موقع الكتابة الثقافي uncategorized 5
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د. مصطفى الضبع

يحدد عنوان رواية “رجل جاء..وذهب” لغازي القصيبي مساحة وجود لشخصية يعقوب العريان، مساحة تتحرك فيها الشخصية عبر خيال الساردة، ولكنه خلافا لما يفضى إليه المشهد الأخير “رجل من البدو. جاء ورحل” ص 95، فهو جاء ليترك أثره على وعى المتلقى  وعلى سلوك الساردة، موزعا وجوده النصى على مناطق ثلاثية قبل النص بوصفه دافعا، وأثناء النص بوصفه تقنية، وبعده بوصفه أثرا حل وأصبح علامة لها حضورها الواقعى.

بين تعدد الرواة، وتعدد المشاهد، وتعدد العناوين التى قد تتكرر تتحرك خيوط السرد فى رواية “رجل … وذهب” منتجة شكلا يجمع بين الرواية فى توحد خطوطها، والمتتالية القصصية فى تعدد مشاهدها المتصلة المنفصلة، المعتمدة منطق الحكى الذى قد تتجاذبه شخوص عدة غير أنه معلق بين شخصيتين تقومان بعبء تشكيل العالم، وإنتاج رموزه الدالة ومن ثم الرموز الأكثر قدرة على تحريك عملية السرد نحو إنتاج الدلالة  النصية.

تعتمد الرواية حركة إيقاعية تتجلى عبر تحريك المتلقى بين منطقتى المجئ والذهاب ( مع ملاحظة مساحة الصمت المشار إليها علاماتيا فيما بين الفعلين، منطقتى التحرك ) فى حركة تبدو غير منتظمة ظاهريا ولكنها تكشف هناك فى العمق أو فيما وراء المستوى الظاهر تكشف عن انتظام لحركة البشر فى اجتماعهم وتفرقهم عبر نموذجين إنسانيين تطرحهما الرواية ( يعقوب العريان – روضة ) وتنبنى عليهما تفاصيل العالم وتقاطعاته فيما يشبه الحلف السردى بينهما، ويمكن للمتلقى الوقوف على كثير من القرائن الطارحة لعدد من التأويلات، من بينها شهرزادية روضة بوصفها المرأة القادرة بما تملك من خبرات على تغيير يعقوب العريان بوصفه نموذج الرجل الممتلك صفات شهريار القديم لا بوصفه ملكا وأميرا يحمل أخلاق النبلاء ولكنه بوصفه نموذجا للرجل فيما يحمل من تعقيدات الرجل الشرقى، وهو ما تكشف عنه الساردة منذ البداية فى محاولتها رسم صورة مراوغة ليعقوب العريان: “… أتمنى أن اقابله. لأبصق فى وجهه. لأقول له إن بنات الناس لسن للبيع. لأقول له إن عهود المرأة / الجارية قد ولت بلا رجعة. لأقول له إنه ليس من حقه أن يكتب كتابا قذرا كهذا. يمتهن كرامتى. ويحتقر أنوثتى ” ص 12، محملة كلماتها معانى الإعلان عن التمرد والثورة.

إن الإشارة الأولى فى العنوان وهى تحمل قدرا من التعبير عن القدرية بين المجئ والذهاب توسع من دائرة الرمز فى دلالتها على حركة الرجل بوصفه نموذجا معبرا عن مستويين: مستوى شهريار القديم بوصفه شخصية إنسانية عابرة للزمن والتاريخ وفى حلوله فى نماذج أخرى عصرية وهو ما يفضى إلى المستوى الثانى فى إحالته على شهريار العصرى المتسم بسمات الرجل النفطى على حد تعبير الساردة التى تعمد إلى تعرية يعقوب العريان ( والاسم هنا ليس من مقتضيات الواقع بقدر ما هو من مقتضيات السرد فالساردة فى وصفها للاسم ” يعقوب ” فى دلالته الجينية على كونه عقبا لجيل سابق أو هو حامل  لجينات وراثية عربية لها طابعها الجاهلى ) والتعرية من حيث كونها صفة ممنوحة له من قبل الساردة، صفة يسهم هو فى تحديدها كما أنها تعمد منذ البداية على تعريته:” يالوقاحة إنسان نفطى يسخر من أصدقائه النفطيين الكهول. وهو – يعقوب العريان !- واحد منهم. يشاركهم تسليتهم. بكامل نفطه. بكامل عريه. وأجهد خيالى لكى أتصوره. إلا أنه يفلت كسمكة طبية إلا ان الصورة تضيع ” ص 12.

 تلعب صيغة التنكير فى إشارتها إلى عمومية الشخصية – إلى حين –تلعب نوعا من التشويق فى إطار إنتاج شخصية ترتبط بدرجة ما بواقعها، قائمة بوظائفها الدلالية بالقدر الذى ينجح فيه مؤلفها فى تقديمها للمتلقى، واعية بعالمها، معتمدة منطق هذا العالم، والعنوان الذى يطرح هذه الصيغة لا يعتمد مجرد التشويق وإنما يطرح أسئلة لها علاقة بالوجود من حيث هو مسافة بين الوعى والعالم، فالعنوان فى طرحه لحركة رجل واسما إياه أنه  جاء وذهب، داعما الفكرة الوجودية ذاتها بما يؤكد وجودها  ويعضد منطلقها الفلسفى معتمدا عددا من الأطروحات فنية الطابع بالأساس فالرجل فى عمومية طرحه يشير إلى حركة إنسانية لكائن بشرى مر من هنا ومقياس المرور ما تركه من تأثير فى غيره من البشر:” رجل من البدو جاء بلا موعد. وذهب بلا موعد. غاب ضاحكا على الأغلب. لم يكن يأخذ حياته مأخذ الجد. جاء وذهب، وترك امرأة تحاول ألا تبكى وتحتفظ بكثير من الحب، وكثير من الذكريات، ومفكرة ستكتب فيها، لنفسها، قصتها معه من بدايتها إلى نهايتها ( ص 10 )، وربما كان العنوان فى وسمه الشخصية بحركة المجئ والذهاب يحدد حركتين متناقضتين كاشفتين فى الوقت ذاته عن البعد النفسى.

تعتمد الرواية طريقة المشاهد المتصلة المنفصلة منتجة ما يسمى بالفاصلة السردية، وطارحة ثنائية تتشكل من روضة فى ثباتها، وأزواجها الثلاثة أو هؤلاء الذين مروا عليها مانحينها خبرة الاستقلال، وهو ما يطرح سؤال العلاقة بين المرأة فى ثباتها والرجل فى حركته، المرأة فى كونها أنثى يختارها رجل، أو كونها إنسانا قادرا على الاختيار.

تقنية الحلم

يمثل الحلم تقنية ألف ليلية، فالحلم فى حضوره فى سياق السرد يجعل من النص حكاية إطارية له، ويكون بمثابة المشهد السردى ذى المكان المغاير الطارح عالما قد يتماس مع أو يضاد أو يكون صدى للنص ذاته أو لعالمه الأكثر تأثيرا فى تشكيل الحلم ذاته فالأحلام خلفية نفسية للشخصيات تساهم بقدر كبير فى تشكيل البعد النفسى للشخصيات وكلما اتسعت مساحات الحلم تكشفت مساحات صورة الإنسان حال  طموحه وقهره وعبثه وجديته وقدراته وعجزه وغيرها مما يساهم فى تشكيل سياق نفسى واضح المعالم، وهو ما يتجلى فى الحلم الكاشف عن شخصية روضة، تلك التى تستمد صورة حياتها من أحلامها، وهى أحلام تتسم بالوضوح كأنها واقع مستقبلى يطرح نفسه:” جاء الحلم، كأحلامى كلها، غاية فى الوضوح، وتفاصيله كالتفاصيل فى أحلامى كلها، بالغة الدقة..” ص 13.

يلعب الحلم عددا من الأدوار التى تتوزع بين التقنية والموضوعية بوصفه يمثل واقعا موازيا، ويشكل مساحات لطموح الذات فى تشكيل عالم مواز لعالمه، ومحاولة انعتاق من هذا العالم المرئى إلى عالم مرئى بقوة الخيال، عالم موجود بالقوة فى مقابل الواقع الموجود بالفعل، وهو ما يقترب من وضعية الحلم بوصفه تيمة نفسية أو اداة نفسية كاشفة عن دخائل الشخصية ومن ثم تحولها إلى نموذج نفسى.

تقنية الحب

يتجلى الحب فى الرواية لا بوصفه موضوعا وإنما بوصفه تقنية تلعب دورها التقنى فى سياق الرواية وتقوم بطرح عدد من العناصر ذات التأثير فى إنتاج الدلالة لا على مستوى المعجم النصى الذى يتشكل وفق العاطفة، وعلى نحو خاص منها ( يمكن للمتلقى رصد ذلك من خلال المفردة مباشرة، مفردة الحب بوصفه علامة قد تطرح بصورة سلبية أو إيجابية فكرة الحب أو مفهومه، أو غيرها من المفردات ذات العلاقة الدلالية بحقل الحب الدلالى، كما يمكن للمتلقى رصد عدد من العناصر ذات العلاقة بالحب فى تأثيرها، منها على سبيل المثال لا الحصر تلك الرائحة التى يتركها يعقوب لا بوصفه رجلا يلعب دور البطولة وإنما بوصفه محبا أو داخلا فى نسيج علاقة الحب، فالحب يفعل عمل الحواس ويزيد من فاعليتها ويعطى للأشياء مساحات أكبر من الفاعلية حتى أنها قد تكون اختزالا أو علامة على المحبوب، كما أنه يكشف عن جانب من نفسية المرأة، وبخاصة وعيها بالعالم فى غياب المحبوب: ” سافر يعقوب ونسى منديله العابق بدهن العود، وضعته فى مكان آمن تحت السرير، فى غرفة نومى مع منصف، وأخذت أستنشقه مرات عدة فى اليوم، وفى كل مرة، أنتقل إلى عوالم غريبة مليئة بالجمال، والجوارى، والقصور، والبخور، وشهريار الذى استسلم لشهرزاد فى الليلة الأولى، ولكنه ترك عطره جاسوسا أمينا ينام تحت سريرها ويحصى عليها حركاتها وسكناتها ” ص 38.

يعمل الحب على إظهار فلسفة المحب وحكمته أو رؤية العالم ممررة عبر بوابة الحب، مبتكرا  مجالا حيويا من الاكتشاف، ذلك الفعل المؤطر لحركة الإنسان وسلوكياته، مدخلا الحب فى سياقات الحياة جميعها، ومختزلا الحياة فى فعله:” الحب الحقيقى لا يتضح قبل فعل الحب، ولا خلال فعل الحب، ولكن بعد فعل الحب ” ص 50.

تداخل الأنواع والتناص

فيما يمثل التقنية الأكثر تجليا تجمع  الرواية بين تقنيتى: تداخل الأنواع والتناص  مما يعطى الفرصة للجمع بين القصة القصيرة، والأغنية والشعر والمسرح، وظهور أمشاج من نصوص متعددة يأتى فى مقدمتها المدخل فى تناصه مع الشاعر العربى المعروف إبراهيم ناجى ( الذى يشغل مساحة واضحة من إبداع الكاتب، حيث تتكرر نصوصه فى مقدمة عدد من الأعمال، منها على سبيل المثال : الجنية ).

فى الرواية يتداخل الحكى مع الشعر مع الأغنية مع المسرح، وكلها فنون لها قدرتها على ابتكار سياق فنى تتجانس عناصره بقدر ما تتعاضد لإنتاج الدلالة النصية

ويعتمد الكاتب تقنية القطع السينمائى منتجا صيغة للمشهد السينمائى الذى يعنى تجدد المشاهد وتعدد المقاطع / المشاهد (86 مقطعا مشهديا ) تتعدد عتباتها النصية لتكون بمثابة استهلالات متعددة لهذه المشاهد القائمة بدورين متوازيين: دور الفواصل فى سياق المشهد السينمائى، ودور المؤشرات الاختزالية لمجموعة المشاهد / العلامات فى سياق الرواية بكاملها وعلى مستوى النص السردى فى مجموع علاماته التى تتأسس على الاستهلالات الجديدة، كما أنها تؤسس لإحصائية قائمة على سرد مجموعة التفاصيل الدالة فى كل مشهد وعدد مرات تردد مفردات الرواية الكبرى من أشخاص وأشياء وعلاقات بين هذه العناصر وهو ما يتجلى فى ذلك الكم من الاستهلالات النصية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الشكل من التقنيات النصية وإنما يعتمد النص الروائى فى تشكيله طرائق متعددة للحكى، منها على سبيل المثال:

  • تقنية القصة القصيرة حيث النصوص متصلة منفصلة قائمة على تعدد العتبات ومن ثم تعدد البدايات المشيرة إلى القطع فيما هو متصل، وكونها استهلالة جديدة لمشهد سردى متجدد.
  • المفارقة فى الاستهلال الأول حيث يأتى عنوان المشهد الأول ” النهاية “، والتالى له البداية طارحا مستوى من مستويات القراءة التى يكون فيها المتلقى مدفوعا لاكتشاف الأحداث التى آلت إلى هذه النهاية المبكرة، وهو ما يجعل من الاستهلال السردى متسما بطابع بوليسى ” خبر صغير فى جريدة ” الشروق “، يتوارى فى صفحة من صفحاتها الداخلية. غياب الروائى المعروف يعقوب العريان، ظريفة ” غياب ” هذه. لا مبرر للقلق. مجرد غياب. فى مصح خارج لندن. على إثر صراع طويل مع مرض عضال ” الرواية ص 9.

مقولات النص، وأسئلته  

فى سياق التشكيل اللغوى للنص وهى مجموعة من المقولات متعددة الوظائف، والدلالات تأخذ خصوصيتها من صيغتها المغايرة أولا، ومما تطرحه من معان تبرز فيها خبرات السارد الحياتية ومساحات وعيه ثانيا، وتجعل من الواقع مساحات حضور، مساحات قد تحيل إلى محاولة تشكيل واقع مثالى  فى عالم الشخصيات،  تكشف بدرجة ما عن قدرة النص على اكتناز مثل هذه المقولات المطروحة بوصفها علامات لغوية فى مستواها الأول، ومساحات للتأمل فى مستوى ثالث، وتطرح مستوى من مستويات المجاز، قد تبدو صارمة وصادمة للوهلة الأولى أحيانا، ولكنها وفق منطق النص يكون لها ما يبرر وجودها أو الإيمان بها، وللمتلقى أن يراها بوصفها داخلة فى مجال النص الحيوى ومؤسسة لمنطقه الخاص أو قادرة على تشكيل النص بوصفه مؤسسة قادرة على طرح مبادئها وقوانين عملها، كما أن للمتلقى أن يراها  بوصفها بيت القصيد على طريقة الشعر، ثم هى فى النهاية تمثل نوعا من أنواع رؤية العالم إن لم تكن هى نفسها مشكلة القواعد الأساسية لرؤية العالم، ومنها:

  • التطرف القائم على مبدأ ليس عيبا ( ص 43 ).
  • الشعر هو حياتنا، أما الرواية فهى حياتنا كما نتمنى أن تكون. (ص 49).
  • السعادة لا تجئ إلا فى قطرات صغيرة جدا. بمجرد أن تمتلئ الكأس بالقطرات يضرب القدر ضربته ( ص 46).
  • المرأة التى لا تستطيع إبقاء زوجها شابا إلى الأبد لا تستحق لقب امرأة(ص 75 ).
  • العالم العربى كله يقع داخل جمهورية الخوف (ص 80).
  • ليس للتخلف علاج سوى الحرية (ص 87).
  • نحن نصنع بخيالنا ما تمنعنا طبيعتنا من عمله (ص 92).

ولأن كل نص ليس قادرا على طرح أسئلته الخاصة لا يعول على قدرته فى إنتاج دلالته بقدر يكفى لأن يحسب له قيمته، وليست أسئلة النص تتوقف عند الشكل المباشر للأسئلة المختومة بعلامات الاستفهام وإنما هى أسئلة الأعمق منها أحيانا ما يكون غير مباشر يسعى بدرجة أو بأخرى إلى تفكيك العالم وعرض مقولاته للمساءلة الدلالية إلى جانب كونها آليات للمعرفة على مستوى النص من داخله، أو على مستواه من خارجه.

تثير الرواية الكثير من الأسئلة حول كنه يعقوب العريان أكثر مما تثير حول روضة تلك التى سعت فى معظم الأحيان إلى الكشف عن العريان أكثر مما تكشف عن نفسها، حيث وضعت العريان فى مواجهة مرآة محاولة أن يرى نفسه من خلالها ومن ثم مارست عليه عددا من العذابات التى اعترفت هى بممارستها مخالفة طبيعتها الأنثوية حتى ياتى الوقت الذى تقر فيه بذلك ولكن بعد ان تشعر بلذة المنتصر مما يثر تساؤلا عن طبيعة روضة النفسية التى تبيح لها فعل ذلك، والتمادى فيه وتغييره بين لحظة وأخرى كاشفة عن طبيعة العلاقة الصراعية الدائمة بين الرجل والمرأة:” وفجأة، قررت أنه لا مبرر للمزيد من الإذلال. قررت أن المعركة انتهت فى الجولة الأولى بانتصارى الساحق على المحامى الخليجى الثرى. وفى نشوة الانتصار قررت أن آخذه إلى الشاطئ، وأن أمتلك جسده. جسد عبدى ! ” ص 34.

جاء يعقوب إلى مجال روضة، وذهب ولكنه لم يرحل ولم يكن ذهابه سوى امتداد للمجئ وليس رحيلا كما طرح نفسه فى البداية، ولم يكن لغيابه أثر الذهاب وإنما كان لغيابه أثر الوجود بما ترك من آثار على روضة بكل ما تحمله من رمزية، وما تؤكده من علاقة بواقع يتضمن عشرات كان هو اختزالا لهم.

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:193. Generation time:2.950 sec. Memory consumption:44.38 mb