رسالة إلى "كوشينا"
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

صفاء النجار

عزيزتى كوشينا: ‏

أكتب لك لأننى أشعر ببعض الذنب تجاهك، فرغم محاولاتك التقرب منى، وتتبعى فى كل مكان داخل البيت، إلا أن حاجزًا شفافًا يحول بينى وبينك. فما زلت رغم مرور أسبوعين من قدومك لنا، ‏قطة "مريم"، لم تصبحى بعد قطة البيت. ‏

أطلقت عليك “مريم” اسم “كوشينا”، تيمنًا باسم أوزوماكى كوشينا، والدة أوزوماكى ناروتو بطل الأنمى الشهير ناروتو، وهو اسم مستوحى من أسطورة الأميرة كوشينادا اليابانية. واخترت لك اسم ‏التدليل: كوشى، ورغم ذلك، كوشينا، اعذرينى، أنا لا أتذكر اسمك بسهولة، اسمك لا ينساب بيسر على لسانى، تتعثر ذاكرتى فى البحث عنه، ليست له طلاقة الأسماء المشهورة للقطط: لولو، كوكو، ‏ميمى.‏

اسمك يذكرنى باسم “أوشينى” بطلة المسلسل الكورى الذى أذيع منذ فترة، واستطاع كسر احتكار المسلسلات المكسيكية المدبلجة فى التسعينيات، لكنه رغم مأساة بطلته “أوشينى” وتعاطفنا معها لم ‏يفتح الباب لموجة من المسلسلات الكورية، تصدرت المسلسلات التركية الألفية الجديدة، اعذرينا ما زال الشرق الأقصى بعيدًا عن ذائقتنا، ولم يصبح بعد حلمًا للسفر أو الحياة. ‏

اسمك يبدو بالنسبة لى روسيًا أكثر مما هو يابانى: يذكرنى ببابوشكا، دادوشكا.‏

تعرفين أننى أدرس اللغة الروسية، ولا يعرف كثيرون السر وراء دراستى، سألتنى زميلة فى كورسات المركز الثقافى الروسى يمكنها أن تكون بحساب العمر ابنتى: هل تدرسين الروسية شغفًا ‏بهذه اللغة؟.‏

انبهرت عندما سمعت كلمة “شغف”، انبهرت حتى إن نوبة من الضحك المتواصل المصحوب بدموع قد باغتتنى. لم أستطع أن أجرح رومانسيتها وأصدمها بمعنى الشغف عند من يقتربون من ‏الخمسين: الشغف يا بنتى يتسرسب منا طوال الثلاثينيات، وعندما نأخذ مقعدنا ونتسلطن فى الأربعينيات تصبح هذه الكلمة بلا معنى.‏

الحقيقة أننى كنت أنوى السفر لحضور مباريات المنتخب المصرى فى المونديال، لذا بدأت تعلم الروسية فى شهر فبراير الماضى، وقد حالت ظروف خاصة دون سفرى، لكننى استمررت فى ‏الكورسات حتى أصبحت فى المستوى الثالث. ‏

كوشى.. سأقول لك سرا.. لقد حصلت فى امتحان المستوى الثانى على ٩٨٪، وقد تكون درجاتى هى الأعلى بين زملائى فى الكورس الأكثر شبابًا الذين لا تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرين، ‏عشرون عامًا من المعلومات والقراءة والمعرفة، تشغل كل مساحة عقلى، فتجعل قدرتى على تقبل معلومات جديدة ونطق كلمات جديدة أشق وأصعب. ‏

لذا فأنا فى الحقيقة أعانى من تعثر فى قراءة اللغة الروسية، أنا أجد صعوبة فى تذكر أصوات الكلمات، وفى ترجمة الرسوم والنقوش إلى أصواتها الصحيحة، لا تضحكى وأنت تدحرجين الكرة ‏وتجرين وراءها، وتكررين نفس الفعل السخيف دون ملل. وتتساءلين: ولماذا تستمرين؟. أنا مستمرة ببساطة لأننى أكره الفشل.. ولأننى ذكية، وذكائى يسد ثغرات ذاكرتى الممتلئة، صحيح أن الأمر لا ‏ينجح فى كل الأوقات، لكن على الأقل ما زلت مستمرة وأحاول، وأحيانًا أستطيع أن أنزع من معلمتى الروسية “مدام لودميلا” كلمة: خراشو (جيد جدًا).. الدراسة والامتحانات يا قطتى كما الحياة، لا ‏تعتمد فقط على ما نعرفه، هناك عامل مهم هو: الخبرة. إنها عصا موسى القادرة على أن “تكوّش”، وتجعلك فى الصورة النهائية لا تظهرين على حقيقتك، ولكن تظهرين كما تودين أن تظهرى فى ‏الصورة.. هذه الحكمة تحميك من خداع الصورة ووحدك تستطيعين أن ترى حقيقة نفسك، فلا يغضبك ذم ولا يطربك إطراء. ‏

كوشينا: أنا أعانى من فوضى عارمة، أغبط الذين يستطيعون فصل أنفسهم عن العالم المحيط، لكننى متورطة فى تفاصيل يومية، تفاصيل إنسانية، تفاصيل تتعلق بالمرض والحياة والموت. ‏

كوشينا: أنا ممثل يندمج فى دوره ولا يخرج منه حتى بعد توقف الكاميرا عن الدوران. ‏

فى أحد اختبارات الشخصية.. كان هناك سؤال: هل تود الطيران أم أن تكون لديك طاقية الاختفاء؟.. لا أريد الطيران، أنا ثقيلة جدًا، ولا أريد أن أقترب من الشمس الحارقة.. ربما أطير فى يوم ‏غائم، سأختار أن أكون مخفية.. لا أريد أن أتلصص على أحد.. سأغمض عينى وأجلس، ولن يقاطع اعتكافى أحد. ‏

تندهش عائلتى وتتساءل: لماذا تتركين موبايلك حتى يفصل شحن؟.. وأنا أرد: عادى.. أنسى.. تكرار هذا الموقف أصبح يمثل نموذج سلوك.. يمكن أن أفسره بأنه رغبة فى الهروب.. لا أريد ‏الهروب فى المطلق، وإلا كنت اخترت الطيران.. أخلاقى لا تسمح لى بالهروب، فأراوغ كى أكون مخفية لبعض الوقت، لا أريد أن أكون متاحة، فلا يحملنى ضميرى وزر عدم النجدة أو المساعدة. ‏كوشينا: أنا لست مريضة.. أنا أتفهم ما يجب علىّ القيام به، ولكن أكثر مما ينبغى.‏

كوشينا: قد أطلت عليك، لكن حرف الكاف فى مطلع اسمك والشين والنون تحيلنى للفعل: كُن، وللمشيئة الكلية. وهذا يخيفنى لأنى لا حول لى ولا قوة، وكونك قطة هجينًا بين الشيرازى والسيامى، ‏يولد فى أعماقى المظلمة عنصرية بغيضة، فأتعاطف معك، لكنى لم أحبك بعد، فاعذرينى وتقبلى اعترافى وأسفى، وثقى أنى لن أقصر فى رعايتك، أنا ملتزمة بواجباتى مطلقًا.‏

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:209. Generation time:3.192 sec. Memory consumption:44.29 mb