رجوع الشيخ ومرايا محمد عبدالنبي

سامية بكري

بعد سنوات من الكتابة القصصية كان آخرها مجموعة شبح أنطون تشيكوف الفائزة بجائزة ساويرس للقصة القصيرة صدرت الرواية الأولي لمحمد عبدالنبي رجوع الشيخ. تدور أحداث الرواية في دوامة من الحكايات الصغيرة والمشاهدة المتلاحقة حيث يستعيد الشيخ أحمد رجائي فصول حياته بينما يوشك علي وداعها فيظهر في حياته أحمد رجائي الشاب الذي ينافسه في كتابة رواية تحكي أحداث حياته كما ينافسه في حب الشابة مني.

في روايته الأولي يكتب محمد عبدالنبي بروح ساخرة تبدأ من العنوان الذي يحيل إلي كتاب رجوع الشيخ إلي صباه. بينما تفاصيل الرواية توحي بغربة الشيخ وعدم قدرته علي الرجوع.

فعبر طيات مختلفة في الزمان والمكان يحاول البطل أحمد رجائي العجوز أن يسترجع عقارب الساعة متشبثاً بشابين ظهرا في حياته هما أحمد رجائي الشاب ومني العجوز يريد كتابة رواية عن حياته. فتبدأ الرواية وهو يقول “اتخذت قراري ولن أرجع عنه رغم معرفتي بأنني سأموت مع كلمة النهاية.

ثم لا تلبث هذه النبرة التراجيدية الأسطورية أن تتحول إلي نبرة ساخرة عندما يواصل قائلاً : يا سلام لهذه النبرة كل رعونة الشباب وكأنني رجعت شاباً من أول وجديد .. طوال الرواية يسخر محمد من تعريفات الروائي ودوره وصفاته.

الشخصية الرئيسية لها ثلاثة وجوه عبر فكرة المرايا

فربما كان رجائي عجوزاً في يوم وفي زمن ومكان آخر امرأة وشاب. النص به مفاتيح كثيرة تسهل وصول تلك الفكرة للقارئ حيث تذوب الحدود بين تقنية السرد وبين الحكاية نفسها. فالبطل يكتب رواية وله حكاية موازية لذلك والبطلان أو الوجهان لأحران له لهمما حكايتان وأيضاً يشاركاه كتابة الرواية.

تتقاطع خطوط الحكي مع تقنية المرايا نفسها وفي الوقت الذي تكاد تشعر أنك تلف وتدور مع البطل. يأخذك الكاتب إلي نزهة فتراه يلقي بنكتة أو تعريفات ساخرة عن مهنة الروائي.

تجسد الرواية هم الوجود وهم الكتابة والأسئلة الكبري التي تواجهنا في رحلتهما لماذا نأخذ قراراً بعينه؟ لماذا نكتب ولماذا نتوقف لماذا نبدأ مشروعاً ولا نكمله؟

تبرز الرواية براءة ابن الراوي العاق وقدرته علي رسمه مفككاً وليس كاملاً متواصلاً. بينما يشعر هو فعلاً بالتفكيك وعدم الاكتمال في صورة احدة محددة ابنه أيضاً أحد وجوهه. فهو الجانب الفطري الطفولي لكنه العاجز عن التكيف مع الواقع إلا في حالة الابداع رسماً.

بدون تأملات فلسفية كبري ولا تهويمات ولا توجيهات مباشرة للقارئ يقوم محمد بتسريب تلك الجرعة من القلق الوجودي التي تنتاب البطل بوجوهه الأربعة العجوز والشاب والمرأة والطفل.

وبلغة بسيطة موحية تحمل في طياتها الوجع والخوف والاشتياق للتوحد ولو مع الذات يشتاق العجوز أن يكتب بروح الشباب فيستدعي الجانب الشاب في مرآته ويشتاق إلي ظله أو جانبه الأنثوي فتولد مني ويشتاق إلي الطفل فيتذكر ابنه الذي لا يستطيع أن يتحمل نظرات الناس إليه بسبب تأخره العقلي بمقاييسهم إلا بعد تدخين سيجارة حشيش علي جنب في حديقة الحيوان. بعدها يندمج مع طفله أو ذاته الطفلة ويمرح ويقلد الحيوانات ويستمتع بصحبته.

لا تدعوك الرواية لفك أي شفرات أو ألغاز أو تعدك باكتشاف حقائق كبري فقط تأخذ إلي عالم رجائي لتستمتع بصحبة رجل يدعي الكاتب أنه بسيط ثم تكتشف أن وراء بساطته الظاهرة تكمن هوم الإنسان وتساؤلاته وآماله الكبري في التحقق وفي التمرد وفي نفس الوقت في الاستقرار. في التغيير وفي نفس الوقت في الثبات. إنه الإنسان الذي يريد أن يأكل الكعكة ويحتفظ بها في آن. يريد أن يمارس الجنس ويظل قادراً علي الحب الرومانسي. أن يعارض السلطة ويظل حراً دون أن يدفع الثمن بل ويري أن من يتباهون بدفع الثمن حمقي. يريد أن يكتب ليخلد حكايته ويسخر منها في نفس الوقت.

يسخر عبدالنبي من كل التابوهات فالسياسة والثورة والاحتجاج لا تفضي بالبطل إلا لمزيد من احتقاره لنفسه. والجنس يتم الاعتداء علي لحظات الشبق فيه بخروج ريح من المرأة التي سيضاجعها.

إن الكاتب الجيد كما يقول “ادغار آلان بو” “هو من يضع نصب عينيه السطر الأخير عندما يكتب السطر الأول“.

موت الراوي أو المؤلف هو السطر الأخير. النهاية التي اختارها عبدالنبي للرواية يموت البطل في آخر صفحة ويتركك برغبة في إعادة قراءتها مرة أخري.

عودة إلى الملف