودائماً، تلك الخادمة، الحبشية الحسناء، التي دستها أجهزة الأمن الوطنية عليه، ببشرتها الأبنوسية الأخاذة، بغنائها، غير المفهوم، الشجي الحزين، وبشهوته، التي ظل يكبحها، كلما عاد إلى البيت مساءً، ليجدها، مستلقية غافية، على الصوفا أمام التليفزيون.
– سنرى.
كانت قد استرسلت، بخفةٍ وزلاقة لسان مدهشة، في الحديث عن تاريخ أسرتها المرصَع بالنكبات، وبأوجاع الرحيل المتكرر. حكت له، باستخفاف، مريبٍ مثير، عن جدودها الأوائل حين هبطوا من غرناطة إلى جبال الريف، ليؤسسوا شفشاون الساحرة، شقيقة غرناطة الصغيرة، قبل أن ُيضطر أبناؤهم إلى المزيد من التوغل باتجاه الجنوب، نحو فاس أولا، حتى استقر بهم المقام في سلا، تلك المدينة العتيقة الحمقاء، والمعتدة بحماقتها. راحت تقضم ساندوتش “كفتة الداندي” الذي ابتاعه لها من عربة يدٍ قديمة، ُيطلق صاحبها على نفسه اسم “لالة فاطمة”، وتجرع من “الكانز” جرعات بسيطة عجول، ثم تُعلق على الأغنية الأمازيغية، سريعة الإيقاعات، حادة الأصوات، كل ذلك في نفس الوقت:
– لا أفهمها، لكني أحبها!
لم يقل لها إنها الحياة، دوماً، على هذه الشاكلة، لا نفهمها، لكن نحبها، وأحياناً لا نحبها، وأحياناً نحبها بغطرسة وقسوة لا حبنا لها، لكنها، في كل الأحوال، تنادينا، وتغوينا، ترمينا، مرَة، على سفوح جبال الريف المغربية، حيث تتطاول أشجار الأرز والصنوبر والبلوط، وحيث يمضي الناس أيام كدهم يزرعون الشيرا والحشيش، والنزر اليسير من الموالح، ثم تقذف بنا، مرِة أخرى، إلى صحراء الخرطوم اللاهبة، حيث لا ظل نحتمي به من قيظٍ مقيم، إلا ظل شهوة مكبوحة لجسدٍ أبنوسي، متلامع أخَاذ، يسحقه الفقر وأوجاع البعاد، ويعترف بالحب، غير المستهدَف، غير المعقول، وبالخيانة العاقلة جداً، البريئة جداً!
– ربما الرجل الوحيد، الذي عرفته فاهماً للحياة، كان أبي، ولذا أمضى عمره صامتاً، صامتاً وممتعضاً. كشف الخديعة مبكراً، وبالرغم من ذلك فقد وقع، هو أيضاً، في فخ الغواية، حصد ثروة صغيرة، لا بأس بها، من تجارته، لكنه كان واعيا،ً باستمرار، لمبدأ حدود الثراء، كان يقول إن المال نجمعه ليؤمِن لنا الحياة، إلى حدٍ معين، أما حين يتجاوز ذلك الحد، فسيصبح هو ما يحتاج إلى التأمين، عندها ينقلب صاحب المال إلى مجرد حارس عليه، وتتآكله المخاوف، ربما لهذا السبب انقلب الرجل، العاقل الرزين، إلى شخص آخر، سفيه ومبذر ومتلاف، في أواخر سنينه، ومات شبه فقير.
– المهم أن يكون مات راضياً. قالت.
– راضياً! لا، لا أعتقد، كيف لمن يفهم الحياة أن يعيش راضياً، أو يموت راضياً؟!
أخذت كفه ووضعتها على نهدها، ثم قبلتها بولهٍ. همست بنبرة متحشرجة:
– لستُ أعرف ماذا يعجبني فيك! ولستُ راضيةً عن إعجابي بك، أنت رجلٌ محصور كئيب، وغالباً عنين، ومع ذلك أجدني منجذبة إليك!
– أفكر، أحياناً، أنكِ لا تقيمين وزناً كبيراً لفكرة احترام الجسد.
رأى وجهها يتقلص بالألم، قبل أن تسيطر على نفسها، وتغرب في ضحكٍ هستيري هاذِ، تقطعه أصوات بذيئة مُنكَرة، وقرقرات. ردَت بغلٍ:
– ألم أقل لك؟ عموماً، ليس على العنين حرج.

عندما حطت الطائرة على المدرج بمطار القاهرة، أخذ وجيب قلبه يتعالى مستبقاً النزول إلى الأرض التي غاب عنها لعام، كاملٍ طويل، جرت خلاله مياه كثيرة بما لم يكن يظن أنه ممكن الحدوث عبر ما تبقى له من سنين على قيد الحياة. ركع على ركبتيه، وعفَر جبهته بالتراب، تماماً كما يفعل المعارون إلى الخليج، عند نزولهم للوطن بأول إجازة، أمام عدسات المصورين الصحافيين. أقنع نفسه أن البلد قد تغير، وأن روحاً، جديدة شابة، قد انفجرت، بالحياة وبالغناء وبالثقة، في عروق الميادين التي طالما تصلَبت وشاخت. أقنع نفسه، فهل اقتنع حقاً؟ سأل صديقه، ورفيق الحلم الثوري القديم:
– هل هذا حقيقي؟
– نعم حقيقي، لكن الصورة ليست وردية، فالفرز الثوري لم يتم بعد، وأحسبه متعثراً جداً.
– إذاً؟
– كما ترى، سيركب الجميع قطار الثورة، الذي أنكروا وجوده دوماً، وستحاول كل عُصبة أن تُنزِل البلد كله في محطة وصولها الخاصة، مدعيةً أنها آخر الخط، سينزل الكثيرون، لكن سيبقى الكثيرون أيضاً، وسيدور القطار ويدور، ويتأخر عن مواقيته، وربما يتوه، مرَة أو أخرى، و قد ينحرف عن القضبان، لكنه سيواصل سيره، حتى النهاية.
غرق في تفكير، صامت مشحون، ظل خلاله يحدِق بوجه الصديق كمن يبحث عن دلالة، أو بشارة ما، مخفية هناك. زفر برجاءٍ وضراعة:
– قل لي إنك تصدق، حقاً، ما تعدني به الآن. قل لي إنه سيواصل مسيره حتى النهاية، مهما تاه، أو انحرف عن القضبان.
– ولكني لا أملك إلا أن أومن بذلك يا صديقي، ليست لدي رفاهية عدم التصديق!.
كانت الفيلا التي يقطنها مستأجرةً من لواء سابق بجهاز الأمن الخارجي السوداني. أعجبه الطابق الأرضي، والحديقة الصغيرة اللطيفة، لكنه لاحظ ضعف التأمين. أدهشه الأمر، خاصة وأن صاحب البيت رجل أمن محترف وعجوز. ابتسم الرجل لملاحظته، بأريحية وفطنة ، وشئ من التعالي، وهو يجيبه:
– تعرف سيادة المستشار أن أي مكان، مهما بلغت درجة تأمينه، قابل للاختراق، وأن التأمين الأكبر هو في نزع الخوف من الخطر، وتأهيل النفس لمجابهته، في كل وقت، وتحت أي ظرف.
– هل كنتَ تعمل بهذه النظرية أثناء الخدمة، سيادة اللواء؟
أعاد الرجل لف عمامته، البيضاء الكبيرة، فوق رأسه، وعندما انتهى من تأمين صلعته، أجاب:
– أنتم أيها المصريون لا تفكرون إلا في أمرين لا ثالث لهما، النيل والأمن.
– طبعاً، طبعاً، سيادة اللواء، ولم لا ونحن، مثلكم، نعبد رب البيت، الذي أطعمنا من نيلٍ، وآمنا من خوف؟!
عندما اعترفت له، زهرته الأبنوسية الحبشية، من تلقاء نفسها، أن العجوز المتقاعد، ذاته، هو من وضعها في طريقه للتلصص عليه، وأنها تبقى مُطَالبة، كل يومٍ تقريباً، بتقديم تقرير تفصيلي عن حركاته وسكناته وزائريه، وأشياء أخرى داخل البيت، وإلا فلن يجددوا لها إقامتها، وأنها، وبعد أن ساكنته وعاشرته، تشعر بالذنب والخزي من جراء ذلك، راح يهوِن عليها، مؤكداً أنه لم يستبعد هذا الأمر من حساباته، أبداً، وأنه يعلم أن الكل منكشفٌ على الكل، وأنه، في نهاية المطاف، ربما، لن يُعرَف، وبالمطلق، من الرابح ومن الخاسر في تلك اللعبة العجيبة الملعونة، حتى وإن ظل موقناً بخسارة الجميع أمام الجميع!.

– كنتُ أفضِل لو أنك أبوك، لا أنت، أبوك العاقل الرزين، السفيه المتلاف!
– نصف ملاك، نصف شيطان؟
– لا، رجلٌ، رجلٌ وحسب.
تحلمين بالرجال، وتركلين أشباه الآلهة بقدميكِ أيتها الموريسكية الحمقاء! فهل هذه أنتِ، صدقاً وحقاً؟ أمْ أن هذا ما اقترحه عليكِ، بشأني، ذلك “القومندان”، الغامض المختفي في ظلمة مكتبه، المخفور جيدا،ً بعيداً بعيداً، هناك؟!.
تنهدت بيأس وتعب. كانت قد أُجهِدت كفاية على طول الطريق من غرناطة، إلى فاس، فسلا الحمقاء، ذات الأسوار العالية. همستْ مستسلمة، وقد يأست من ردَه عليها:
– كما تبغي.

استقبله السفير رئيس الهيئة، بمكتبه، فور رجوعه. بدا له رئيسه متحيراً، بشكلٍ ما، من أمره. كان قد طالب رؤساءه المباشرين برفع تقاريرهم، الفنية والإدارية والأمنية، له عنه، فلم يجد فيها ما يُمكن أن يُؤخَذ عليه، بل على العكس، جاءت التقارير، جميعها، تنتصف له، وتشيد بعمله ومهنيته وانضباطه، فلم يتبق أمامه إلا أن يقيِم، بنفسه، تلك الأعجوبة، التي ركلت المال والمنصب الرفيع، وتعالت على ما يصبو إليه الآلاف من العاملين بالهيئة، وغيرهم.
– مرضك حقيقي؟
– حقيقي.
– مم تشكو؟
– القلب.
لن يفهم، يوماً، إن كان ذاك القلب مجرد مضخة صماء للدماء، بالأكسوجين الذائب فيها، أم مستودعٌ للعذاب والأحلام، للهزائم وللشغف، للتطوحات وللتصوحات؟ وهل العلة تُصيب القلب، أم أن القلب، في ذاته، هو علة كل العلل؟
– كما ترى، نحن بحاجة إلى الكوادر المميزة، مثلك، فلا تظن أننا سنفرط فيك بسهولة، أخيراً، البلد ينهض من نومه الثقيل، حيث النهار لا يزال في أوله، وأيام وليالي العمل طويلة، بلا عد. تحيا مصر!
– تحيا مصر!
ودَع رئيسه، مؤقتاً، ليبدأ إجازته السنوية التي سيستغلها في مراجعة الأطباء، وعمل الفحوص والأشعات والتحاليل اللازمة. لدى وصوله لمكتبه، وجد، بانتظاره، زميله الذي سيحل محله بمكتب الخرطوم. كانت قد تبقت له مهمة سخيفة أخرى، من مهام طلوع النهار، هي مهمة تسليم الملفات. بدا الزميل نشطاً وحماسياً، كما يجدر بالسائرين على طريق تحقيق الحلم واغتراف الأمل وانتزاع النهار. ابتسم لزميله بوهن. سأل:
– ما الفرق بين الفاشي والفاشيستي؟
رفع الزميل نحوه نظرة، حائرة مستفهمة، ولم يحر جواباً، فعاجله هو بالرد:
– تحيا مصر!