سيدي سالم

محمد فرحات
لم يكن غير أعرابي يهيم بأغنامه متتبعا مواطن الكلأ، ومظان الري، يديم النظر نهارا لسماء شحيحة الغيم، تكبح حينا لظى شمس حارقة، تحمل حينا بشريات قطر نَدِي، وحينا تعد ولا تَفِي، وليلا مهتديا بدروب نجومها ملتمسا دروب الصحارى التوأمية، وحيدا ما من صديق ولا رفيق، غير ناقته تكفيه مؤنة السير الطويل، وتهبه من لبنها موفرة له حاجته من الغذاء الشحيح ، أدمن الحديث معها، يبثها مخاوفه، يشكو لها وحشته، وكان سالم الأعرابي مختلفا عن كل رعاة الصحراء الشرقية، وساحل البحر الأحمر، كثير الصمت، والتأمل، والنظر للسماء، لو عاش في عصور الشعر الجاهلي لكان حتما من فرسانه، وأصحاب معلقاته، كانت خيمته من خيش، وصوف غنم، وسط الصحراء على حافة مدق صحراوي يسلكه قاصدوا مقام أبي الحسن الشاذلي، أو حجاج بيت الله الحرام قاصدوا ميناء عيذاب، وكانت خيمة سالم الأعرابي ملاذا لأولئك كلهم، ينزلون عليه في رحلتهم السنوية، يقصدون الاستجمام من طول سفرهم بتلك الفيافي الشاسعة. يستقبلهم سالم، ويقدم لهم من لبن ناقته، أو لحم أغنامه، لم يكن يعلم عن قطب الأقطاب، وكهف ملجأ الطلاب الشاذلي شيئا، غير قليل من حديث يتسامر به هذا، أو ذلك من قاصديه، هل ورد في خاطر سالم الأعرابي أن يكون مقصدا للشاذلي أبي الحسن ذاته؟! يوقظه من الحين للآخر، ” قم يا سالم أغث فلانا قد تاه في البقعة الفلانية !!” يمتطي ناقته للمكان المعين، فيجد من أوشك على الهلكة ظمأ وروعا التقمته الصحراء بفكها المهلك، غرر به أو بهم غولة التيه الشقية، في المرة الأولى حين زاره الشاذلي أنكر، فألح عليه كلما أغمض جفنا، حتى انصاع فوجد ثلاثة على شفير الهلاك، فآمن سالم الأعرابي بكرامته، و كانت عادته بعد ذلك الهيام في أرجاء المتاهات ليلا، سواء زاره أبو الحسن، أو لم يزره، كم أنقذ، وكم أغاث سيدي سالم صاحب المقام، والقبة التي شيدها سيدي السيد البدوي على قبره، هكذا استيقظ من استيقظ، فوجد المقام، والقبة، وشاهدا ،كتب في أسفله شيد بأمر السيد القطب البدوي الأحمدي.
سيدي سالم بوابة سيدي أبي الحسن الشاذلي يفصل بين المريد، والشيخ المرشد مائة ونيف من الكيلو مترات، فصار مهبطا للزائرين بعد انتقاله، كما كان في حياته.

وها قد حل خمستهم أرخوا جد سيرهم عند مقام سيدي سالم ، ليناموا قليلا بهدءة الليل بعد تناولهم لقيمات،وجرعات، لينفخ غول التيه في مئات الأطنان من الرمل الناعم يدفن بها كل أثر للمدق المحفوظ، يذعرهم بصوته الرهيب، يسوقهم بسوطه بعيدا، ليتعثروا بفك الصحراء الفاغر، ثلاثة أيام و ليالي يدورون حول أنفسهم، وقد نفد زادهم في اليوم الأول، تلهبهم الشمس، وتجففهم رياح ليل الصحراء الصر، كانوا يقصدون رحاب أبي الحسن، فاستقبلهم الله في رحابه، وأغاثتهم الملائكة بكؤوس اللبن، والخمر، والماء، وكأن ما مسهم يوما نصب، و لامسهم ساعة خوف، يجودون بأرواحهم ، ليست المرة الأولى التي يهلك بها بعض قاصدي زيارة الشاذلي تيها في الصحراء الشاسعة، ولكن المرة بخلاف كل مرة فقد كان الخمسة من علية القوم، تكتشف طائرة الهليكوبتر مكانهم.
وتطير الأخبار للزكية ومرافقيها بحميثرا، تبكي، وتصر على ضعفها، وشيخوختها الذهاب لموقعهم بعمق الصحراء، تصلي عليهم بعد أن يقوم مرافقوها بإعدادهم لمثواهم الأخير، يأنس ذويهم لها، تظلهم ببركتها، وترجوهم السماح بدفنهم في تلك البقعة التي قضوا بها، ففي ذلك شفاعة لهم و نور، فيوافقون، ويبني عليهم مقام تطلق عليه الزكية مقام الشهداء الخمسة.

يتفقد محافظ البحر الأحمر اللواء ممدوح العفيفي المنطقة، و المدق، ومكان فقدهم، ويخبر من مساعدية أنه لا مكان مأهول في تلك البقعة غير خدمة الزكية بجوار مقام سيدي أبي الحسن الشاذلي، ينزل في ضيافتها، فتكرم وفادته ومرافقيه، وتشكو له عدم اهتمام المحافظة بتلك البقعة على أهميتها و تطلب منه طلبا واحدا، وهو تعبيد، وتسفيل المدق الصحراوي بين سيدي سالم وسيدي أبي الحسن، فكل حوادث التيه لا تحدث إلا في تلك البقعة شديدة التغير بفعل العوامل الجوية من عواصف وسيول، ولن تكون الحادثة الأخيرة طالما بقت الأمور على حالها، يتفهم المحافظ، ولكنه يعتذر لعدم وجود ميزانية معتمدة لذلك، إعداد طريق مثل هذا يحتاج حوالي خمسة ملايين جنيه، وهو مبلغ لن يتوفر الآن، ولاحتى في الميزانيات القادمة لمثل هذا الغرض، تغيب الزكية في دعاء صامت ضارعة بكفيها للسماء، ثم تلوح ابتسامة عذبة على وجهها، وتنادي على العمدة العشماوي …
-يا عمدة هات، يا ولدي الْبُك بتاعي من عندك …
-حاضر يا أمي…
يسرع العمدة بحافظة الزكية وسط دهشة المحافظ، ومن معه، تخرج الزكية ورقة مالية فئة الخمسة قروش، وتعطيها المحافظ …
-أدي الاعتماد يا سيدي ، هم بقه !!
يعجب المحافظ من هذا الصنف الغريب من البشر، ويضع الخمسة قروش في جيبه، ويستأذن منصرفا، مغاضبا لظنه استخفافها به.
-باين عليه زعل يا أمي…
-معلش يا ولدي هو بس مش عارف…
وتنصرف الزكية لتسبيحها، وينصرف العمدة لخدمته …

يستأذن في اليوم التالي رئيس مجلس إدارة إحدى شركات التنقيب عن النفط والغاز، طالبا من المحافظ إصدار امتياز تنقيب عن اكتشافات بترولية وغازية مرتقبة في صحراء مصر الشرقية لشركته، يطلب المحافظ تبرعا للمحافظة بقيمة خمسة ملايين جنيه وذلك لتسفيل الطريق من سيدي سالم لسيدي أبي الحسن …
يخرج رئيس مجلس الإدارة دفتر شيكات و يحرر شيكا بقيمة المبلغ المطلوب، يخرج المحافظ منديلا من جيبه، فتخرج عملة الزكية ذات القروش الخمسة في يده .

……………….

” من رواية سيرة الزكية والعمدة