موقع الكتابة الثقافي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

تسعة وعشرون عاما فقط عاشها الروائي والشاعر والصحفي الأمريكي "ستيفن كرين"، بين عامي 1871 و1900. كان ميلاده في نيووارك بولاية نيوجيرسي، وكان الأصغر بين أربعة عشر من الأخوة. ورث حب الكتابة عن أبويه اللذين كانا يكتبان في مواضيع ذات صبغة دينية، وورثها مثله أخوان سبقاه إلى العمل في الصحافة ويسّرا له دخول بلاطها حينما دعاه الداعي.

بدأ ستيفن كرين دراسته الثانوية سنة 1888 في مدرسة عسكرية، وفي الوقت نفسه كان يكتب بالقطعة للمؤسسة الصحفية التي يعمل فيها أحد أخويه الصحفيين. لم يكمل دراسته الجامعية مؤثرا التعلم من الحياة مباشرة، والعمل الصحفي. أما كتاباته الإبداعية فاستهلها بنشر رواية باسم مستعار، بعدما رفضها كثير من الناشرين خشية أن يصدموا القراء بتصوير الرواية لحياة المشردين في الشوارع، فقد كان كرين أحد كتّاب الواقعية الأمريكية المبكرين، وأحد رواد الاتجاه الطبيعي هناك.

عاش كرين حياة بوهيمية وسط فناني نيويورك، وتوالت قصصه وقصائده في الانتشار. وتعد قصائده مقدمة لمدرسة شعرية عرفت لاحقا بالتصويرية. ولعل أكثر ما يربط كرين بهذه المدرسة هو الكثافة الشديدة التي تميز كتاباته الشعرية.

كتب كرين في قالب الشعر الحر، غير ملتزم بالقوافي أو التفعيلات، فكان طبيعيا في وقت مبكر كالذي عاش وكتب فيه ألا تلقى قصائده رواجا بين القراء. وهو على كل حال كان يسمي قصائده بـ “الأبيات” أو بـ “السطور”، ويعتبرها مجرد سبيل إلى بلورة أفكاره، وتأبيدها كأفكار.

***

في يوم من الأيام جاء رجل

في يوم من الأيام جاء رجلٌ

فقال     

“نظِّموا لي كلَّ أهل الأرض صفوفا”

فثار على الفور

صخبٌ هائلٌ بين الناس

رافضين الوقوف في صفوف.

وإذا بعراك يحتدم

في شتَّى أرجاء العالم

ويستمر عصورا

تراق فيها الدماء

يريقها الذين ما كانوا ليقفوا صفوفا

والذين أذعنوا للصفوف.

وأخيرا،

قضى الرجل نحبه

وهو يبكي.

والذين بقوا في صراعهم الدموي

لم يعرفوا عظمة البساطة.

***

وضاعت الفرصة، ولن نعرف لماذا أراد ذلك الرجل الغامض أن ينظِّمنا أو ينظِّم أسلافنا صفوفا. لن تبقى لنا إلا إشارة يتيمة إلى “البساطة” وعظمة البساطة. ويا لها من إشارة لا تسمن ولا تغني من جوع.

لا نقول إن من استكبروا على الإذعان للأمر أخطأوا وحرمونا الفرصة، ولا أن الذين أذعنوا له هم الذين أصابوا. ولكن، كان ينبغي لأسلافنا أن يعمدوا إلى الحيلة، أن يكونوا على قدر من المرونة يسمح لهم أن يخدعوا الرجل فيعرفوا ونعرف من بعدهم لماذا أراد الرجل الغامض أن يرتبنا هذا الترتيب الحربي؟

ربما كان نبيا ذلك الرجل، فالأنبياء في نهاية المطاف لا يجيئون لتسليم رسالة يخلدون بعد تسليمها إلى الراحة أو حتى إلى العبادة أو إلى أي شأن شخصي. إنما الرسالة نفسها كانت كل مرة تفرض على حاملها عناء بطول حياته. حتى نبي الله سليمان الذي قد يبدو أنه كان أقل الرسل والأنبياء معاناة كان له نصيبه من المكابدة، كان عليه أن يدير شئون مملكة وهو برغم الوجاهة ومتعة السلطة يبقى عبئا يضاف إلى عبء النبوة.

الأنبياء جميعا أرادوا من الناس أن يقفوا في صفوف من نوع ما. كلهم جاءوا بترتيب يقترحونه على الناس بدلا من فوضاهم. والفلاسفة كذلك، والمصلحون الاجتماعيون، والطغاة بالمناسبة، والآباء المؤسسون مهما اختلفت تسمياتهم ومهما تنوع ما يؤسسون. كلهم أرادوا أن يوقفوا الناس صفوفا. ولكنهم كل مرة كانوا يتكلمون عن الغاية من الوقوف. كانوا يضعون في نهاية الصف والصفوف كلِّها جنةً خفية، خفية في السماء، أو خفية في الأرض، ولكنها دائما خفيةٌ خفاء وعد.

كل الذين دعونا إلى الوقوف صفوفا، كانوا يخاطبون فينا القدرة على الإيمان بهذا الخفاء المنتظر، بهذا الغيب البعيد، أو لنقل إنهم كانوا يخاطبون فينا الخيال.

وطبعا، كان كل واحد من أولئك الرجال يجد من يمتثلون لدعواه، فينتظمون في صفوف، ويجد من يرفضون، وقلَّما كان أحدهم يموت باكيا بحسب زعم القصيدة، فكلهم كانوا يعرفون ضرورة القابلين وضرورة الرافضين، كلهم كانوا يعرفون أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع، وأنه على رأي أمير الشعراء أحمد شوقي: لو شاء ربك وحَّد الأقواما.

والبساطة؟ ماذا عن البساطة التي لم يعرفها لا الذين انتظموا في الصفوف ولا الذين رفضوا الانتظام؟ ولماذا هي عظيمة؟ يبدو لي أن ثمة خللا ما في الصفة التي اختارها كرين للبساطة. يبدو لي أن آخر ما تستحقه من صفات هي العظمة. فـ”العظمة” في تصوري لا ترتبط بتقرير الفرد مصيره بناء على اقتراح من غيره يقبله أو يرفضه. العظمة فيما أتصور هي التي تنبني على الاحتقار التام لكل اقتراح يأتي من الخارج، وهكذا، يمكننا تحريف قصيدة لنا من هذه القصيدة:

في يوم من الأيام جاء رجلٌ

فقال     

“نظِّموا لي كلَّ أهل الأرض صفوفا”

فلم يبال به أحد.