موقع الكتابة الثقافي uncategorized 9
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د. مصطفى الضبع

حيثما تراه للمرة الأولى لا تشك مطلقا أنه شخصية من شخصيات  ماركيز أو جورج أمادو فى قدرتها على تجسيد الكثير من المعانى ذات الطابع الإنسانى.  ويظل الإحساس  مسيطرا عليك حتى بعد أن تكتشف ابن البلد الأصيل الكامن هناك فى أعماقه.

وعندما تتعامل مع قصصه وروايته الوحيدة لا يختلف الأمر كثيرا، فأنت تتابع شخصيته تتحرك فى أعماله كلها. شخصية دالة متعددة الأبعاد. حتى إذا ما تابعت كتاباته النقدية اكتشفت نبعا جديدا من الأفكار الجديرة بالدراسة.

إنه سيد الوكيل القاص والروائى و الناقد، صاحب:

  • أيام هند – مجموعة قصصية – ط1
  • للروح غناها – مجموعة قصصية 1997.
  • فوق الحياة قليلا – رواية 1997.
  • مدارات فى الأدب والنقد (نقد ) 2002.

وهى أعمال لا يعبر عددها المشروع الإبداعى لسيد الوكيل حيث تتدخل عوامل متعددة تقف دون قدرة طرح مشروع الكاتب كاملا أو دون تقديم ما أنجزه الكاتب بالفعل. ومنها عوامل النشر. وملابسات العمل المؤسسى. ولكنها قادرة على عددها هذا أن  تقف  فى منطقة متميزة قادرة عن الكشف عن قدرات المبدع. والناقد.

فى قصصه القصيرة أنت أمام نص هادئ. بسيط. لا يشغلك بتعقيدات النص. ووعورة الأسلوب. وتهويمات القص المستحدث. وإنما تشغلك الحكاية فى روحها البسيطة. الشفيفة. ويشغلك أبطال لا تخاف عدم معرفتهم. فهم أنت. وأنا. والآخرون. يحملك من البداية إلى عمق الأشياء والشخصيات. دون أن  تشعر بالغربة.

مع قصصه أنت أمام الكثير من عناصر الفن التى يمكنك أن تتحاور معها أو أن تتوقف لديها. والقادرة على أن تعكس سمات الموهبة لدى الكاتب.

وإذا كانت مجموعته الأولى ” أيام هند ” تكشف عن  موهبة الكاتب. فإن المجموعة الثانية ” للروح غناها ” تكشف عن نضج الموهبة. وظهور طاقات دلالية تتناسب ونضج الكاتب. وتقدم بطاقة إبداعية تأخذ مكانها بقوة لتمنح صاحبها شهادة ميلاد لمبدع على وعى خاص بإبداعه.

تتعدد الجوانب الفنية الدالة فى المجموعة بحيث يمكن للمتوقف عند بعضها أن يكتشف  بسهولة جوانب فنية لها قيمتها فى سياق النص الذى يمنحك الفرصة أن تقيم معه حوارا مثمرا.    

 طرائق القص

يحرص كتاب القصة  فى نصوصهم التى يضمها كتاب واحد على أن تتآلف إلى حد كبير مما يجعلها مجموعة من التوائم المتقاربة أحيانا،   تبدو للوهلة الأولى متبعة طريقة / طرائق محدودة فى إنتاج دلالتها. ولكن سيد الوكيل يعمد للتنويع فى مجالات القص عبر المجموعة الواحدة. وهى أولى علامات الحرص على إبقاء المتلقى على درجة اهتمامه إلى ما بعد نهاية القراءة التى ليس معناها نهاية التلقى بالطبع.

يحرص الوكيل على أولى قدرات الكاتب / القاص/ الحكاء. التشويق وبث آلياته عبر النصوص وهى سمة تعنى أول ما تعنيه حفاظ الكاتب روح الحكى التى تعد أهم سمات الحكى العربى. ويتبدى التشويق أولا عبر الجملة الاستهلالية الأولى التى تتنوع بين أنواع ثلاثة:

1-  جملة حوارية:

تقدم صوتا هو صوت الراوى أحيانا. أو صوت أحد محاوريه. ولا يتوقف دورها عند الكشف عن صوت / أصوات تتحاور. أو مجموعة من العلاقات الأولية التى يتأسس عليها بناء النص. ومجاله الدلالى. وإنما تشى بما يمكن تسميته بالفضاء النصى وقدرته على توفير فضاء  صالح للحوار ( [1]).

قصتان تستهلان بجملة حوارية: ” أثقل من روحى “:  ” ما كان عليك أن تغيرى طريقك. وتدخلى من شارع جانبى. وتعرضى نفسك  هكذا لغزل صفيق من سائق تاكسى يخرج رأسه من النافذة ويقول.. العب يا ملعب…. يعض شفتيه ويكسر عليك ناحية اليمين. هكذا اضطرارك لصعود الرصيف يجئ قسرا. فيما تكاد رجفتك تسقط طفلك الذى على صدرك  ” (  أثقل من روحى ) ( [2]). و” اندهاشة للشاعر الأعرج “: لابد ستبتسم بمجرد أن يقدم اقتراحا بأن يسمعك آخر نكتة.

ولابد ستحكم غرس المبسم فى فمك. وتشد اللى الذى بين فخذيك يتلوى. ويرتعد كلما أمعنت فى مصه حتى يفور مرجله بغير حر ” ( [3]).

كان يمكن للجملة الأولى أن تنتهى عند ( سائق تاكسى ) ولكنها امتدت لتصف الحدث. لا للإعلام به فحسب ولكن لتقديم العناصر الإنسانية المتحاورة / المتصارعة ووضعية كل منها: المتكلم عبر نبرة اللوم. والمخاطبة عبر صمتها. وتشوق المتلقى لمعرفة العلاقة بينهما. وإن خمن  بداية أنهما زوجان. السائق فى رمزيته لحالة مجتمع أخلاقية. ثم الطفل بوصفه يمثل علاقة بين الطرفين. وبوصفه يطرح نوعا من الزمن المغاير الذى يمدد لحظة السرد. ويفتحها على المستقبل.

 يضاف لذلك قدرة الجملة على أن تطرح حوارا بين الأمكنة: الداخل محتضن الحوار. والخارج محتضن الحدث. لقد امتدت الجملة لضرورة فنية نجح السارد فى توظيفها لتتحمل عبء تقديم النص ومجاله الدلالى.

وفى الجملة الثانية ينطرح  المخاطب نفسه فى الجملة الأولى. ولكن المخاطب الجديد يطرح توقع المتلقى – بداية – أن يكون مونولوجا داخليا. أو أن يكون ديالوجا يكشف عن قدرات السارد على بسط اللحظة الزمنية المستقبلية.

وتشترك الجملتان فى تقديم الزاوية التى يقف عندها السارد مراقبا،  ومشاركا، ومقدما الحدث النصى. لتتيح له أن يكون مؤثرا عبر هذه الزاوية فى إنتاج الدلالة. وتشكيل العالم القصصى الدال القادر على أن يعبر عن الحالة المبتغاة.

2- جملة وصفية:

وتنتظم قصتين ( للروح غناها – تداعيات تروح ). فى الأولى يقف السارد فى منطقة الماضى ناقلا المشهد ” هكذا باغته صوته بتلك الرنة الجميلة. وهو الذى لم يقل غير عادى الكلام …. عادى جدا… ” ( [4]). لقد كان السارد حاضرا هناك فى عمق المشد لذا أتيح له أن ينقل الصورة كاملة. وأن يترجم مشاعر الشخصيات. وقضاياها الحياتية. ومساحة بوحها ” المدارس تقتل أطفالنا يا ياسر – أنا فى الحقيقة أعرف كيف أغنى. لكنى لا أعرف ماذا أغنى ؟ ” ( [5]). وعند درجة البوح تتولد اللغة الشعرية بما تحمله من دلالات الأسى والشجن. ومن ثم لا يكون غريبا على القصة أن تجنح لغتها للشعر متدرجة للوصول لنصوص شعرية خالصة تمثل نوعا من التقاء حالتى بوح: بوح السارد الذى يستثمر الطاقة الدلالية  لضمير الخطاب الموجه للذات ليحدث نوعا من الانغلاق على الذات فى الحاضر والانفتاح عليها فى الماضى المناسب للبوح. وبوح الشاعر( [6]) فى تعبيره عن حالة ليست بعيدة عن السارد الحاضر فى النص.

3- جملة حدثية:

وفى ثمانى قصص  يضعنا السارد إزاء  الحدث مباشرة. عبر الفعل غير الوصفى. والجملة تأتى عبر صيغتين أساسيتين:

  • صيغة التوالى المنفصل: حيث تتوالى الأفعال فى الجملة الاستهلالية صانعة سلسلة من الأحداث الصغرى الكامنة فى الأفعال خالقة بدورها الحدث السردى الأكبر ” فتحت الباب. فاندفعت نسمة باردة. ولاحظت أن شعره وملابسه طالهما بلل خفيف. والقلق فى صوته  واضح وهو يسألها.. حصل إيه ؟. لم تجب. فاندفع إلى غرفة النوم. وتفادى فى طريقه حرف منضدة السفرة التى طالما اصطدم بها من قبل ” ( [7]). هنا يخلق التوالى إيقاعا سريعا للحدث ليس بإمكان الوصف. أو الحوار أن يخلقه. فالحوار يتطلب ضبط نبرة ما  لاكتشاف نبض الحدث. فى حين لا يساهم الوصف كثيرا فى إحداث  الإيقاع السريع فى بداية السرد. ومقابل ذلك تنجح  الأفعال فى تواليها معتمدة حركة الفعل،  ورد الفعل ( فتحت – اندفعت – يسألها – لم تجب – لاحظت – اندفع – تفادى ) فى رصد الحالة. ورسم المشهد بإحكام واضح.

–       صيغة التوالى المتصل: حيث تتوالى الأفعال متصلة ببعضها عبر أداة الشرط صانعة صيغة شرطية تأخذ المتلقى لعمق الجملة الاستهلالية ” لو أنه يمتلك هذه النظرة الواقعية للأمور لما وقف طويلا أمام هاتين العينين. أو لما خطا خطواته داخل المحل وارتاح قليلا لهواء المكيف البارد ” ( [8])، ويأتى هذا الاستهلال منفردا فى أعمال الكاتب كلها. لا يتكرر فى غير هذه القصة. باستثناء صيغة مشابهة تستهل بها قصة ” قصة ” فى المجموعة الأولى:” حين سقطت الذبابة التى حيرت صديقى القاص طويت الصفحة ” ( [9]).

ولأن السمات الاستهلالية ليست منعزلة أو منفصلة عن المتن فإنها تكون بمثابة المؤشر على النص أو الدال عليه عبر تجليها فى المتن. وقلة الوصف الاستهلالى يؤشر إلى غياب الوصف السردى وحلول الصفة بمعناها النحوى. وهى الأكثر مناسبة للقصة القصيرة ( [10]). فلا تجد كثيرا من أوصاف المكان مثلا. والسارد ليس معنيا بتقديم الأمكنة التى يدير فيها أحداثه.وإنما يقدمها أو تقدم نفسها عبر حركة الأشخاص. ولكنه يقدم مجموعة من الإشارات الدالة التى تجعل المتلقى يقف عند حدود المكان. فى قصة ” إيقاع شجى وحيد ” يستشعر المتلقى بداية أو بعد مرور الوقت أن الحدث يدور فى مستشفى. ولكنه أبدا لن يجد المستشفى موصوفا. أو مسمى. أو أن السارد استخدم اللفظة (مستشفى ) فى نصه رغم طول القصة.

وتعد عملية استخدام الصفة بهذه الوضعية سمة أسلوبية  للكاتب لا تتجلى فى المتن السردى. وإنما يمكنك أن تستكشفها بسهولة فى عناوين نصوصه. وخاصة فى المجموعة الثانية التى أخذت العناوين فيها تأخذ الصيغة الثنائية بعد تجاوزها للمفردة الواحدة التى ظهرت فى المجموعة الأولى ( [11]) فقد انفتح مجال الرؤية للسارد بما يمنحه القدرة على أن يصف العالم محافظا على حدثه المتدفق، وهو ما تحقق عبر الصيغة الثنائية: الصفة والموصوف: مجازات ضيقة – جراح رمضان الأخير – مهام ثقيلة –ضوء شاحب –إيقاع شجى وحيد – عرى بلورى – تداعيات.. تروح.

لقد تشكل وعيا للسارد يستشعره المتلقى. ويوظفه. كان من شأنه أن يرى العالم رؤية تسمح له أن يصفه. وللصفات بلاغتها. إذ تعبر عن رؤية الواصف للعالم. فما الصفة غير معنى نراه كامنا هناك فى الأشياء. أو نرى فى هذه الأشياء من المعانى ما يكون متحققا لدرجة يكون ضروريا أن يعبر عنها. وأن تستجلى عبر صفات يطلقها من يمتلك وعيا عميقا بها وبالعالم.

هنا تكون الصفات نوعا من تفسير العالم. أو إصدار الأحكام عليه. كما أنها تكون بمثابة إشارات يصدرها مطلقها لتنبيه وعى الآخرين عبر أحكام لها دلالتها. والصفة تلعب دور الشفرة المرسلة من مطلقها لهؤلاء الذين يجب عليهم تلقيها. وفك شفرتها أو على أقل تقدير البحث عن سببية اختيار صاحبها لها دون غيرها واصطفائها لأداء دورها الدلالى. عبر تحكم وعيين: وعى المرسل. ووعى المرسل إليه.   

 تجاوز الدرجة الصفر للدلالة

يظل الإنسان محايدا دلاليا. أو هو عند درجة الصفر الدلالى ( [12]) حتى يوظف فنيا. عبر صيغتى: الحضور أو الغياب. فى الحالة الأولى كان لحضور شخصية عم أحمد دورها الدلالى الذى لا يؤديه غيابها. وهى الشخصية التى تستعد للرحيل أو تستشعره. ولأن طبيعة القصة القصيرة تعمد إلى الإشارة للشخصية لا سردها أو تقديمها فى حالة الحدث الآنى الموصوف. فإن مساحات الغياب تتجاوز مساحات الحضور. ومن ثم تتسع مساحات الحالة الثانية ( الغياب ) الذى يتنوع بين  المؤقت. والدائم. الاضطرارى أو الاختيارى.

ويمثل غياب الإنسان عملية ذات طبيعة دلالية  خاصة يتحول الإنسان عندها إلى معنى. يغيب الجسم بماديته ويبقى المعنى وحده دالا على الغائب. وكاشفا عن معنى لم نكن نراه فى الحضور. و لا تكون درجة حضور المعنى قوية بدرجة كبرى فى حضور الذات كما هو الأمر فى غيابها. مما يمنح الشخصية قدرا أكبر من البلاغة ( [13]). وإذا أردت أن تعرف ما يعنيه لك صديقك فلتبحث عما تفتقده بغيابه. عندها ستعرف معناه.

لقد غاب فواز مطاوع  ومن ثم تحول إلى معنى متعدد المستويات التى نستكشفها عبر المواقع المحددة حسب الضمائر الثلاثة:

  • مستوى سيد الوكيل (هو): حيث السارد يحكى عن فواز مطاوع بوصفه رمزا للكثير من الأشياء والمعانى. ويقدم شخصيته فى غيابها الدال على أن قوة / قوى عملت عمدا أو إهمالا على تضييع كل ما يمثله فواز مطاوع من معان. إن فواز مطاوع الذى ظهر فى المجموعة الأولى عبر قصة  يتصدرها اسمه ( [14]) كان له أن يختفى بقوة الموت فى نهاية القصة. لقد شغل حضوره المادى مساحة ضئيلة من قصة واحدة. ولكن غيابه شغل مساحات واسعة فى المجموعة الثانية ( يتردد ظهوره فى قصص: جراح رمضان الأخيرة – مهام ثقيلة – ويلقى بظلاله على قصة: إيقاع شجى وحيد) مما يحوله لواحد من العناصر المتكررة ذات الحضور الأشد دلالة.
  • مستوى سيد الوكيل (أنا): حيث حضور فواز مطاوع مقترنا بسيد الوكيل. بوصفه الشخصية الفنية الحاضرة عبر الأنا النصية. فلا نكاد نرى حركة الأنا بعيدا عن ظلال فواز مطاوع بوصفه ملهما أو محركا للإبداع النصى. وكثيرا ما يطل وجه فواز مطاوع فى عبر هذه الأنا وهى تطالع الوجوه المختزلة فى وجه الغائب:” يتصادف أن ياتقى الواحد بوجه يعرفه. هذا يحتاج تحديقا فى الوجوه المتشابهة. وجه ” فواز” وحده يغمرنى الآن ” ( [15]). خالقا لحظة من الأسى. أو حاضرا فى لحظة أسى ممتدة.
  • مستوى المتلقى (نحن): حيث يكون تلقى الشخصية الفنية ذات المرجعية الواقعية قادرا على تعديد مستويات الدلالة النصية:
  • البطل على مستوى الواقع. ففواز مطاوع واحد من الذين قدموا أرواحهم حفاظا على كرامة بلدهم. مما يكشف عن نجاح الكاتب فى التقاط الشخصية ومنحها أبعادها الفنية الدالة .
  • الشخصية الفاعلة فنيا: يشترك فواز مطاوع مع هدى كمال فى خلق شخصية عابرة للنصوص ( [16]). شخصية تحتفظ باسمها وملامحها عبر النصوص. ومعظم شخصيات الكاتب لا تحمل اسما ( [17]). إذ يكون تغييب الاسم لصالح إظهار هدى كمال وفواز مطاوع بوصفهما وجهين يمثلان عوالم إنسانية. يمثل فواز التاريخ الظاهر الذكورى. أو الكاشف عن قضايا المجتمع الكبرى، لذا يكون حلوله فى المشاهد الطارحة للموت والقهر والوجود. وتضعنا نهاية فواز مطاوع أمام واحدة من أهم القضايا التى واجهها المجتمع المصرى. نهاية الرجل الذى كان سببا من أسباب استرداد الكرامة فى حرب أكتوبر، وتحمل مرارة الأسر لينتهى بطلا مهمشا منعزلا فى الصعيد :” لم أعد أسمع عنه حتى أمس. قرأت اسمه فى نفس الجريدة التى نشرت قائمة الصليب الأحمر. وتأملت الصورة.. هو هو… لولا اللحية والشعر الهائش. والدماء التى نقرشت وجهه وصدر جلبابه الأبيض…. وفى الصورة كان أحد جنود الشرطة المسلحين واقفا بجوار الجثة. ومع  أن عينيه كانتا مفتوحتين على آخرهما. لكنهما كانتا خاليتين من هذا البريق الذى كنا نراه كلما رجع يطوح عصاه بعد مطاردة لكلب تسلل من تحت الأسلاك ” ( [18]) .                  يغتال فواز مطاوع إرهابيا على يد من كانوا منعمين حين كان أسيرا، ليثير اغتياله أسئلة تؤرق الباحثين عن إجابات. فإذا لم يكن فواز مطاوع إرهابيا بطبعه، فمن الذى غرس فيه بذور الإرهاب ؟، وهل كان جزاؤه العدل أن يموت هكذا ؟. و لماذا يدفع الأبطال فاتورة الحساب من أرواحهم  ؟.       إن أسبابا كامنة حولته لهذه الصورة. صورة الإرهابى كما ارتسمت فى أذهان الرأى العالم ( لحية + جلباب أبيض ). ولكن هل كان وراء هذا التحول إرادته هو أم إرادة من أرادوا له أن يموت ليخلو لهم مساحة يكونون فيها  أبطالا مزيفين بعد غياب الأبطال الحقيقيين بالموت أو بالتهميش. يموت فواز المطارد للكلاب المتسللة (!!) وقد وجدت فرصتها بعد تهميشه لتدخل من أوسع الأبواب. عاش فواز بطلا مصريا خفيف الدم ولكنه مات لأنه وجد فى غير زمنه. وبظهوره فى قصة ” جراح رمضان الأخير” من المجموعة الثانية ( بفارق خمس سنوات بينهما )  يلعب دورا فنيا جديدا يتكئ على العنصر الزمنى فى عنوان النص. مانحا الفرصة لتعدد التأويلات:
  • أن يكون رمضان الأخير دلاليا ( قرين حرب أكتوبر). ليبقى جرحا خاصا بأبطاله حيث تتحول البطولة إلى جرح لا يشعر به غير هؤلاء الذين تركت الحرب بصماتها على أرواحهم وأجسامهم. يفاخرون بها وحدهم دون غيرهم “كان يفاخر بأنه الوحيد بيننا الذى يحمل ذكريات الحرب بالقرب من قلبه ؟ ويعرف أن هذه الشظايا تتحرك بإصرار ناحية القلب. ولا تمل بعد كل هذه السنين أن تسعى لقتله ” ([19] ) . عندها يكون توديع رمضان توديعا لزمن البطولات بوصفه رمزا للزمن الجميل.
  • أن يكون رمضان الأخير زمنيا. بعد مرور الزمن الفارق بين زمن الحرب. وزمن الحدث فى القصة عندها يكون ظهور فواز مطاوع رمزا يحل فى غيره من الشخصيات. ليكون التكرار تكرارا للنموذج وليس تكرار للشخصية، وتكون استعادته بوصفه رمزا إشارة دالة لافتقاد اللحظة له تلك اللحظة التى خلت من رموز البطولة. مما يجعل الحاجة ماسة له ولغيره من رموز البطولة. كما يكون للمساحة الزمنية دورها فى فتح زاوية النظر لهؤلاء وما آل إليه حالهم. فى مكانهم المعتاد. الظاهر للعيان على المقهى يجترون آلامهم ” بمجرد أن عبرت الشارع رأيتهم يجلسون فى مكانهم المعتاد” ( [20]) يشغلهم الغد:” ولابد زاد من اضطرابهم قلقهم بشأن الغد ” ( [21]). لقد تحمل فواز مطاوع عبء الكشف عن القضايا الكبرى. وإثارة أسئلة من شأنها أن تثرى النص بالكثير من الدلالات.

من ناحية أخرى تمثل هدى كمال التاريخ الخفى. الأنثوى. الوجه الآخر للسارد بضمير المتكلم. الذى يتحرك لموقعنا نحن المتلقين لنرى هدى كمال وجها أنثويا يلعب أدواره فى سياق النصوص. مرة يكون قادرا على أن يطلعنا على الوجه الآخر للسارد. وعلاقاته مع الجنس الآخر. ونحن عبر العلاقة بهدى كمال قادرون على أن نستبطن السارد. لقد كان ظهورها صريحا فى المجموعة الأولى عبر قصة تحمل اسمها. وفى المجموعة الثانية ظهرت عبر ظلالها المتجسدة فى شخصيات نسائية كما فى ”  أثقل من روحى على”. و تنتقل إلى الرواية محافظة على نصها. حيث توضع قصة هدى كمال هامشا فى نهاية الرواية منتجة دلالة التقديم والتأخير. فقد كان لهدى كمال-  قرينة مرحلة معروفة من مراحل عمر/ وعى السارد – أن تترك المجال لتقدم قضايا أخرى تفرضها المرحلة. فإذا كانت هدى كمال تعنى الحب بمعناه الدارج فإن الظروف الراهنة. والقضايا المطروحة لا تعطى الفرصة لطرح الحب بوصفه صيغة لعلاقة أسمى بين الأفراد. وإذا كانت هدى كمال تعنى الإنسان فى صيغته الأسمى. فإن على هذه الصيغة أن تتوارى مهمشة. فقد عمل المجتمع على تهميش أبطاله والشخصيات الفاعلة فيه جاعلها هناك فى الخلفية. ناقلا إياها من الصدارة. وليس أدل على ذلك من الصورة الراهنة التى آل إليها حال فواز مطاوع ورفاقه (راجع قصة: جراح رمضان الأخير ). أما إذا كانت هدى كمال تعنى الصورة السوية. الصحيحة للعلاقة بين الرجل والمرأة. أو بين كائنين بشريين فإن اللحظة الراهنة – بفعل المتغيرات غير  المبررة – تفرغ هذه العلاقات من مضمونها لتنزاح العلاقات الروحية بحلول كل ما هو مادى.

مهام ثقيلة

ليس الإعجاب الخاص أو العلاقة الحميمة التى  تربطنى بقصة مهام ثقيلة هى العوامل الدافعة لاختيارها.  فالقصة يتوافر  فيها من الإمكانات الفنية ما يتيح لها أن تكون اختزالا دالا على عالم سيد الوكيل. كما يمكنها أن تضع فى يد المتلقى مجموعة من المفاتيح التى يمكن الاعتماد عليها فى سبر أغوار عالم الكاتب.

وأما  العناصر التى تجعل من القصة تقوم بدورها /أدوارها الفنية فتتلخص  فى: 

·      العنوان: بصيغته الوصفية يأتى العنوان مشيرا إلى السمة الأسلوبية الواضحة معالمها فى ” للروح غناها ” ومؤكدا عليها. حيث يستثمر السارد الطاقة الدلالية فى لفظتى العنوان النكرتين ( مهام ثقيلة ) لطرح التشويق الدافع للمتلقى أن يبادر بالدخول للنص بحثا عما يزيل إبهام الصفة والموصوف وعموميتهما. ويصل التشويق ذروته عند الوصول للصفة (ثقيلة ) ذلك التشويق المتجلى فى أسئلة عن سببية وصف المهام بهذه الصفة التى تختلف باختلاف نوعها: مهام بشرية. أو قدرية. إنسانية. أو ذاتية .  وعبر المعنى تتسع مساحة الدلالة لتطرح صراعا إنسانيا بين المهام الثقيلة ومن يؤديها. وصراعا بشريا بين الآمر ( ملقى المهام  ). والمأمور ( الملقاة عليه المهام ). وتتصاعد الأسئلة حتى تمس الوجود نفسه عبر أسئلة تتجه للوجود الإنسانى بشكل حاد.

  • المكان والإنسان والأصوات: تتأكد فى القصة آلية ظهور ملامح المكان عبر حركة الشخصيات.  تدور أحداث القصة فى مكان عبور. مكان برزخى. متحرك. ثابت فى آن. محطة. وقطار. محطة تضم كل أصناف البشر ولكن يقسمها السارد إلى صنفين أساسيين: عسكريين. ومدنيين. تتحرك الفئة الأولى حركة طولية.منتظمة أو تحاول أن تكون هكذا. منفتحة بامتداد حركة القطار. والفئة الثانية تبدو بلا ملامح تتحرك فى مساحة ضيقة ( بطول القطار )، حركتهم شبه قدرية محكومة بالرصيف بوصفه صراطا ليس مسموحا تجاوزه.أو هم أشخاص سيزيفيون.  على مستوى الفرد ” يقطع الرصيف مرات لا  نهائية بطول القطار: جلدة للكارنيه…. رباط بيادة… أمواس حلاقة.” ( [22]). أو على مستوى الجماعة ” كثيرون يتحركون بطول الرصيف ” ( [23])  تحركهم النوازع المادية ( البائع الذى يتحرك بحثا عمن يبتاع أشياءه البسيطة ). أو تحركهم  النوازع غير المبررة ” يدورون بلا سبب حول سرية المستجدين ” ( [24]). يشترك الجميع فى الحركة المنسحقة: المدنيون  تحت وطأة البحث عن فرصة للحياة. والجنود تحت وطأة البحث عن فرصة للبقاء ” كان البعض لا يزال يتلكأ كمحاولة أخيرة للبقاء ” ( [25]) فالجنود أبناء المجتمع الذى يأكل أبطاله ومحرريه – حسب قانون نهاية فواز مطاوع وأصحابه – يستشعرون لا جدوى الحركة. ماذا سينالهم أفضل مما نال سابقيهم. ورغم انفتاح حركة الانفتاح المكانى التابعة لحركة القطار فإنها حركة لا تقدم جديدا بل تزيد من كابوسية الإحساس. ليبقى العالم قائما فحسب دون فاعلية غير فاعليته على مستوى النص فقط. فالقطار بوصفه الشكل الوحيد الرامز لمحاولة الخروج عن المألوف والذى كان من شأنه أن يخرج الأمور عن نطاقها اليائس. والذى وظفه السارد للإشارة للتمرد والانتفاض تخلصا من حالة الموات ” ينتفض القطار فجأة. مثل كائن خرافى يخرج عن سبات السنين ” ( [26]) رغم ذلك فالقطار نفسه ” الذى بدأ يتحرك فى اتجاه القضبان التى تلمع وتضيق فى أفق رمادى مطبق. يبدو قائما هناك. بلا فرح أو ضجر. قائما فحسب ” ( [27]). وهو تعبير قوى عن حالة الموات المرسومة بعناية. كما أنه تعبير عن شعور الأشخاص بأنهم يعيشون. يعيشون وحسب دون فاعلية تذكر. فقط يعيشون فى سديم من الأفق الرمادى الغائم الذى يوظفه السارد فى سياق المكان. حيث لون الظلام هو المسيطر. وقد أحسن السارد اللعب على عنصر الظلام. إذ بإبرازه قد منح الفرصة لظهور الأصوات الثلاثة الموظفة فى القصة ( البائع – الصول – القطار ) يمثل الصوت البائع الرمزللبحث عن حياة مادية يسد احتياجها بربح قليل يتطلب منه حركة محكومة بالقطار طولا. وبوجود القطار أو عدم وجوده. ويصبح الاثنان قرينى لحظة الوجود على الرصيف / المعبر للحياة الأخرى. حياة البائع هنا. وحياة القطار هناك عبر من يستقلونه إلى الصحراء. صوت البائع يحيل للباقين فى المدينة. القابعين فيها ولا يرفعون أصواتهم إلا بصورة محايدة لا تعبر عن رأى. فليس ثمة رأى فى كلمات قليلة يكررها البائع العجوز بشكل محايد  ” نداءات واهنة لبائع عجوز. جلدة كارنيه.. رباط بيادة.. أمواس حلاقة. يكررها هكذا ” ( [28]). فى مقابل هذا الصوت يأتى صوت هتاف جماعى غامض تعبيرا عن أصوات تحاول أن يكون لها صداها ولكنها غامضة يتبين منها صوت المساعد الآمر ” قال بتوع الشلوفة يركبوا العربية الأولى. والسويس اللى وراها ” ( [29]). والصوت يمثل الأمر العسكرى واجب التنفيذ. المحاول لبث نظام  روتينى ساذج فالقطار واحد مهما تعددت عرباته. وليس من معنى للفصل بين الذاهبين للشلوفة أو السويس. كما يمكن تنظيم هذه العملية داخل القطار. وتأكيدا للا معنى الصوت يصفه السارد بالغموض. ويصعد صوت المساعد درجة نحو الخروج عن الحياد. حتى نصل إلى الصوت الثالث غير المحايد. لأنه ببساطة يؤدى بنا للصوت المسيطر. المعبر عن كل المسحوقين. صوت يصدر عن القطار. تلك الآلة الجامدة.  إنه يشبه صوت الآلة الموسيقية فى تعبيرها عن النفس الإنسانية. والسارد يصفه بصرخات الحديد ” صرخات الحديد مجرحة مسحولة ” ( [30]). الصرخات هنا تحيلنا للحديد (القضبان ) المنسحقة تحت وطأة القطار. تماما كهؤلاء البشر المنسحقين مما يرفع صوت الحديد ليكون تعبيرا عنهم. كما أنه صوت الحديد ( القضبان وعجلات القطار ) فى تعبيره عن محاولة الخروج من حالة العناق التى كانتا فيها حال وقوف القطار.                                              
  • الغياب والحضور: عملا بآلية الغياب والحضور المشار إليها سابقا. تغيب هدى كمال. ويحضر فواز مطاوع. تغيب هدى كمال لأن المعانى والدلالات التى تمثلها لا مجال لها هنا. ومن ثم يكون تغييبها تغييبا لما تمثله من معان. ويكون فى حضور أو استحضار فواز مطاوع حلولا له بوصفه رمزا لعالم يعانى من التفكك ويقدم أبناءه وقودا مجانيا للحصول على مكاسب ليست خاصة  بهؤلاء الذين يدفعون الثمن من أرواحهم. يحضر فواز مطاوع لأن تقنية الفقد تلعب دورا له قيمته فى سياق القصة. السارد يفتقد فواز مطاوع فيستحضره متكئا عليه فى لحظة الإحساس بالانسحاق ” وجه فواز وحده يغمرنى الآن. حضور كثيف موحش داخلى. وحركة الأحذية الثقيلة تسحقنى ” ( [31] ) يتكئ السارد على لحظة الأسى التى يمثلها فواز معلنا افتقاده لكل المعانى التى يحملها فواز. ولأنه يرى فى الجنود المستجدين صورا من رفاق السلاح وعلى رأسهم فواز مطاوع. والبائع يبيع بضاعة يحتاجها الجنود. يفتقدونها أو يعرفون أنهم سوف يفتقدونها،  لذا تلقى رواجا لديهم.

إن كثيرا من التداخلات مع القصة  تمكن المتلقى  أن يسبر أغوار الكثير من آلياتها. وتبقى القصة شاهدة بشكل حقيقى على مبدع جاد يعرف فنه ويبادله الحب فجدير به أن يكون مبدعا حقيقيا فى زمن كثرت فيه الادعاءات.

………..

هوامش:

[1] – يمثل الحوار فى المجموعة شكلا من أشكال بناء الدلالة القصصية عند الكاتب يحتاج لدراسة منفصلة تستكشف جوانبه وطرائقه الفنية الدالة .

[2] – سيد الوكيل: للروح غناها. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1997، ص 15.

[3] – للروح غناها ص 73.

[4] – للروح غناها ص 7.

[5] – للروح غناها  ص 10-11.

[6] – يدرج السارد مقطعا من قصيدة الشاعر ياسر شعبان ( ممكن أبكى ) مستثمرا دلالتها فى سياق النص.

[7] – للروح غناها  ص 21.

[8] – للروح غناها ص 43.

[9] – سيد الوكيل: أيام هند. نصوص 90، القاهرة 1991 ص 110.

[10] – نعنى بالصفة التابع النحوى. حيث يقصر السارد أوصافه على هذه التوابع حين يمنحها للأشخاص والأشياء والأمكنة.ولا يترتب عليها تعطيل تدفق السرد أو إيقاف تقدمه. ونعنى بالوصف المساحة الوصفية التى توقف تقدم السرد بإيقاف الزمن.

[11] – فى ” أيام هند ” اعتمد الكاتب صيغة العنوان المفرد: حنجل – منسى – دانيال –ترزاكى – زينهم – ولد – اجتياز – احتفال – كارتون – خرير – البركة – انتظار – امرأتان – حر – الشاروقة – قصة ) ستة عشر عنوانا مفردا من أصل سبعة وعشرين، وهو ما يعنى تفوقا دلاليا لهذه الصيغة. يكون من غير المنطقى تجاوز هذا التفوق فى سياق انتاج الدلالة النصية.

[12] – نعنى بالدرجة الصفر للدلالة بقاء الشخصية بعيدا عن النظر أو التوظيف الذى يكسبها معناها. لتكون بمثابة اللفظة التى تكتسب دلالتها من استعمالها. ويكاد لا يكون لها دلالة تذكر إذا ما بقيت بعيدا عن  سياق يستخرج كوامنها الدلالية.

[13] – نستند هنا على واحد من معطيات البلاغة. يعنى أنها قدرة على الاختيار. وأن  بلاغة اللفظ تكمن فى  وظيفته. كما أن تساوى غياب اللفظ وحضوره يعنى افتقاده لوظيفته ومن ثم دلالته. لذا يكون غياب الذات مؤذنا بحضور المعنى، ويمكن للذات أن تكتسب معناها فى الغياب أكثر منه فى  الحضور.

[14] – انظر: أيام هند. ص 13.

[15] – للروح غناها ص 40.

[16] – يتكرر ظهور هدى كمال فى مجموعتى الكاتب. وروايته. تكرارا ليس مجانيا تنبنى عليه الكثير من الدلالات .

[17] – باستثناء مجموعة الأشخاص فى قصة ” جراح رمضان الأخير ” ( عيسوى –أحمد طه – عبد اللطيف – أحمد شكرى )، وهى شخصيات تقترب كثيرا من  فواز مطاوع  لتشاركه مساحة الواقعية التى تمنحها له النصوص. فهى شخصيات لا يقدمها الكاتب بوصفها الشخصيات  السردية المجهولة. وإنما يكون ذكر أسمائها وسيلة للتعريف بها. فلا يقدم لها أدنى قدر من الصفات التى تزيل عنها جهل المتلقى بها.

[18] – أيام هند. ص 15.

[19]  – للروح غناها ص 30.

[20] – للروح غناها ص 28.

[21] – السابق نفسه.

[22] – للروح غناها ص 39.

[23] –  للروح غناها ص 40.

[24] –  السابق نفسه.  

[25] –  للروح غناها ص 41.

[26] –  للروح غناها ص 40.

[27] –  للروح غناها ص 41.

[28] – للروح غناها ص 39. والبيادة: حذاء الجندى.  

[29] – للروح غناها ص 40.

[30] –  السابق نفسه.

[31] – السابق نفسه.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:196. Generation time:3.000 sec. Memory consumption:44.18 mb