شهادة المجتمع والناس

لكن ماذا بعد كل هذا الحراك؟! هل نحن فى منعطف يعبر عن انتقالنا من منطقة فكرية إلى أخرى؟ بمعنى آخر، هل أسهمنا فى تأسيس نظرية نقدية أتحفت العالم؟ أو هل خرج كتاب عربى علمى يستخدم كمرجع فى أى علم من العلوم النووية أو الحربية أو الكيميائية ..؟ أو هل أنتجنا مصطلحنا العربى الذى قد نستخدمه كبديل عن المصطلح الأجنبى؟ أو هل توجنا الظواهر المحيطة بمعطى فلسفى جديد غير دراسة الفلاسفة السابقين؟

الأسئلة كثيرة والأمر يحتاج منا إلى إعادة تقييم الذات للوقوف على حقيقة الأمر، وعلى مفهوم “الجديد” الذى يجب أن نقدمه لنواكب السائرين من حولنا ونحن فى خطى السلحفاة، لكن الجدة هنا بمعنى اختلاف المعايير الثقافية والطريقة التى نتناول بها الثقافة بما يناسب العصر، ولعل مصطلح الكتابة الجديدة من المصطلحات الداعية إلى الوقوف على حافة الهاوية بين دعاوى ترك القديم، ومحبى الجدة فى كل شئ، وإن كانت الكتابة الجديدة – فى معظمها- تحتفى بالمغاير والداعى إلى انتفاء فكرة أن الأدب رسالة أخلاقية أو التمسك بأسس كتابية معينة، أو العمل على فرضيات سابقة التجهيز، فهناك محاولة للتعايش بين القديم والجديد، بين الأرض الصلبة التى هى تراثنا غير المقروء بوعى كامل حتى الآن، واستشراف المستقبل القريب لمواكبة السائرين باصطلاح “الكتابة الجديدة”.

السياسة والمجتمع والناس هم أكثر العناصر التى تشترك فى محيط اهتمام “الكتابة الجديدة” من وجهة نظرى طبعًا، ولو نظرنا إلى تلك التابوهات الثلاثة سنجد أن السياسة لم تعد علاقة الناس بالثورة أو بالانتصار فى حرب أكتوبر أو تأميم القناة، بل هناك محاور أخرى بدأت تربط الكاتب بالسياسة مثل القطب الأوحد، وما بعد الكولنيالية، تزوير الانتخابات، وحرب العراق وأفغانستان، والعلاقات المصرية الأمريكية الإسرائيلية، ظهور الملفات النووية وما يحدث فى غزة، الفضائح السياسية المرتبطة بأسماء كبيرة محلية أو عالمية مثل المسؤولين والوزراء فى مصر، ومثل فضيحة مونيكا وبيل كلينتون، وفضيحة رفيق الحسينى رئيس ديوان الرئيس الفلسطينى أبو مازن.

المجتمع معقد متراكب متماهى لم تعد تعرف هل هناك بالفعل ما كانت تسمى طبقة متوسطة أم لا، وإذا حاولت تتبع تصنيف المجتمع المصرى؛ فستقف حائرًا هناك أغنياء وفوق الأغنياء فنحن نتحدث عن مجموعة تمتلك المليارات، والمليار بالمناسبة لم يكن من الأرقام المعروفة فى مصر فهو معيار جديد للغنى فى مصر، وهناك من يمتلكون الملايين ويدَّعون أنهم من طبقة متوسطة، وهناك من يجدون ما يكفيهم فقط وقد يفيض عن حاجتهم القليل، وهناك من يعيشون كفافًا، وهناك فقراء، وهناك من هم تحت خط الفقر، وهناك المعدومون، حقًا إنه مجتمع غريب، أحيانًا يتمسك بالدين ويراه الحل لكل شئ، وأحيانًا يتركه ويدعو للعلمانية، أحيانًا يتهافت على القنوات الفضائية الدينية، وأحيانًا ينتقدها بشدة، وقد يدعو للتغيير الديمقراطى، ثم تجده يقول: “الريس اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش”.

الناس وهم خليط هذا المجتمع المتراكب، هم كبار السن العاجزون عن اتخاذ موقف لتغيير المجتمع فيكتفون بسلب حرية أبنائهم، هم الشباب العاطل عن العمل والسلبى فى بعض الأحيان أو الملتحى قدوة لكنه لا يطبق الدين بشكله الصحيح، أو الملتزم بالمنهج الدينى القويم –وهم قلة- أو المتجه إلى الرذيلة أو المخدرات كمحاولة للهروب من ضغوطات المجتمع الذى لا يفهمه أو يفهم توجهاته، وهم أيضًا شباب الحريات والمدونات والكتاب الذين صنعوا جيلاً وسطًا بين الشباب يحاولون أن يصنعوا شيئًا لكن المعوقات الاجتماعية والفكرية والثقافية كثيرة.

إذن هناك رؤية جديدة ومجتمع يحاول أن يتغير لكن العشوائيات والبرامج التلفزيونية العقيمة والموجهة – إلا من رحم ربى- والأفلام السينمائية الغائبة عن معرفتنا والداعية إلى القول المشهور “الجمهور عايز كده”، والجرائد التى تنتقد النظام أو التى تدعو إلى التعايش السلمى معه أو التى تحتفى به، ونواب القروض، والهواء الملوث، والمياه الصدئة، والسحابة السوداء، والديمقراطية الغائبة، والتابوهات الثلاثة التى تمسك بها العديد من المثقفين لأن كلمة “تابو” تنم عن معرفتك الكبيرة، وقدرتك على الحديث فى كل الأمور، والشللية وتضارب الخطاب الدينى، والفتاوى المثيرة للأزمات، كل ما سبق يدعو إلى تثبيط التغيير وقتله فى مهده، لكنا نرجو أن يأخذ الشباب فكرهم ويلقوا به فى النيل كما فعلت أم موسى، لكن لا ليصل إلى فرعون مصر، بل ليشرب منه كل المصريين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* شاعر مصري

خاص الكتابة