شجاعة أن تكتب

المراحل المخيفة لتطور الوعي تلك التي أمر بها هذه الايام ، إيماناتي التي تتكسر وتبني من جديد على فترات زمنية متقاربة ترهقني

مراجعتي لمكتبتي في محاولة عبثية لفهرستها ، ورطني في مواجهه كل الكتب التي قرأتها

الرواية – ذلك الصنف الأدبي الذي يشغلني ويهمني لأني أحبه

أحب قرائته لأنه يمتعني كما لا يفعل نوع آخر ، ولأني أكتبه

الرواية التي تشعرني بالأمان ، لأني طالما اعمل على مشروع رواية فلن اموت الآن قبل ان انجزه ، ولن أستسلم للحزن والإنكسارات لأن لدي شخوص وحكايات عالقة في صفحات تنتظرني لأنهيها

كل ذلك يحقق لي الطمأنينه .

طمأنينة المسئولية ، مسئوليتك حيال عالمك الروائي ،

الرواية التي أعتبرها انا تاريخيا رائعا للإنسانية … أصحاب التجارب القليلة أو الواحدة في هذا الفن

شارلوت برونتي وإميلي برونتي

مرتفعات ويزرنجوجين إير – لم تكتب أي من الأختين روايات أخرى لكن هاتين الروايتين بقيتا في تاريخ الأدب الكلاسيكي الإنجليزي

قرأتهما في مراهقتي البعيدة … الآن افهم معنى أن تتلخص حياتنا بعد سنوات بعيدة لتقترن اسماؤنا بكتاب واحد

أي جرأة أن تسجل كل هواجسك وكوابيسك القاسية وتساؤلات حيال العالم في كتاب وتغادر ، أي جراة أن تقصد البوح لترحل في سلام فتبقى للأبد

كنت احضر منذ أيام مؤتمرا أعده المجلس الأعلى للثقافة ، تحدث فيه د. عبد المنعم تليمة أننا نحن الأدباء المصريين نقف في مكان جيد ومهم في عالم الادب الروائي ، أن إنتاج أمريكا الاتينية وافريقيا والعالم العربي يبدو رائدا في هذا المجال ، إننا لم نتأخر سوى مائة عام ربما على اللحاق بهذا الصنف الادبي… قال إننا هنا

حاضرون بقوة

والحقيقة اني أصدق ذلك ” وجودنا التاريخي “

نجيب محفوظ ويوسف ادريس ويحيي حقي وعلاء الديب وعبد الفتاح رزق وصنع الله إبراهيم والبساطي والمخزنجي وبهاء طاهر وخيري شلبي ورضوى عاشور وعائشة ابو النور

والكثير من الاقلام الآخرى ، أنا هنا لم اكن اؤرخ بقدر ما كنت اترك لذوقي الشخصي أن يكتب الاسماء التي شكلت وعيي وامتعتني بالقراءة والإنسانية على حد سواء .

 

أتذكر الآن أن غرض المقال هو الحديث عن المشهد الحالي للكتابة

أنا أعرف جيلي جيدا

قرأته كله ، وانحزت لبعضه إنسانيا وفنيا

ورطة ان تعاصر أصحاب الكتب بعد أن كنت تعرفهم فقط على هيئة كتب وتقسيمات في المكتبة انت الآن وسط كل ذلك

جزء منه

كيف يبدو الأمر مخيفا … قاسيا …

يذكرني ذلك بان الله حين يريد أن يعاقبنا حقا يستجيب لدعواتنا / يحقق لما الاحلام

ذلك يسلب منا حلاوة الحلم ، يجرده من ماهيته كطيف ويقدمه لنا كواقع نحياه … أجل الواقع بسمعته السيئة بلا رتوش ولا مجال للتخيل .

 

أفكر الآن أن ملامح الجيل الحالي تشكلت بالفعل ، نستطيع الآن ان نفرق كتابة كل كاتب منا عن الآخر ، نعرف مشروعه ليس لأنه متكرر في كتاباته بقدر لأنه ينتمي لها وتخصه

الأشياء التي نفلتها من ارواحنا في الكتابة .. الامر يشبه الخط ، ورائحة الأم التي يعرفها طفلها ..

 

المرحلة التي سبقتنا أفرزت جيلا كبيرا ومميزا

مهد لنا اللعبة ، لعبة الكتابة وقواعدها ربما

نحن قرأنا السابقين لكننا تعثرنا في من اكملنا معهم وبعدهم

هل يبدو كلامي هكذا مقبولا

لا اعرف

 

لكن من من الجيل الحالي لم يمر على حمدي ابو جليّل أو مصطفى ذكرى ، إبراهيم فرغلي ، مكاوي سعيد، أشرف عبد الشافي ، شحاته العريان ، أحمد الشيطي وسعيد نوح وسحر الموجي ومي خالدوهويدا صالح وغيرهم

الدوائر التي تتسع لتصنع عوالم الكتابة وأجيالها تشمل كل ذلك تستند فوق بعضها أو جوار بعضها

تصنع شكلا هندسيا ومتوالية تخصها ، قانونها هو الفوضى والعشوائية او حبكة التكرار أو الرغبة في الإختلاف

لا اعرف كيف يحدث ذلك

لكني أعرف أن كل موجة وحلقات ودوائر وكتب وكتابة يخرج منها البعض القليل مرفوعين بقوة الماء والمعرفة والإجادة

جيل الشباب به الآن الكثير من الاسماء ذات المشروع الواضح والخطة المحكمة العشوائية في ذات الوقت

الرغبة في البقاء بمعناها السنتمنتالي – الكتابة لأجل الخلود وترك رسائل مفادها ، كنا هنا.

الكتابة لأجل المرح واللعب ، الرغبة الخالصة في تحويل العالم لكلمات

 

اسباب كثيرة يتورط كل منا فيها تبعا لمعتقداته ، وموهبته ورغبته في الفعل –فعل الكتابة –

لن اضيف جديد أكرس لنفس الاسماء الجادة التي اظنها تستحق ، الأمر كله يخضع لذائقتي الشخصية

ولهلاوسي وأخطاء مزاجي في القراءة وحكمي على الكتب التي أقبلها أو ارفضها ، الامر انطباعي تماما

المشهد الإبداعي ثري جدا ومميز

أسماء بعينها نستطيع حين قولها أن نعرف خيطا خفيا يشد كتابتها كلها ويحوطها بعالم يخصها

منصورة عز الدين بلغتها وعوالمها الطيفيه ، طارق إمام بتجريبه وأفكاره التي لا تتكأ كثيرا على الواقع ، الطاهر شرقاوي بإنحيازه للبساطة والهشاشة والرقة ، نائل الطوخي برغبته في الصدمة وتسلق الحكايات من طرف وسطي بين الذهنية والسخرية ، محمد صلاح العزب وخفته الجميلة ورشاقة ابطاله المأزومين دوما .. المتورطين في العادية الرائقه التي تخلقها الكتابة الحلوة ، محمد علاء الدين الذي يرتدي جلبابا يخص شخوصه في كل رواية فتتحول الحكايات للحم ودم وطاقات لا تفلتنا بسهولة بعد القراءة ، أحمد العايديبوابة هذا العالم من الأدباء المشغول بالكتابة كفعل وكعالم أظنه لن يخذله ، محمد فتحي الذي يكتب كفعل مواز للرشاقة التي يستقبل بها مفردات العالم ، بالحيرة ذاتها والقدرة على زرع البسمة جوار الضيق والغضب بلا ارتباك يذكر ، سهى زكي التي تكتب رغم انف الرجال بحسهم وحكاياتهم الاذعه … تكتب لتعيد ترتيب اشيائها المبعثرة ، لتحرك المياه الراكده وأظنها تجيد صنع دوائر في ذلك الماء . هاني عبد المريد الذي يصدق كثيرا فيما يفعل ويترك كتبه تدافع له عن وجوده وتصنع له مكانا من اكثر الأماكن حقيقة بيننا . محمد الفخراني بقدرته على القبض على الواقع والخيال بنفس القدرة والجمال ,, ينحاز لأبطاله وحكاياته كأنها ملاذ أخير وسط الطوفان ،.الكثيرون غيرهم … عذرا إن افلتت ذاكرتي البعض ، أتحدث الآن عن جيلي ، الذي أعرفه أدبيا وإنسانيا

رفقاء الحنين والمقاهي والتساؤلات التي تشغلنا ونؤرقها … شركائي في البهجة الخاصة بنشر الكتاب الأول ، ونجاحه وطعم المقالات التي كتبت عنه ، وصدمة نفاذ الطبعة الأولى ، وطفولة عقود النشر والترجمة التي نوقعها ونحن لا نصدق بعد ان الامر كله حقيقي

ما الذي يحدث الآن على الساحة

الكثير من الاصدارات الأخرى لجيل جاء بعدنا نحن

جيل لم تتشكل ملامحه بعد ، جيل ربما يختلط بنا ويضع له لافتة في الميدان المزدحم الكبير الذي يمتلئ بالدراويش وعديمي الموهبة والمجاذبيب والقديسيين والأنبياء والكتّاب الموهوبين والمرضى النفسيين والبؤساء

هنا في ميدان الكتابة والجنون متسع للجميع

لكل الحكايات والكتب والنميمة والمجاملات والحسد واللغط والحب

الكثير يحدث والكثيرون يعبرون

أشياء قليلة جدا وأقلام حقيقية جاءت لتبقى وأظنها ستبقى .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* روائية مصرية

 

خاص الكتابة