رواية “المشي على الريح – موت في المنفى” لعبد الحميد البجوقي.. نحو استيطيقا معلنة

رواية “المشي على الريح – موت في المنفى” لعبد الحميد البجوقي.. نحو استيطيقا معلنة

رواية “المشي على الريح – موت في المنفى” لعبد الحميد البجوقي.. نحو استيطيقا معلنة

رواية “المشي على الريح – موت في المنفى” لعبد الحميد البجوقي.. نحو استيطيقا معلنة

موقع الكتابة الثقافي default images 1

خالد البقالي القاسمي

     احتفت يوم الأربعاء 24 أكتوبر 2018 بمدينة تطوان المغربية جمعية ” درر للتنمية والثقافة ” برواية الناشط الحقوقي والمبدع ” عبد الحميد البجوقي “، حيث عملت على تنظيم فعاليات الاحتفاء من قراءة ومناقشة وتوقيع بقاعة العروض بمعهد الفنون الجميلة، وتكفل بتقديم قراءة الرواية الناقدان: الأستاذ رشيد الأشقر، والأستاذ خالد البقالي القاسمي. رواية الأستاذ ” عبد الحميد البجوقي ” التي اختار لها عنوانا مثيرا ” المشي على الريح – موت في المنفى “، صدرت الطبعة الأولى منها شهر أكتوبر 2018، وهي منشورة من طرف دار سليكي إخوان بمدينة طنجة، تحتوي الرواية على مائة واثنتين وثلاثين صفحة متوسطة الحجم، وقام بتصميم غلاف واجهة كتاب الرواية الفنان التشكيلي المتألق محمد البقالي.      

     لقد سبق للمبدع أن أصدر روايتين اثنتين قبل هذه الأخيرة ” عيون المنفى – المورو خايمي ” و ” حكايات المنفى – عبسليمو النصراني “، ويبدو أن الروائي كان عازما منذ البداية على إصدار ثلاثية تعكس ما راكمه منذ سنين طويلة من تجربة وخبرة في مجال المنفى والهجرة بالديار الإسبانية، وجاءت رواية ” المشي على الريح – موت في المنفى ” كتتويج لمشروعه الذي تجذر في ذهنه وهو يتابع عبر نشاطه بجمعيات الهجرة مصالح وحقوق المهاجرين إلى أوروبا والديار الإسبانية.

     رواية ” المشي على الريح – موت في المنفى “، اختار لها المبدع كسابقاتها عنوانين اثنين، كما لو أنه لم يكن مقتنعا بأن فكرته تتميز بالوضوح والصفاء الكافيين لكي تصل إلى القراء والمتتبعين في عنوان واحد، ففكر في إضافة عنوان آخر لاحق على الأول، لعله يزيح اللبس والغموض المحتملين في العنوان الواحد، ويبدو أن الأمر يعود لنوع من التجريب الذي اختاره الروائي لأعماله كلها، إذ إن الأمر كما هو واضح يدخل بداهة في المجال الفني.     

     منذ البداية في العنوان يعلن المبدع عن انطلاقه في الاشتغال على إنجاز فعل جمالي فني، ويتجلى ذلك في اختياره لعنوان مركب يتشكل من سياق أول يعتبر متغيرا رئيسا، وسياق ثان يعتبر متغيرا تابعا، ” موت في المنفى ” يحيلنا على الموت الحقيقي، والموت الرمزي، البعد الرمزي إمكانية جمالية، ويمكننا هذا البعد من فهم ما هو ظاهر وما هو خفي معا، إنه نوع من الوعي والإدراك المستمرين في الزمن، فسعيد ورشيد المغربيين ضمن أحداث الرواية كانا يدركان جيدا أن الممارسة اليومية لثقافة الهجرة مفتوحة على جميع الاحتمالات، ويمكنها أن تنتج في كل لحظة قتيلا، أو جريحا، أو معتقلا، أو مطرودا… وبذلك يتحول الرمزي ويتمظهر ضمن مجال الفعلي. السوسيولوجي الأمريكي ” جورج هربرت ميد ” رائد التفاعلية الرمزية يدلنا على وجود علاقة بين الذات والموضوع، إذ بينهما تواصل واتصال، الموضوع الذي هو الموت يرتبط بعلاقة تفاعلية مع الذات التي تحيل هنا على المهاجرين الأفارقة المنفيين في الديار الإسبانية، ثم الذات الخارجية التي لا تخرج عن إطار هذه العلاقة المشار إليها وهي التي تراقب باستمرار حركة الهجرة ومتغيراتها، وهي تحاول جاهدة إدراك فعل الموت حقيقة أو رمزا.

     ” المشي على الريح “، أو على الأصح بثقافة إسبانية مرتبطة بعمق ثقافي ديني مسيحي معروف ” المشي على الماء “، هذا العنوان الذي وسمناه بأنه متغير رئيس به مسحة وإحالة على بعد أسطوري يعمل على توطين صيغة ملحمية لمجموعة من القيم المبثوثة في معمار النص، وكلها تشتغل على تمجيد الإنسانية، وتدعيم الحق في الحياة، والتعايش، والكرامة، والسلام… وهي كلها قيم كونية. والأسطورة عادة تروي حكاية مقدسة أو ذات قيمة منسجمة مع ثقافة راويها أو الذين يشكلون أبطالها وشخصياتها. ودائما تعيش الأسطورة في ظل البدايات والتحولات، وغالبا ما تحضر في المناسبات والاحتفالات عندما تتم عملية الاحتفاء بها عن طريق حكايتها وروايتها، وتظل عبارة عن حكاية رمزية لأقصى درجات التخييل المرتبطة بالواقع الإنساني، وهي تسهم في إثارة القيم النبيلة التي تتميز بالقابلية المفتوحة للتعميم ضمن عالم الإنسانية. زمن الأسطورة يتحدد خارج التاريخ، أو هو اللازمن، لذلك لم يتم قبول المهاجرين الأفارقة داخل الزمن، لقد تركوا خارج الزمن لكي لا تترسخ ولا تتجذر أسسهم في المكان، لقد طردوا خارج التاريخ الطبيعي، فظلوا أسطورة بين السطور، حيث عملت الرواية على تمجيدهم ومباركتهم.

     تعيش الشخصيات في الرواية واقعين اثنين ضمن زمنين، الزمن الماضي الذي انفلت وضاع، وانفرط عقده، وظل عبارة عن ذكريات تسبح في السراب واللاشيء. والزمن الحاضر الذي هو زمن الهجرة والمنفى، وهو زمن مقرف، مليء بالصدام، والصراع، والعبث. والنتيجة مستقبل هارب، ضبابي في معالمه، ولا ضمانة فيه. ولبيان هذه المعطيات عمل المبدع على بناء روايته على أساس عشرين مقطعا أو لوحة، في شكل تفريع حكائي لا يلم شتاته إلا الألم، والحسرة، وفقدان التوازن، وتشتت الذات، وتشظي الآمال والأحلام. وعلى هدي هذا السياق زاوج الروائي بين السرد المشهدي، والسرد البانورامي، متناميين بتوجيه من سارد أساسي، متوار، يوجه الأحداث بضمير الغائب، ويوزع مهمة السرد متنازلا عنها بين الفينة والأخرى حسب لوحات الرواية لمصلحة الشخصيات ضمن سرد موجه بضمير المتكلم في صيغ شهادات تهدف إلى إقناع المتلقي بجدوى الأحلام، والأهداف، ومحاولة توريطه في الأحداث المؤلمة، والصادمة التي كان المهاجرون الأفارقة ضحية لها.

     نلاحظ في الرواية دقة بالغة، وحرصا أكيدا على تحديد الزمن وربطه بالمكان أو الأمكنة التي توهم بالواقع، فالزمن يسهم في المساعدة على إنتاج كم من الأحداث التخييلية في الرواية، بينما يسهم المكان في تنويع اللعب، وتغيير حالة الشخصيات، والتحكم فيها، وعندما نربط بينهما فإننا نضبط جيدا إيقاع سلوك وحركة الشخصيات، وعندما نقف في النص الروائي على مكان في ساحة عامة وفي زمن ليلي مظلم نفهم بوضوح لماذا ينتج هذا الموقف خوفا، خصوصا عندما نجد ” مامادو ” النيجيري المهاجر يتوارى خلف جدار في ساحة  بمدينة مدريد الإسبانية هي ساحة ” سانطا آنا ” ليلا وهو يرتعد خوفا بسبب هجوم حليقي الرؤوس الإسبان على مجموعة من الشبان المهاجرين الأفارقة، ثم إنتاج الحركة والإمكانات السردية المرتبطة ببعضها البعض على مستوى السابق واللاحق، ” رشيد ” وهو من النشطاء الحقوقيين المهاجرين المغاربة في مدينة مدريد يعمل في مجال بيع الملابس داخل الحانات بمساعدة صديقته الغانية الإسبانية ” صاندرا “، أعجب في إحدى الحانات بعد بيعه لقطعة من الثياب بالنادلة النيجيرية المهاجرة ” كاميلا “، وإعجابه هذا هو الذي دفعه للإقدام على شرب كأس بالحانة، وهذه تسمى إمكانية سردية محتملة في النص، حيث يمكننا أن نتوهم بأن المبدع يستطيع التحكم في هذه الإمكانات السردية فيمنع هنا ” رشيد ” من الشرب على الأقل لادخار المال والبعد عن التبذير، ولكن هذا الاحتمال غير وارد، لأن شرب الكأس في الحانة مرتبط بإبداء الإعجاب بالنادلة النيجيرية المهاجرة، وهذا الإعجاب مرتبط بدوره بإمكانية سردية لاحقة هي إقدام ” رشيد ” على إخبار صديقه النيجيري ” مامادو ” بهذا الإعجاب ووصفه لجسد النيجيرية مما جعل ” مامادو ” يهتز ويستزيد من الوصف ليكتشف بأن ” كاميلا ” التي ظل كثيرا يبحث عنها عبثا هي حبيبته التي ضاعت منه قبل هجرتهما من نيجيريا في اتجاه المملكة المغربية ثم إسبانيا.        

     ورغم أن الرواية تبدو في بعض معالمها ذات نفس توثيقي فإن للمبدع وعيا بالغا بعملية الربط بين الزمن والمكان وسرد الأحداث من أجل صناعة الحركية في النص، والدفع بإقناع المتلقي بالحضور السينمائي للرواية داخل فضاء روائي يتشكل من مجموعة من الأماكن المحددة اسميا، ورغم أن هذا الفضاء يبدو في مواقعه المكانية فيزيائيا فإنه بالنسبة للأبعاد الجمالية يظل تخييليا، كونه عبارة عن تمثيل جزئي، ولا يشمل الكل.

     النص الروائي لم يخضع من طرف المبدع لمنطق الصراع والتدافع بين الشخصيات، وبالنسبة للرواية فإن هذا الصراع والتدافع هو الذي يسهم في تنامي السرد وخلق الأحداث، لقد بقي النص مشغولا بإلحاح بالأبعاد الأنطولوجية التي تلهث جميعها نحو تحديد مصير الشخصيات. هذه الشخصيات التي عمل المبدع على رسم، ووصف قسماتها، وأبعادها النفسية والاجتماعية والعقلية دفعة واحدة، فهو لم يخضعها لمفهوم التدرج الذي يركز على ترك الشخصية تنمو، وتزدهر بروية وهدوء من خلال تفاعل الشخصيات وهي تشارك في خلق كم كبير من الأحداث التي تنتج صراعات شتى ضمن بنية كلية يمكن تفريغها عبر بنيات جزئية تعمل على إنتاج الكثرة والغزارة، عوض القلة والندرة. ولكن يظل الأهم هو أن المبدع جعل علاقة الشخصيات مع بعضها تضامنية بسبب وحدة الموضوع والمصير، لقد وظف المبدع مفهوم الإسناد بالمعنى السوسيولوجي الذي تتفتت لحمته في النص عندما يصطدم بالترسانة القانونية التي تعمل على إنهاك فكر وثقافة الهجرة، وتفرغ الكل من الطموحات الإنسانية، والاجتماعية، والقيم النبيلة.                

     في الحقل السوسيولوجي فإن الديناميكي في نص الرواية هو عناصر الهجرة، وشروطها، وعلاقاتها، في مواجهة الستاتيكي الذي هو المجتمع المحافظ محاولا تحصين مكتسباته بقوانين إقصائية قاسية. وعندما نتعامل مع رائد سوسيولوجيا اليومي الفرنسي ” ميشيل مافيزولي ” الذي اهتم كثيرا بدراسة المعطيات المرتبطة بالبنيات الخاصة بالمتخيل المعاصر نجد أنه يقيم علاقة تقابلية بين الفكر والممارسة حيث نستنتج في النص الروائي أن هناك تحولا قد حصل في فهم التصورات داخل المجتمع الإسباني، إذ في سوسيولوجيا اليومي يجب توجيه الاهتمام في إطار فهم سلوك الأحزاب الإسبانية لظاهرة الهجرة ليس من زاوية تنافسها وصراعها، وإنما من زاوية تحالفها الخفي ضمن الالتزام الجماعي لتدعيم مصالحها، ورهاناتها، ليس الاجتماعية فقط ولكن حتى السياسية، وهي معطيات أثارها المبدع في روايته بوضوح.

     لقد اهتم السوسيولوجي الأمريكي ” إروين جوفمان ” كثيرا بالتحليل الميكروسوسيولوجي، وخصوصا مفعول التفاعل، وبالأخص اهتم بدراسة العلاقة بين سلوك الوجه للوجه ورد الفعل، وتبرز فاعلية هذه الدراسة عبر نص الرواية عندما نقف على صراع حليقي الرؤوس مع المهاجرين الأفارقة، وبالضبط سلوك المهاجر الإفريقي النيجيري ” مامادو ” وتعبيره بحركات الوجه والجسم واليدين عندما كان يتابع الصراع وهو خلف زاوية مظلمة بساحة فسيحة بالعاصمة مدريد اسمها ساحة ” صانطا أنا “. ثم كذلك نقف في الرواية كيف احتفلت   الإفريقية المهاجرة ” أديسا ” بحمل المهاجرة النيجيرية ” كاميلا ” ووصولها للمرة الثانية إلى غابة ” بليونش ” ضواحي مدينة ” تطوان ” المغربية بواسطة الحركات والرقص، وهي كلها رموز ثقافية، وسلوكات تفاعلية وانفعالية، لا يفهمها الآخرون، ولكنها تثير لديهم نوعا من الشك والعدوانية.

     إن حليقي الرؤوس يتأثرون بما يسمى في سوسيولوجيا اليومي بلغة الجسد، وعلم الحركة، لأن حركة الجسد التي تصدر عن الأفارقة المهاجرين كيفما كانت فهي بالنسبة إليهم حركة أي عضو، أي لغة ورمز، فهي بمثابة رسالة انفعالية، وبما أن الثقافة أو الثقافات تتوفر على ما يجمع وعلى ما يفرق فإن التوتر يحدث مع حليقي الرؤوس الذين غالبا ما يرون في حركات الجسد الإفريقي الكثيرة والمتنوعة تحديا، ودعوة للنزال بغض النظر عن الكراهية المتجذرة، فيحصل الصراع والاحتكاك الجسدي، وهذه الحالات السلوكية الانفعالية هي التي سماها السوسيولوجي الفرنسي ” بيير بورديو ” بنظرية الصراعات الثقافية.

     ” إروين جوفمان ” يلتقي مع السوسيولوجي الفرنسي ” ميشيل كروزييه ” في تحليل التفاعلات الناتجة عن الأدوار التي يشغلها الأفراد في المجتمع باعتبارهم ممثلين، وهنا نلتقي مع العملاق المهاجر الإفريقي ” مامادو ” وأمثاله الذين يمكن نعتهم بالممثلين الشاردين الذين لا يتقنون سلوك التفاعل حسب طبيعة المواقف الاجتماعية، فيخلطون بين الأمور بسبب الخروج عن حدود ثقافة المهجر، لقد مارس ” مامادو ” أنشطة كان يرى فيها الإسبان قناعا لممارسات غير قانونية ومحظورة، ولذلك تمت معاداته باستمرار.

     يؤكد السوسيولوجي الألماني ” يورجن هابرماس ” في دراسة العلاقة بين العالم الواقعي والعالم التنظيمي على وجود تباين فعلي بينهما، وتتحقق فاعلية هذا الطرح من خلال نص الرواية عندما يبرز النقد اللاذع الذي وجهه كل من ” سعيد ” و ” رشيد ” و ” أنطونيو ” المحامي الإسباني المدافع عن المهاجرين بشدة للأحزاب الإسبانية، وخصوصا للحزب الاشتراكي اليساري التقدمي الذي شارك مع الجميع في إنتاج قوانين تتيح للدولة طرد المهاجرين المدانين بأحكام قضائية سجنية. لقد كانت هذه الرواية موفقة في إثارتها لموضوع الهجرة والمنفى، وتظل واحدة من النصوص المهمة التي أفلحت في طرح رؤية جديدة لموضوع قديم يتميز بالنشاط والحركية الدائبين في ظل الصراعات، والحروب، والإقصاء، والتهميش، وسلب الحقوق.

السيرة الذاتية

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:252. Generation time:4.918 sec. Memory consumption:46.34 mb