سيلفيا بلاث.. الضربات القاصمة والمستقبل

د. نعيمة عبد الجواد

حياة الإنسان هي مجموعة من الصراعات والإخفاقات، والأحزان التي تولد دون أن يكون لنا يداً فيها، وتنتهي كلما استطعنا أن نتغافل عنها. لكن انتهاءها لا يعني أنها لم تترك ندوباً غائرة في أرواحنا، ووصمت نفوسنا البريئة بجدار حديدي من الحزن الدائم الذي ينفجر كلما عصفت بنا أدني الذكرى. لكن في نهاية الأمر، قد كتب علينا كرهاً أن نتناسى ونتغافل، استعداداً لضربات أخرى قاصمة.

وعلى النقيض، هناك من لا يستطع النتاسي والتغافل، مما جعل هذه الأحزان تتراكم إلى أن تتحول إلى هاجس ووحش مريد يهدد مسيرة حياته، ويدق نواقيص الخطر لحياة من حوله. ومن أشهر الشخصيات التي لم تستطع الخروج من سجن أحزانها، وخيبات أملها في الحياة كانت الروائية، والقاصة، والشاعرة الأمريكية ذات الحس المرهف سيلفيا بلاث Sylvia Plath (1932-1963) التي أبهرت العالم بموهبتها الفذة.

سيلفيا بلاث Sylvia Plath هي ابنة برفيسور في علم الأحياء رقيق المشاعر. ولقد أظهرت سيلفيا بلاث ذكاء ملحوظا منذ الصغر مكنها من الفوز في جميع ما تشترك فيه من مسابقات؛ فلقد فازت بأول مسابقة لها في الشعر وهي لا تزال في الثامنة من عمرها. وأما في سن الحادية عشرة، فلقد أسست مجلة أدبية خاصة بها. وأظهرت سيلفيا بلاث موهبتها الفذة كفنانة متميزة، وموهبة واعدة لكل من اطلع على أعمالها، لدرجة أنها حصدت جوائز مدرسية عدة عن أعمالها الفنية سواء في الرسم أو الكتابة. ومن الجدير بالذكر، قدر الأطباء أن معدل ذكاء سيلفيا بلاث Sylvia Plath (160%) مائة وستين في المائة.

فلقد كان “النجاح” هو طموح سيلفيا بلاث Sylvia Plath، وكان أيضاً دافعها الدائم للفوز. إلا أنها جابهت في مقتبل حياتها حادثة لم تنجو أبداً من أصدائها. فلقد توفى والدها وهي لا تزل في سن الثامنة، مما ترك في نفسها جرح غائر لم تستطع الشفاء منه أبداً. وعلى إثر موته، أصيبت سيلفيا بلاث بمرض نفسي عضال استلزم خضوعها للعلاج بالصدمات الكهربية؛ بسبب وقوعها فريسة لنوبات اكتئاب حادة، جعلتها تحاول الانتحار بشكل مستديم على مدار سنوات عمرها التي لم تستمر إلا لسن (31) الواحد والثلاثين ربيعاً. وفي نهاية المطاف، تمكنت أن تزهق روحها انتحاراً. ومن الجدير بالذكر أن الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث Sylvia Plath هي زوجة الشاعر الإنجليزي الشهير تيد هيوز Ted Hughes. ولقد حصلت بعد موتها  في عام 1982 على أكبر جائزة أدبية، وهي “جائزة البوليتزر”، عن مختارات من أشعارها؛ لتمييز وجودة انتاجها الشعري ، ولطرقها أبوابا غير مألوفة عند التناول. ويذكر أن سيلفيا بلاث Sylvia Plath هي من أسست مدرسة أدبية جديدة في الشعر، تدعى “شعر الاعتراف”Confessional Poetry، وذاك الاتجاه الجديد هيمن على جميع أعمالها سواء من الشعر أو السرد.

فلقد كانت سيلفيا بلاث تكتب بكل جوارحها لتعبر عن تجاربها، وعن مآسيها الشخصية. ولعل من أشهر قصائدها التي تحظى بشهرة عالمية واسعة، هي قصيدة “المهيب” The Colossus التي فيها تمزج بين التاريخ الفعلي لتمثال “المهيب” Colossus وما يلف به من أسطورة. فالقصيدة تستعرض في تناغم فريد الأسطورة والتاريخ الحقيقي لتمثال “المهيب” أو “عملاق رودس”، وتمزجه باشتياقها العارم لصحبة والدها الراحل، ومحاولاتها المستميتة أن تجله دوماً ماثلاً على وجه الأرض، مفعماً بالحياة. وكانت النقطة التاريخية التي انطلقت منها هي وقت سقوط التمثال على إثر الزلزال الأول الذي ضرب جزيرة رودس، والذي بسببه سقط “المهيب” أو “عملاق رودس” على الأرض، وترك ممداً عليها هكذا على ما يربو على ال (800) ثمانمائة عام دون أن يحاول أحداً إصلاحه. وعلى النقيض، تبدأ قصيدة سيلفيا بلاث بمشهد تصويري درامي لتمثال المهيب ممداً في وسط منظر طبيعي فريد، وأما هي، نجدها وحدها دون أن يمد لها أحد يد العون تبذل محاولات مستميتة لإعادة إصلاح التمثال؛ ليقف مرة أخرى على قدميه من أجل يضلع بمهامه كرمز وحامي. فتقول سيلفيا بلاث:

لن أستطع يوماً جمع أشتاتك؛

لتصير قطعا، يتم لصقها، ثم تجمع بشكل مثالي.

تخرج أصوات بغال، ونخر خنازير، وكلمات بذيئة

من بين شفتيك العظيمتين،

إنها لأسوأ من حظيرة.

 

لربما تظن نفسك عراف دلفي،

أو لسان حال للموتى، أو لبعض الآلهة، أو ما شابه.

إلى الآن، استهلكت ثلاثين عاماً أكدّ فيها

لأحفر الطمي المترسب في حلقك لإزالته،

ولم أتعظ أبداً.

 

دأبت على أن أزرح درج السلم القصير صعوداً وهبوطاً حاملة أواني من الغراء ودلاء من الليزول،

أجر قدمي جراً كما لو كنت نملة في حالة حداد

عبر فدادين حواجبك الكثيفة كالدغل؛

من أجل إصلاح طبقات جمجمتك الضخمة

وتطهير عينيك من القذى.

 

أخيراً، انبلجت سماء زرقاء فوق تراجيديا الأوريستيا

التي باتت تظللنا غمائمها. يا أبي، أنت وحدك

واضح، ومعبِّر، وتاريخي كالمنتدى الروماني.

لكن كلما فتحت غذائي على تلة السرو الأسود،

أجد حولي مبعثراً عظيماتك الجوفاء كالناي وشعرك المخروطي الشكل.

 

فلازالت أشلاؤك متناثرة في فوضى حتى بلغت شفير الأفق

في اعتقادي أنه قد استلزم الأمر أكثر من صاعقة برق

لإحداث كل هذا الخراب.

لكم قضيت ليالي منكفأة على نفسي في وضع القرفصاء

داخل تجويف أذنك المجيد؛ للاحتماء من لفحات الريح.

 

واشغل نفسي حينها بإحصاء النجوم الحمراء، وتلك الخوخية اللون

إلى أن تشرق الشمس متسللة أسفل لسانك الشامخ كالعمود.

ساعات عمري قد اقترنت بشبح.

فلم أعد أستمع لصوت خشخشة أحجار الميناء

عندما يصطدم بها عارضة قاع السفن حين ترسو.

ففي هذه القصيدة الرقيقة التي يتداخل فيها وصف تمثال المهيب بوصف والدها الراحل تتداخل جهودها المضنية في إصلاح التمثال بهذيان فتاة مكلومة تحاول أن تبعث وحدها والدها المتوفى من عالم الموتى، لكن جميع المحاولات لا جدوى منها مهما طال الزمن، كما هو الحال تماماً بالنسبة لتمثال المهيب على مر العصور.

فالمشهد يصور تمثال المهيب متناثراً الأشلاء في كل مكان، في حين أن سيلفيا بلاث تقف أمامه وتحدثه وهي منهكة خائرة القوى من جراء عملها المتواصل، ولربما كانت تقطر عرقاً وهي تحمل في يداها آنية الغراء، ودلاء صغيرة من مادة الليزول لتنظيف قطع التمثال؛ لإحكام لصقها بالغراء. وبينما وهي في قمة شعورها بالانهاك، وبعد قضائها سنوات طويلة جداً تحاول فيها جمع شتات المهيب دون جدوى، تقف سيلفيا بلاث في حالة هستيرية عارمة أمام التمثال، تصرخ فيه مؤكدة أنها لن تتمكن أبداً لا من جمعه، ولا من لصق أجزائه، وبالطبع لن تتمكن من أن تجمعه مرة أخرى في قطعة واحدة كما ترغب. وعندما تقف أمام شفاه التمثال تمر بينها صفير الرياح محدثة أصوات ضجيج عارم كأصوات الحيوانات، وأصوات سباب الرجال في الأسواق، مسترجعاً بذلك ما كان يدور في أسواق ميناء رودس التي كان يحميها المهيب.

وفي كره شديد للتمثال الذي يرفض أن يعاد إصلاحه، وكأنه عرافة دلفي التي قضت بذلك، نجد أن سيلفيا بلاث في أسى تؤكد أنها قد استهلكت ثلاثون عاما طوال من حياتها محاولةً أن تزيل الأوساخ والطمي من حلق التمثال، كاستجداء له أن ينبس ببضع الكلمات أو حتى كلمة منه، ورفضه العنيد هذا جعلها تفقدت عقلها. فلم يحاول “المهيب” أن يكافئها وهي تلك التي تكد، وتشقى في صعود وهبوط الدرج حاملة أوزان أبلت يداها. ولم يأبه بها وهي منهكة تجر قدماها بينما تتنقل بين وبداخل أجزاءه الضخمة المبعثرة حتى نهاية الأفق إلى أن تصل إلى حواجبه التي تشبه شعيراتها الضخمة دغل كثيف حين تحاول إصلاح طبقات جمجمته . وهنا نجد أن سيلفيا قد اعتبرت تمثال المهيب إنسان جمجمته  لها طبقات فور اصلاحها يمكن بعثه من جديد لتدب فيه الحياة. وكذلك تخيلت الشاعرة أن عينيه لم تعد ترى لأنه لم يستخدمها منذ زمن بعيد، ومن ثم تحاول تنظيفها من القذي ليراها بها. وهذا الموقف الدرامي ليس كالتراجيديا الإغريقية المأساوية، لأن سماء من الأمل تظلل عليهما. فهذا المهيب هو والدها الحبيب الذي هو أعظم أثر باقٍ في الدنيا. لكن يخبو أملها مرة أخرى في استعادة والدها الذي تجسد في هذا التمثال كلما صعدت التل لتتناول غذائها؛ حيث تلحظ أن عظامه وشعيرات رأسه تبعثرت في فوضى عبر أرجاء الأرض. فكل هذا الضرر والتحطم لم يكن بسبب صعقة برق واحدة تلت حدوث زلزال رودس. ولقد برعت سيلفيا بلاث في هذه القصيدة أن تجعل منها مذكرات يومية تتكرر على نحو سرمدي، دون أي تغيير. وكما أعطت القارئ وصفاً مفصلاً لكيفية قضائها لنهار يومها، تخبره أيضاً بما تفعله طوال الليل الطويل الذي لا يغمض لها جفن فيه؛ لأنها تكتفي بأن تجلس في تجويف أذن والدها تحصي النجوم طوال الليل إلى أن تشرق الشمس لتواصل مرة أخرى رحلتها اليومية في محاولة إصلاح تمثال “المهيب”، رحلة أخذتها على عاتقها هي وحدها، ولربما بدأت منذ لحظة سقوط المهيب، أي منذ لحظة أن توفى والدها المهيب.

لكنها في نهاية القصيدة تؤكد أنه بالرغم من تلك المحاولات المستميتة، أنها على دراية تامة أنها تطارد سراباً؛ لأن كل من والدها والمهيب لن يبعثا للأرض أبداً مرة أخرى. فوالدها قد واراه التراب للأبد، أما تمثال المهيب فلم تعد حتى الميناء المقام عليها ليحميها متواجدة، ومنذ زمن بعيد لم يصل إلى سمعها صوت اصطدام الأحجار بقاع أي سفينة تحاول أن ترسو في هذه الميناء التي تلاشت.

سيلفيا بلاث Sylvia Plath تستفيق في نهاية القصيدة، وربما ينتابها نفس هذا الشعور في صباح كل يوم، فيعذبها هذا الشعور ويكون سبباً في تفاقم مرضها النفسي، فتؤذي نفسها أكثر. لكن في خضم هذا، تؤذي أكثر من حولها، تحيل حياتهم إلى جحيم. وعندما ندرك ذلك، لن نندهش أبداً من معرفة أن من يحترفون من البشر إيذاء الآخرين، هم أنفسهم قد تمكن منهم أذى شديد بسبب تجربة أو تجارب قاسية مروا بها في حياتهم، ولم يستطيعوا أن يستفيقوا منها أبداً. ولكم يعذبهم في كل يوم ولربما في كل لحظة – أن أفعالهم غير منطقية، وأن إيذائهم المتكرر بشكل مباشر أو غير مباشر للآخرين لن يصلح حياتهم التي قد أصابها العوار. لكنهم ينزلقون مرة أخرى في نوبات هستيرية جديدة يعذبون بها أنفسهم وكل المحيطين بهم، تماماَ كما فعلت سيلفيا بلاث التي انتحرت وخلفت لزوجها أذى اجتماعي، وجنائي، وأدبي كبير عانى منه حتى نهاية عمره. أما عن طفلاها، فلقد شوهت نفسيتهما للأبد. فانتحر الابن، أما الابنة فهي تقاسي حتى الآن في الدفاع المستميت عن والديها.  لكم أتعشم ألا يتخذ البعض من أحداث الماضي صوتاً ليجلد به نفسه، ثم يجلد به الآخرين. يجب دوماً الإيمان بالمقولة المتواترة: “ما وضع أمامه نقطة، لا تحاول استبدالها بعلامة استفهام”.

SQL requests:180. Generation time:1.231 sec. Memory consumption:39.11 mb