موقع الكتابة الثقافي uncategorized 24

 خالد البقالي القاسمي

يصر المبدع الكبير ” يوسف زيدان ” على توظيف التاريخ لبناء المتون الروائية ذات البعد الراقي العميق، حيث التاريخ لديه عبارة عن سياق متعدد الوجوه، متنوع الحيثيات، متموج الأبعاد، على المستثمر لعطاءاته أن يكون في مستوى العبور إلى مطيته وهو مسلح بوعي ذي رهافة بالغة، وبتفكير ذي فطانة لافتة، لأن صناعة التخييل من داخل التاريخ تحتاج إلى حيطة وحذر كبيرين لكي لا يحيد الروائي عن توجهه الإبداعي، وينصب نفسه مؤرخا يحكم على الأحداث والأفراد بمنطق الهيمنة والتعالي. ويحافظ الكاتب يوسف زيدان بدقة على الأحداث والحقائق التاريخية، وينفذ ببراعة إلى فجوات والبياضات لكي يستثمرها تخييلا إبداعيا رائعا مسندا للنص الأصلي، ومنتجا نصوصا روائية جيدة.      

          يبدو أن المبدع آثر تقسيم  البنية المعمارية لروايته إلى ثلاثة أقسام، حياة مارية مع أهلها والناس في الكفر وقد استغرقت هذه المرحلة مائة وثلاثا وأربعين صفحة، مغادرة مارية للكفر ورحلتها في الطريق مع زوجها سلامة نحو الصحراء، حياة مارية في الصحراء. ويعد هذا التقسيم حسب ما يتفاعل داخل الرواية من أحداث منسجما مع السياق التاريخي العام الذي اعتمده الروائي في كتابته، ولذلك فإن التقسيم المشار إليه لا يرتبط فقط بحاجة إبداعية جمالية، وإنما يرتبط كذلك بضرورة مادية مستندة إلى سيرورة اجتماعية أملتها أحداث وظروف كان لها تأثير ملحوظ على مجريات الوقائع التي أسهمت في تحديد منحنيات حياة مارية.

          لقد صنع الكاتب روايته من استثمار الهوامش المتعددة التي تتكاثف وترتبط مع بعضها البعض برباط منسجم يحيل كل طرف فيه على الآخر، ويظهر ذلك حسب طبيعة حياة أهل الكفر التي تتشابه وتتكرر من بيت إلى بيت آخر، ليس هناك أي تميز أو اختلاف بين الناس في الكفر وهم يعيشون حياتهم الرتيبة والمملة التي تعيد إنتاج سياقها كل يوم بنفس التفاصيل والجزئيات، وهو أمر كانت مارية بارعة في تصويره ووصفه.

          مارية، اختارها المبدع لكي تكون الساردة المهيمنة في الرواية، اختيار الكاتب كان موفقا، الساردة الأنثى اختيار جميل يحمل في ثناياه نوعا من الانتصار لقيم الإنسانية وتقاسم الإبداع بين الذكور والإناث، هو انتصار حضاري وتنويري على مستوى الرواية والإبداع قصد تثبيت آثاره وجعلها قابلة للتمرير والاستمرار على مستوى الواقع المعيش. كان من المفروض أن نتصور أن السرد في الرواية يدفع مارية إلى الاستعانة بأهل الكفر في سبيل تحقيق نوع من التنامي في الأحداث بحيث تكون الساردة في خدمة الشخصيات الأخرى ساكنة الكفر على مستوى نزع الهشاشة والهوان عنها، ولكن الملاحظ في الرواية هو أن مارية الساردة، والشخصية البارزة في صنع الأحداث مارست العكس، وذلك عندما قامت بتجميع ملامح شخصيات الكفر وهوامش حياتهم البسيطة من أجل خدمة شخصيتها على مستوى إبرازها كمركز لصنع الأحداث ومراكمتها، وتنامي السرد وتكثيفه.

          كان الكاتب مصيبا هدفه بدقة وهو يصنع شخصية مارية، لقد وظف المبدع ما يمكن أن نسميه بتقنية التوازي، وهي تقنية صعبة جدا في بناء صروح الأعمال الروائية، لقد استثمر الكاتب كل الممكن والمتوفر في الكفر من أجل نحت شخصية مارية، حيث بالإضافة إلى الفترة التاريخية القديمة التي أتقن الإمساك بها، عمل على استنبات شخصية مارية من عمق الجمع بين عنصري الزمان والمكان، ومزجهما بعناصر الحياة الأساسية الأولى التي تتواجد بالكفر ومحيطه. شخصية مارية قام المبدع بتركيبها قطعة قطعة، لحظة بلحظة، لقد ترعرعت مارية بملامحها، وأطرافها، وقسماتها، ونفسيتها، وجمالها، وخوفها، واضطرابها، وإنسانيتها، وعطفها، وحنانها، وقوتها، وضعفها، انطلاقا من عملية بناء الفضاء الروائي داخل الكفر وخارجه وبما يحيط به بمختلف أنواع الأمكنة، تلك التي تنتج الحياة والموت معا، مع مزج الفضاء الروائي والأمكنة المشكلة له بعلامات الزمان المتعاقبة نزولا وصعودا على المستوى الفعلي والنفسي معا، كل هذا مع استحضار آثار الشمس الحارقة، ومياه النهر بتماسيحها وسمكها، والغبار وأنواع الأتربة والروائح المنتشرة في دروب وبيوت الكفر، والهواء الخانق المطبق على رقاب أهل الكفر الشيء الذي يزيدهم ضنكا على ضنك، كل هذه العناصر الأولية الأساسية الأربعة وغيرها عمل المبدع على تحضيرها ومن ثمة أقدم على نحت شخصية مارية بصيغة تراكمية مساوقة لوتيرة السرد، وتنامي الأحداث، في كل حدث أو ملمح لشخصية تنمو وتزدهر شخصية مارية وتظهر كل النضج الممكن على المستوى الجمالي الإبداعي للإمساك بناصية توجيه الأحداث داخل الرواية، لم يكن الكاتب متعجلا البتة في هذا الأمر، بل كان صبورا، متأنيا، حاذقا في رسم الشخصية التي عبرها قرر أن يمتعنا بعالمه الإبداعي الرحب.

          وعت مارية ذاتها، وأفلحت في مصاحبة نفسيتها عبر ضبطها لإيقاعات الزمن والمكان داخل الكفر، لقد كانت واحدة من أهل الكفر وهو ما لم يكن يقلقها، بل كان يزيدها اقتناعا بمصيرها وقسمتها، وارتباطها بأصلها وأهلها، مارية مكنتنا بوصف بانورامي من التحليق عاليا لكي نشرف على الأماكن المختلفة التي يتوزع حولها الكفر، فاستطعنا أن نرى جيدا موقع النهر والحقول الزراعية، والمنازل المتداعية، والدروب، والكنيسة، والأبواب، والجدران، والمواقع الأثرية، وكل هذه المعالم أفلحت مارية في تقديمها لنا بوصف دقيق، هندسي، مكين، فأصبحنا ونحن نتابع صفحات الرواية نتحرك بحرية بين الحقول والنهر، ونميز بين بيت أهل مارية وبين بيت أم نونا…، ونقدر تقريبا المسافة بين البيوت والكنيسة، ونستشعر قدر الإمكان العلاقة بين الكفر والبلدة البيضاء، كما أصبحنا نعرف بسهولة ويسر الطابع المعماري البسيط الذي يميز بيوت أهل الكفر. مارية ساردة ماهرة متمكنة، إنها تضبط إيقاع نفسيتها على إيقاع الحياة داخل الكفر، كلما تحرك فرد إلا وتتابعه مارية بتوضيح وبيان حالته، ووضعه الاجتماعي، وطبيعته، وعلاقته مع الآخرين من جيرانه وأهل كفره.

          لقد كانت رؤية مارية للعالم تمر عبر أمها، الحسناء الساردة شديدة الارتباط بوالدتها، إنها أمها ومربيتها ومعلمتها ومستشارتها في الحياة، يكاد يدفعنا هذا الارتباط الشديد إلى التأكيد على أن مارية لم تكتسب قدرتها السردية إلا عبر الاستنجاد بوالدتها التي كانت تسعفها وتمدها بجميع تفاصيل الأحداث والوقائع البسيطة التي  كان يعرفها الكفر عبر مجريات أيامه، إن بساطة هذه الأحداث والوقائع تتحول أحيانا إلى طابع هام وخطير، وأحيانا إلى طابع مصيري يخص الأبعاد الوجودية للكفر من حيث الموت أو الحياة. كان لأم مارية وجود بارز في الكفر، جميع السكان يزورونها باستمرار، ويستشيرونها في شؤونهم العامة والخاصة، ويتبادلون معها الأحاديث والأخبار، ويشاركونها الطعام والشراب، ومارية توجد دائما في عمق هذه الحركية حيث تشرف على جميع التفاصيل التي تتبادلها أمها مع أهل الكفر، هذا التواجد يمكنها من متابعة وتيرة السرد بطريقة متدفقة ومستمرة. أخوها بنيامين يتبوأ مكانة عائلية محترمة لدى مارية، لا يظهر بنيامين مشاركا نشيطا في أحداث أهل الكفر،كانت شخصيته تبدو باهتة ومنطوية وحزينة، حزنه وانطواؤه سوف يدفعانه مستقبلا للانخراط في سلك الكهنوت في المنطقة الغربية لمصر، مارية كانت تستأثر بأخيها بنيامين لنفسها، فهي تحبه كثيرا، وتعتبره أخا ودودا، وهو يبذل وسعه في سبيل توفير بعض القوت لأمه وأخته من خلال عمله طول النهار في الحقول، شخصية بنيامين داخل الرواية متواضعة في حضورها وتأثيرها، ولكن مارية أحاطته برعايتها وخصصت له مكانة متميزة، فهي عندما تتحدث عنه تفعل ذلك بعطف وحدب وحنو. ونفس الشيء تعبر عنه عندما تتحدث واصفة علاقتها بصديقتها الحميمة دميانة، وعلاقة أمها بجيرانها وجاراتها أمثال أم نونا، وأم دميانة…، تتحدث مارية عن الجارات بنوع من التقدير والاحترام، فهي تدرك جيدا أنها وأمها وأخاها يتقاسمون نفس ظروف وشروط العيش، بل ونفس المصير مع باقي أهل الكفر، وقد مكنها هذا الأمر من تجسيد دورها كساردة متمكنة وفي نفس الوقت متواضعة بتواضع مكانتها الاجتماعية، شيئا واحدا وبالتأكيد ليس وحيدا تركه الروائي مبهما مخفيا عن مارية وعبرها المتلقي، وهو اسم الكفر، لماذا ترك المبدع اسم الكفر في حالة غياب؟ لماذا أخفاه عن مارية؟ كيف نتصور مارية وهي تعيش داخل الكفر وبين أهله وهي لا تعرف اسمه؟ لنا أن نتصور عدة اعتبارات يمكن أن يكون الروائي قد عمل على مراعاتها وهو يخفي اسم الكفر عن مارية وعنا لصفحات كثيرة في الرواية:

  • ربما من أجل الهيمنة على الساردة وتقليص مساحة معرفتها المحدودة أصلا.
  • ربما كان المبدع يريد تأجيل إطلاعنا على اسم الكفر لحين ربط الموضوع بأحداث أخرى سوف تظهر فيما بعد، ولها تأثير أبلغ داخل النص الروائي.
  • ربما يبرز هناك تصور يوحي بأن إخفاء اسم الكفر كأنما هو إخفاء لموقعه أصلا حماية له من المخاطر وإغارة الفرس أو الروم.
  • ربما لن تعود للكفر أهمية في حياة مارية التي غادرته إلى صحراء سيناء مع زوجها سلامة، وكأن مغادرتها لكفر أهلها علامة على غيابه واندثاره وتناثر أجزاء وجوده من الكون.   
  • ربما ببساطة أجل ذكر اسمه إلى حين، واكتفى بذكر أنه كفر من بين الكفور المتناثرة في ربوع ومحيط مدينة دمياط.

          كل هذه الاعتبارات يمكن أن تكون واردة في تخطيط الروائي قبل إطلاعنا على اسم الكفر والكشف عن موقعه، حيث سيظهر هذا الإسم بالضبط في الصفحة الثانية والسبعين بعد المائة، وذك في دير العسل داخل صحراء سيناء عندما سوف يخبر الأمبا بشندي قس كنيسة دير العسل مارية بأن اسم الكفر ومعه باقي الكفور الأخرى هو كفور النملة، وأن اسم البلدة البيضاء هو ساجيوس التي زارها في إحدى المرات حنا الرحوم بطريرك الملكانيين، وقد استدل عليه من وصف مارية، وذكرها لبعض أسماء الكهنة والقساوسة القائمين على أمر الدين في كنائس بلدها، فوجه الأمبا بشندي إليهم أمام مارية بالغ النقد والتقريع فيما يتعلق بخطأهم الكبير في تلقين الناس آراء منحرفة وغير قويمة عن العقيدة المسيحية. وقد أصابت الغرابة مارية وهي تطلع على اسم الكفر الذي كانت تعيش فيه، وأحست بنقص حاد في اكتمال كيانها ووجودها.   

          تواجد مارية في الكفر لم يكن مرسوما له أن يستمر، إن المنطق الوجودي الخاص بالرواية يؤكد على أن خط السرد الصحيح يقتضي أن تتزوج مارية بسرعة خوف دخولها مرحلة العنوسة المتعارف عليها داخل الكفر والتي هي تجاوز ثماني عشرة سنة من عمرها، ضمن هذا السياق تظهر طاقة وقدرة شخصية بطرس الجابي في تدبير زواج مارية من شاب مسيحي عربي من عرب الأنباط ساكني الصحراء، شخصية بطرس الجابي تتوفر على صيت لامع وحضور قوي داخل أوساط الكفر وما يحيط به من مراكز وتجمعات سكانية، فهو كما يدل على ذلك اسمه مكلف بجباية الضرائب وجمعها لمصلحة الفرس أو الروم، حسب تفوق أحدهما على الآخر، هنا يدل الموضوع على أن الرجل لا يثبت على ولاء، ولا مراء في هذا حيث غالبا ما نجد نكوصا أخلاقيا وارتدادا قيميا لدى العاملين في جمع الضرائب وجباية الأموال، وهو ما نلاحظه على شخصية بطرس الجابي، مارية قدمت وصفا لا يشفي الغليل لشخصية هذا الرجل، إنه غني، يمتلك منزلا فخما عبارة عن قصر بالمقارنة مع بيوت الكفر، هناك قرابة بعيدة بينه وبين أم مارية مع أن الأمر فيه همز ولمز وكلام لأن الرجل غير متزوج وأم مارية تقضي سحابة كثير من الأيام في بيته بدعوى ترتيب البيت وتنضيده، ثم إن الرجل بمثابة عقل مدبر وقائم على حل كثير من مشاكل أهل الكفر، يبدو هذا الوصف المقدم من طرف الساردة عاديا للغاية ولكننا نستشف أن للرجل أسرارا تكاد بعض سطور الرواية تشي بها وتعلن أمامنا بأن الرجل خطير للغاية وله علاقات متشعبة ومتشابكة مع الروم والفرس والعرب، يخدم مصالحهم ويبادلهم التجارة والفوائد، ويساهم في نسج خيوط مصائر كثير من البشر، وهو ما أشرف عليه بكل أريحية بسبب قرابة أم مارية منه، حيث استقبل عرب الأنباط في بيته وأولم لهم ولأهل الكفر، وأشرف شخصيا على إتمام خطوبة مارية  وسلامة المسيحي العربي النبطي قبل أن يستعجل السفر إلى الصعيد لإتمام بعض شؤون تجارته كما قال، أو هربا من بطش الفرس والروم كما ذهب إلى ذلك لاحقا بعض أهل الكفر.

          لقد كان عرب الأنباط علامة بشر وانفراج وأمان على أهل الكفر، حيث أقبلوا فجأة ودخلوا الكفر بقافلتهم معلنين الأمان وراغبين في إتمام زيجة مارية وسلامة، عرب الأنباط زفوا بشرى إقامة الصلح بين الفرس والروم وقرب خروج الفرس من مصر بدون قتال أو إلحاق الأذى بالناس، فتغيرت حالة أهل الكفر، وران عليهم الفرح والأنس، وساهموا بحماسة ونشاط في الاحتفال بزواج مارية والعربي المسيحي سلامة داخل الكنيسة وبين دروب الكفر. ثم نادى الرحيل بالفراق، كان لابد أن تغادر مارية مع زوجها إلى الصحراء في سيناء، وقد صور المبدع لحظة فراق مارية لأمها وأخيها وأهلها في الكفر بطريقة دراماتيكية ذات مسحة سينمائية لافتة، ففي تلك اللحظة عمل الروائي على تجميع كم وفير جدا من العواطف والأحاسيس وراكمها في فترة وجيزة حتى بلغت الذرى، ثم وفي رمشة عين عمل على إفراغ بطانتها ووصل بها إلى الأسفل، وبين اللحظتين وجدت مارية نفسها خارج الكفر، بعيدة عن عترتها، وكأن هذا الفراق سوف يعمل على محو الكفر من موقعه لكي يظل فقط ذكرى باهتة ماضية في حياة مارية، وقد تحقق هذا المعنى عندما أخبرها زوجها أثناء السفر وبعد مسير أكثر من يوم بأنهم اللحظة سوف يتركون بلادها وسوف يتوجهون شرقا حيث سيكون بإمكانهم التوغل في الصحراء، لقد أحست مارية بأن كلمة بلادها غريبة جدا عنها، هي التي لا تعرف بتاتا البلاد التي يمرون بها، وهي فقط تتذكر الكفر، فقط كذكرى، لأنه أصبح الآن داخل عالم الغياب بعد كان داخل عالم الحضور، ولذلك كانت شديدة الاستغراب من كلام زوجها.

          السفر أراده الروائي حدا فاصلا بين الكفر وبين مضارب أهل سلامة، ولذلك كان يثير كثيرا من الوقائع والأحداث التي سوف تكون تمهيدا لتعويد مارية على قساوة حياة العرب الأنباط، والسفر نفسه كان وقعه رهيبا على بدنها، ثم كان هذا السفر ترويضا لها على الاستعداد للتعامل مع أهل زوجها بالكيفية التي سوف تأنس بها أثناء ترحالها مع القافلة فوق ظهور البغال والإبل، وقد كلف زوجها ابن أخيه عميرو الغلام اليافع لكي يشرف على شؤونها وطلباتها باعتباره فردا من العائلة التي لا يجوز لغير أفرادها التعامل مع حريمهم، فكان السفر تجربة وتدريبا لمارية على كثير من الأمور الاجتماعية والتربوية والدينية، الأمبا بشندي قس دير العسل كان له دور في بيان خطأ عقيدتها المسيحية التي تعلمتها من القس باخوم في كنيسة الكفر، ثم هذا الربط الماكر الذي عمل المبدع على إبرازه لنا عندما أوضح أن هذه الفترة التي تعرف بالضبط انتشار الدين الإسلامي في شبه جزيرة العرب، هي نفسها الفترة التي قدم فيها زوج مارية سلامة أخاه المشهور ” بالنبطي ” إلى الأمبا بشندي وأخبره بأن النبطي جاءه الناموس، وحضرته النبوة وبأنه من الذين يوحى إليهم، ولما قرأ النبطي على الأمبا بعضا من وحيه المزعوم تبرم القس بشندي وامتعض ونهض واقفا وغادر عرب الأنباط. لم يكن هذا الربط من طرف الروائي عاديا، يبدو كأنه يريد التأكيد على أن النبوة أصبحت مفتوحة على مصراعيها، وأن أصحابها الحقيقيين ما زالوا مجهولين أمام تعدد منصات النبوة بين الأمصار والبلدان، ولا بأس إن كانت سوف تتوزع بين الأمم، كل أمة تنفرد وتتميز بصاحبها، وعرب الأنباط لا يحتاجون إلى عرب شبه الجزيرة، فقد ظهر نبيهم الخاص الذي هو النبطي أخو سلامة، وهم مستقلون به عن غيرهم، وربما أعاروه مع وحيه المزعوم لمن يريده ويرضى به، وهو الأمر الذي أراد تجربته سلامة مع الأمبا بشندي، ولكنه لم يفلح بتاتا، فقد قابله القس العجوز بالإعراض والنفور. وهكذا تستمر مارية في سردها لأحداث الرواية ويتبدى في كل تقدم حرص المبدع على ترك ساردته في حيرة من أمرها أحيانا، وعاجزة أحيانا أخرى عن فهم واستيعاب الذي يدور أمامها وحولها، ولكن مهمتها السردية مستمرة بصيغ متعددة، فتارة يكون سردها دائريا تجميعيا مبنيا على الدعة والهدوء عندما تصف أجواء اللقاءات وحفلات الشواء والجلسات بين الرجال، وطورا يصبح سردها متموجا متحفزا في حركيته مساوقا لحركة القافلة وسير الدواب، وأحيانا يصبح سردها متعدد الأبعاد منطلقا من الأسفل إلى الأعلى ثم من الأعلى إلى الأسفل عندما يعلو المسير ويرتفع وتحاذي القافلة بل تتوغل في جبال سيناء العالية الصخرية التي تشبه الجدران.  

          وأخيرا وبعد رحلة شاقة متعبة وصلت القافلة إلى مضارب الأنباط ومساكنهم المنقوشة في الصخر، وكان لقاء مارية بأهل زوجها وخصوصا أمه أم البنين مشوبا بالخوف والوجل والترقب، أم البنين عمدت عند استقبال زوجة ابنها إلى تغيير اسمها باسم جديد هو ماوية، وكان هذا التغيير إيذانا باقتلاع مارية نهائيا من جذورها المصرية والعمل على استنباتها داخل مجتمع وعشيرة الأنباط، لقد كانت أم البنين امرأة وثنية حكيمة، ولذلك فكرت وقدرت وأنجزت بسرعة لكي تقوم بإدماج مارية أو ماوية في المجتمع الجديد حتى تنتفي لديها كل إمكانية للعودة إلى الوراء، لقد أصبحت الآن نبطية داخل عشيرة زوجها، وكان هذا التغيير بالإضافة إلى علاقتها الحزينة والفاشلة مع زوجها علامة رمزية على فشل حياتها ككل ودخولها في دوامة من الحزن والأسى، حيث أدركت متأخرة بأنها أخطأت هدفها، فضاع سعدها بين أقرانها، ورغم ذلك أقبلت بهمة ملحوظة على الانصهار في المجتمع الجديد عن طريق الاندماج في بدائل جديدة كانت تمدها بنوع من القوة لمواجهة صعوبات حياتها، والعزاء في فقدها لوسائل البهجة والحبور في حياتها الزوجية، خصوصا عندما قضت خمس سنوات مع زوجها وأهله ولم ترزق بالذرية، فأقبلت على تعويض فقدانها وخسارتها لعناصر الحياة السعيدة بحضور مجالس النبطي المدعي للنبوة والإكثار من استفساره عن كثير من الأمور الفكرية والمعرفية، كما أصبحت صديقة حميمة لأخت زوجها ليلى المطلقة مرتين حيث توطدت علاقتهما كثيرا واندمجا في بعضهما البعض نفسيا وعاطفيا وحسيا بعد وفاة أم البنين التي وافتها المنية فجأة بعد علمها بفتح مكة وتحطيم الأصنام والأوثان التي كانت محيطة بالكعبة ومن ضمنها معبودها الكبير اللات.    

          دخلت مارية / ماوية، المسيحية / المسلمة،  في الإسلام مع زوجها سلامة، رحلت مع عشيرة الأنباط إلى مصر استعدادا لفتحها على يد عمرو بن العاص، ولكنها أخطأت الطريق، أو بالأحرى ضاع عنها اختيارها، لقد أحست طول الوقت وهي قرب وادي رم بأن مبتغاها قريب منها ولكنه بعيد عنها، في متناولها ولكنه محرم عليها، توسلت إليه كثيرا أن يكون ضمن الركب، سوف يقيم قرب روحها، سوف يضمد جراحها، سوف يجلي سواد أيامها… لم تكن النبوة ناجعة للنبطي، لم تفده في شيء، لقد أخفى في سويداء قلبه سرا ظل طيلة إقامتها مطويا بين جناحيه، سوف يظل هناك، لن يرحل مع الخارجين إلى مصر، سوف يبوح بسره للجبال، سوف يتخفف من حمله أمام عمق الصحراء، سوف يعلن للملكوت بأن نبوته كانت هي هي دون غيرها ودون سواها، لن يصمت بعد اليوم سوف يكون إعلانه فتحا من فتوحات الفناء الأبدي…

          النبطي، رواية من طينة الروائع التي يقل نظيرها بين المتون الروائية، لقد أرادها المبدع شهادة على زمن غابر ولى، شهادة على تاريخ ممتد من المركز إلى الأطراف والهوامش، لقد وضح الروائي بأن عمق الجمالية لا يكمن دائما في البحث عن الظاهر والبارز بين الأمصار والأقطار، بل يكمن كذلك وبشكل أكثر وضوحا وإشراقا في الزوايا والعتمات، بهدوء، بتؤدة، بدون انفعال، بدون صخب، بنيت الرواية بأسلوب جميل رائع، منساب بثقة وتمهل، دون تكلف، ظلت الأحداث والوقائع تترى وهي تحكي عن ذاتها وبعضها، ترتقي وتنزل، ثم تعود صعودا ونزولا، وتيرة متغيرة متباينة متسارعة متمهلة، بنيان دقيق متين متماسك، تلكم هي أسطورة ” النبطي “.