موقع الكتابة الثقافي uncategorized 77
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

مي عاشور

قد يختلف صباح عن كل الصباحات لأن تحقق فيه حلم، أو حدث شيء منتظر..

أفتح عينيّ بصعوبة ، لايزال النوم يغالب جفوني، أفكر جديًا في استكمال نومي. صار شتاء   القاهرة  باردا جدًا مؤخراً.  ولكنني رغم كل شيء،  أتذكر أن هناك صباحا جديدا في انتظاري. أقدس هذا الوقت من اليوم. أحب الصباحات. الصباحات الباكرة جداً،  تلك التي أبدأها وحدي،  بينما يخلد الجميع إلى نومهم. أكون أول من يستقبل اليوم، هدوء كُلي يغلف الأجواء، ربما يقطعه تغريد بعض العصافير أو صوت محرك حافلة مكتوم تمر بسرعة خاطفة مرتطمة بالهواء الصحو. 

ثمة صفاء غريب، لا أقصد في نقاء الهواء فقط، ولكن في الذهن والوِجْدَان. الجميع نيام ، فرصة جيدة للعزلة والاختلاء بالنفس، وفرصة حقيقة للتأمل وإطلاق العنان للتفكير دون أن تقطعه أصوات كثيرة متداخلة.  ففي الأوقات العادية تضيع حبال الأفكار-لا- بل أنها  تتلاشى تمامًا بمجرد أن يتسلل صوت إلى أذني.

لا أحد يفهم سوى الذين يستفيقون مبكرًا، أن هذه الصباحات ملكً لهم وحدهم، لا يقاسمهم فيها أحد، إلا أناس  قليلون…..قليلون جداً. مثلاً: مسافر  طال به الطريق، أو شخص  أثقل عيناه السهاد، وينتظر تلكَ الصباحات الباكرة التي تسبق بزوغ النور في الأفق. ينتظر أن يُحيي النهار  مجدداً، آمال أخمدها الليل، ويملكه  يقين  قاطع أن هذه الآمال تلمع في الصباحات الباكرة، بنفس  قوة النجمات المتناثرة في سماء تعلو صحراء مقفرة.

كانت تقول جدتي دائمًا أن النهار له عينان ، ولكنني منذ بدأت أستفيق مبكراً، بدا لي أن النهار له وجه متجدد وحسن، لا يرى ملامحه سواي. كان هناك وجه  لصباح جميل وفريد، تمنيت لو  أعود إليه مجدداً، ولكنني اكتشفت أن الصباحات لا تتكرر، ولا تعود، ولكنها فقط تتجدد كل يوم، تحمل قصصًا وأمنيات ، ثم تمضي بلا رجعة; مما يُنبت بداخلنا الصبر ويمدنا بطاقة الانتظار…….انتظار شيء أفضل.

ذات يوم لمع ضوء خارج النافذة، أشبه بضي  خاطف كالذي يصحب تساقط الشهب. رفعت رأسي فوجدت أنه برق يشق السماء . الجو مطير جداً، نهضت ومشيت صوب النافذة، فبدا لي أنه صباح كئيب وقاتم، من تلك الصباحات التي تجعل اليوم سيء وثقيل. ولكن في ذلك اليوم أدركت جيداً أن الصباحات الباكرة متقافزة ومتغيرة، وتعلمت أن نهاية الأشياء ، قد تختلف تمامًا عن بدايتها; يعني مثلاً صباح  مطير ببرودة الثلج، ينتهي بشمس دافئة. وصباح قاتم وغائم، يصحب في نهايته بهجة مباغتة. وصباح يبدأ بهموم تثقل الروح، وينتهي بفرحة عارمة،  وصباح يبدو لكَ أنه نهاية العالم، فيفضي بكَ إلى الدخول إلى عالم جديد.

يحتاج المرء إلى مثل هذه اللحظات الصامتة ، والتي يكون التأمل هو سيدها، لينزوي على كرسي في  مكان ما، أو يقف أمام نافذة أو يخرج إلى الشرفة، أو حتى  يستلقي حتى على ظهره محملقًا في الفضاء. يتأمل تفاصيل صغيرة لم يلاحظها، ويدقق البصر في حياته ومسارتها، ويفكر في أشياء لم تطرأ على عقله. يحاسب نفسه، ويلومها، يقسو عليها، ويصارحها بما كان يتهرب من قوله لها، يعني يتحول من شخص هارب إلى فارس يواجه آلامه  وهواجسه. باختصار إن الصباح وقت ملائم لمحاسبة الذات، وتشجيعها، وتدليلها و مصارحتها ، وللغفران لها والبدء من جديد.  

أغمضت عيني ذات صباح باكر، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت بداخلي أمنية، انتلقت من قلبي إلى السماء في صمت.  فأدركت أن في  الصباحات الباكرة تكون السماء مفتوحة،  فتنفذ إليها دعوات قلبك، ثم ترد إليكَ أمنيات ملموسة. ربما بأشكال لم تتوقعها، ولكنها تكون تمامًا كما تمنيت.

والآن صار عندي يقين قاطع ، أن الاستيقاظ مبكراً  بحاجة إلى سبب منبعث من القلب والروح، شيء أقوى  منك يجبرك على النهوض، حتى وإن  لم تنم أو كنت منهكاً;  لأنك ببساطة تتطلع  إلى يوم جديد، وكأنك على موعد مع  شيء جميل يحدث لكَ.