رحلة القصيدة بين القول و الكتابة ” عندما غاب تلاميذ فصل 4/3 “

بدأتُ أطلب من والدي حفظ المزيد من القصائد الجديدة وشرح بعض المعاني. وأضفتُ نكهتي الخاصة لطريقة والدي في الإلقاء. ولقد سمعتني المدرسة نوال وقدمتني في الإذاعة المدرسية، فازداد جمهوري وكان لقبي في ذلك الوقت (الشاعرة) وتعددت مناسبات إلقاء الشعر من حفلات وزيارت وفي بعض الحصص. ولن انسى كتابة أول قصائدي في الصف السادس الإبتدائي، كان شعر عمودي بسيط متأثرة بما حفظته من شعر. أذكر أنني كتبت قصص الأنبياء التي حكاها لي والدي على هيئة قصائد. وقد أفرح ذلك الجميع. وفي حادثة أخرى بالصف الثالث الإعدادي عندما ذهبنا لمدرسة الزيتون بنين لمسابقة أوائل الطلبة وقد انهزمنا أمام فريق البنين بفارق صغير بالدرجات، كان الحزن يسكننا جميعاً. وعند تقديم بعض مواهب العزف على الآلات من كلا المدرستين. طلبتُ من الأستاذ حسن أحد المشرفين علينا أن ألقي قصيدة في فقرة المواهب رغم عدم الإعداد لذلك. وعندما سألني عن السبب أجبته :

” أريد أن أرد بعض من اعتبارنا ” . وبالفعل ألقيتُ القصيدة وكان التصفيق من تلاميذ المدرسة مدوياً، وتم توديعنا بترحاب كبير. وسأظل أذكر قول مدير مدرسة البنين : “ لقد غطت شاعرتكم الصغيرة على فوزنا بالمسابقة، سوف تصير لأيام حديث المدرسة ” . وقد بدل هذا حال فريقي.

لقد عرفتُ منذ صغري قيمة الشعر وروعة تأثيره في حياتي وحياة من حولي.

لقد كان بالنسبة لي العصا السحرية لفعل الكثير ونشر البهجة في كل مكان، له سلطة تعطيك قلب من أمامك. وقد وصلت لكتابة شعر التفعيلة في المرحلة الثانوية

والعام الأول من الجامعة. لكن كانت هناك مفاجأة كعادتي مع الكتابة فرغم دخولى كلية دار العلوم إلا أنني بدأتُ في كتابة قصيدة العامية مفاجئة نفسي وغيري.

ومع تجمعات الطلبة خارج المحاضرات والجمعات الشعرية للكليات المختلفة

بجامعة القاهرة وعين شمس، وتنقلي بين المهرجانات الشعرية ببعض الكليات بمحافظات مصر والمسابقات الشعرية ثم انتقالي لجلسات مقاهي القاهرة الشعرية

وقصور الثقافة كانت العامية في أوجها عندي. لقد كنتُ أرى جمال قول الشعر مع كل بيت يسمعه مني من حولي من الشعراء الأصدقاء وجمهور المكان. كان هدوء تعقبه جلبة وتهليل، بل كنت أشعر فى أى الصور سيستمتع من يستمع لي. هنا زاد سحر القول وارتباطي بالعامية وكتبتُ الكثير من القصائد في تلك المرحلة وعرفني العديد من الناس كشاعرة عامية من القول وليس النشر في ذلك الوقت فلم اهتم بنشر

قصيدة واحدة ولا ديوان رغم انتهائي من ديوانين. كنت مع قول الشعر للجمهور لا احتاج لشيء آخر. إن ذلك يذكرني بفن المسرح وعلاقته بالجمهور المباشر أكثر من قرأة النص المسرحي على الورق. واتضح ذلك في بعض صوري التي أبدأ بها قصائدي أو أختمها :

جربتَ تحط الكوبية على ودنكَ ” ، البنت اللي بنط الحبل بتجيب المطر

قالوا اللي بيته من قزاز

أنا قلت أجيب التوت أزاى ؟!

فستاني متبقع كتير وكان نفسي في بقعة وحيدة

ساعتها وبس وقع القمر بقع لي حجري

لقد كانت هناك ثلاث مقاعد لن أنساها في حياتي مع الشعر أثرت في تجاوبي مع شعري في المرحلة السابقة. المقعد الأول تلك التختة الصغيرة بفصل 4/3 ، والثاني

كرسي مقهى بسوق التوفيقية، والثالث كل مقعد جلستُ عليه في أمسية أو ندوة في محافظات مصر.لقد صنعت هذه المقاعد حباً كبيرأ للقول.

لكني توقفتُ عن كتابة الشعر خمس سنوات تغير فيها الكثير واستطعتُ الاستقرار في

البيت لمدة طويلة أتاحت لي تلك الفرصة النادرة: قراءة مالم أقرأه في حياتي. وتأمل الكتابة وغايتي منها. وفي مفاجأة أخرى وجدتني أعود للشعر وبقوة لكنه كان شعر فصحى وقصيدة نثرية خالصة وانتهيت من ديوان ” مشنقة في فيلم كرتون ” ثم ديوان للفتيان والفتيات نثري أيضاً ” عندما قابلت حجازي ” برسوم الفنان الكبير حجازي وهناك ديوان آخر تحت الطبع. لقد نشرت الكثير من القصائد فى المجلات والصحف هنا كانت الكتابة تعني لي الكثير عن القول.وعندما سألني شاعر صديق لي عن هذا التغير الكبير والمفاجيء أجبته :

” ربما غاب تلاميذ فصل 4/3 فكتبتُ الشعر ولم أعد احتاج لقوله ”

لا أنكر أني عندما كتبت الفصحى وجدثُ سحراً آخر، ربما إيماني بمشروع أتمنى تحقيقه في عالمي الشعري، وهو تجاور فنون أخرى بجانب الشعر تخلق ما أطلق عليه النص الشعري الثالث. أتمنى أن أجبر قارئي على قراءة ديواني أكثر من مرة وتأمله العديد من المرات، مثلما كنت أجبر المستمع لي على الجلوس حتى أنتهي من القصيدة بل والجلوس لسماعها أكثر من مرة. فالاستحواذ على المتلقي بوجود الشعر وحضور الشاعر هو حلمي. وإذا كان الشعر هو إعادة صياغة علاقات الشاعر بعالمه فلابد أن نضع رهانات هذا الشاعر التي تتحكم في المفاهيم التي يستعملها.

وإذا كانت الأنا لدى الشاعر ليست صاحبة القرار كم يظن الجميع ومعنى ذلك أن هناك العديد من الأشياء تفكر بداخل تلك الأنا وتوجه أفعالها مع أفكارها دون حتى أن تعلم بحدوث بعض الظواهر. الشعر هو ذلك الكائن الذي يكتسب سلطة الإيحاء باللامتوقع والمجهول وكما يُقال : إن القصيدة تعرف أكثر مما يعرفه الشاعر.

وإذا كان الشعر يقرأ شاعره في حياته اليومية وداخل قدره التاريخي والعصري

وكل ما يتعرض له من ذاكرة ماضية ومستقبلية فمن الطبيعي أن تتأثر لغته بتلك الحياة المقروءة. وتكون القصيدة التي تنتج من نفس اللاشعور الفردي واحدة في الجوهر وإن كانت تتطور بتطوره. ومع اختلاف اللغة لاتختفي طريقة الدلالة والرمز والمنهج والاهتمام الشعري فلكل شاعر بصمة لا يطابقه شاعر آخر فيها.

فلكل عالم شعري لشاعر رغبة دفينة بداخل قصائده تولد معه فقط عندما يكون المتلقي مستعداً لاستقبالها قادراً عليها. واللغة هنا هامة جداً ليس بسبب تلك الرغبة التي داخل القصيدة ولكن لتهيئة ذلك المتلقي لاستقبال طاقة تلك الرغبة.

الشعر الحقيقي من وجهة نظري هو الذي يصدر من دون قصدٍ سابق ولا مستوى محدد فهو طاغ بقدرته على التأثير مهما كان هذا المتلقي. فجوهر الفن عندما نسعى لتلقي فنان ما أو عمل فني معين وتحليل الركائز الأساسية التي ما ينفك الفنان والنصوص يستخدمونها ويستثمرونها بطريقة جديدة كل مرة، وهى ليست وقفاً على لغة بعينها أو فرد ولا أصل لها لأنها تنتمي إلى الرمز الإنساني أى إنها غارقة في اللاشعور الإنسانى : الأساطير والخرفات والمحكيات النموذجية والأجناس والأشكال والأنماط والحوافز الأدبية. وإذا كان الشاعر لديه القدرة الكبيرة على استقبال ما يُعتبر بعيد الاحتمال فهو قادر على مفاجأتنا دائماً بالذي لا نتوقعة بل حقيقة الأمر هو قادر على مفاجأة ذاته دون أى بادرة منه لنفسه. فهل تفرق اللغة التى يكتب بها أو اللهجة إلا من حيث من يستطيع قراءتها والتحدث بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* شاعرة مصرية

خاص الكتابة

اقرأ أيضا

موسيقى سيرك