موقع الكتابة الثقافي uncategorized 87
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

إيتالو كالفينو

ترجمة: ناصر الحلواني

هذا سبب دعوتي لك يا موللر؛ فحيث أن استقالتي قد قُبلت، فمن المنتظر أن تكون أنت من يخلفني، وتعيينك مديرا أصبح وشيكا. أرجو ألا تتظاهر بأن الأمر مفاجأة لك، فالإشاعات تدور منذ فترة، وأنا متأكد من سماعك إياها. كما لا شك أن من بين النخبة من شباب المؤسسة، أنت الأكفأ، فأنت، يمكن القول، الشخص الذي يعرف كل أسرار عملنا. أو هذا، على الأقل، ما يبدو. دعني أوضح لك: أنا لا أتحدث إليك بمبادرة مني، إنما طلب مني رؤسائي أن أخبرك بذلك. يبقى هناك شيء أو اثنين لا تعرفهما بعد، موللر، وقد حان الوقت لتعرفهما. أنت تتصور، مثل الجميع، فيما يخص هذا الأمر، أن مؤسستنا تقوم لأعوام بإنشاء أكبر مركز للوثائق يفوق كل ما سبقه، وأنه أرشيف يجمع في مكان واحد، ويسجل كل شيء عن كل شخص، وحيوان، وشيء، عن طريق الحصر العام، لا لما هو حاضر فحسب، ولكن لما سبق أيضا، لكل شيء حصل منذ بدء الزمان، أو بالأحرى، تسجيل لكل شيء لحظة بلحظة. هذا بالفعل ما نقوم به، ويمكننا الشعور بالرضا أن المشروع في تطور واضح: لم نجمع فحسب محتويات معظم المكتبات المهمة في العالم، وكذلك الفهارس والمتاحف والدوريات الخاصة بجميع الأمم، في كروت الأرشفة، ولكن بالإضافة إلى ذلك، جمعنا قدرا هائلا من الوثائق بنحو متخصص، لكل شخص، ولكل مكان. وقد مرت جميع هذه المواد بعملية اختزال لوضعها في صيغتها الجوهرية، المكثفة، والمصغرة إلى أقصى حد، وهي عملية لا حدود لأقصاها بعد، مثلما تخزن كل الصور القائمة والممكنة على شريط ميكروفيلم صغير، فيما تحوي البكرات الميكروسكوبية لشريط ممغنط كل الأصوات التي تم تسجيلها وكل ما يمكن تسجيله لا حقا. ما نخطط له هو بناء أرشيف مركزي للجنس البشري، ونخطط لتخزينه في أصغر مساحة ممكنة، تقارب خطوط الذاكرة الفردية في عقولنا.

لكن هذا لا يستحق الوقت الذي أكرر فيه ذلك، على مسمع الشخص الذي حاز على قبول مؤسستنا، لتولي مشروع بعنوان “المتحف البريطاني مختصرا”. نسبيا، كنت معنا على مدى أعوام قليلة فحسب، ولكنك الآن أصبحت على دراية بأعمالنا مثلي، وأنا، أو كنتُ، مدير المؤسسة. ما كنت لأترك هذا العمل أبدا، أؤكد لك، إذا ما ظل لدي القدرة على ذلك، لكن منذ الاختفاء الغامض لزوجتي وأنا غارق في حالة من اليأس لم أشف منها بعد، وكان من الصواب، من جانب رؤسائي ـ قبول ما هو، على أية حال، رغبتي ـ أن يقرروا تعيين من يحل محلي، لذا وقع الاختيار عليَّ لإخبارك بتلك الأسرار الرسمية، التي تم حجبها عنك إلى الآن.

ما لا تدركه هو الغاية الحقيقية لعملنا؛ إنه يتعلق بنهاية العالم، موللر. إن عملنا يقوم على توقع اختفاء الحياة على الأرض. نحن نعمل على ألا يضيع كل شيء، وبذلك يمكننا نقل كل معارفنا إلى الآخرين، حتى وإن كنا لا نعرف من هم، أو قدر معارفهم.

هل يمكنني أن أقدم لك سيجارا؟ إن التنبؤات المتعلقة بعدم قدرة الأرض على دعم الحياة، أو الحياة الإنسانية على الأقل، ما كان لها أن تزعجنا طويلا. لقد كنا مدركين منذ زمن أن الشمس تمر بمنتصف دورة حياتها، وإن مرت الأمور بشكل جيد، فسينتهي كل شيء في غضون أربع أو خمس بلايين سنة. معنى ذلك، أن المشكلة سوف تواجهنا خلال فترة محدودة، المسألة الآن أن الوقت النهائي صار قريبا للغاية، وليس لدينا وقت لنضيعه، هذا كل ما في الأمر. بالطبع، فإن انقراض الجنس البشري ليس احتمالا طيبا، ولكن البكاء بسببه لا يقدم غير عزاء فارغ، مثل ما يحدث عند الحزن على موت شخص ما (ما زلت أفكر في عزيزتي أنجيلا، اغفر لي مشاعري). لا شك أن هناك ملايين الكواكب التي تدعم أشكال الحياة المماثلة لحيواتنا، لا يهم كثيرا ما إن كان منا من سيعيش عليها، أو نسلهم، أو أن نكون نحن من يعمل حتى تحين المغادرة، ما يهم هو أن نمنحهم ذاكرتنا، تجميع الذاكرة العامة، بواسطة المؤسسة التي ستصبح أنت، موللر، مديرها.

لا يروعك الأمر، سيظل مجال عملك كما هو الآن، لقد تم تصميم نظام نقل ذاكرتنا إلى الكواكب الأخرى بواسطة قسم آخر  في المؤسسة، لقد أوقفنا عملنا، ولم نعد حتى في حاجة للانشغال بتقرير ما إذا كانت الوسائط  بصرية أم سمعية. بل حتى لم يعد الأمر متعلقا بنقل المعلومات، وإنما بحفظها في مكان آمن، تحت القشرة الأرضية؛ فأثناء التجوال في الفضاء، قد يتم العثور على بقايا كوكبنا ذات يوم، ويتم استكشافه من جانب علماء آثار من خارج المجرة. كما لم يعد يشغلنا الكود أو الأكواد التي سيتم اختيارها؛ هناك قسم مخصص لاكتشاف طريقة تجعل ما نملكه من معلومات مفهوما أيا كانت المنظومة اللغوية التي يستخدمها الآخرون. بالنسبة لك، كما علمت الآن، فإني أؤكد لك أن شيئا لن يتغير، عدا المسئولية التي ألقيت على عاتقك. هذا ما رغبت في الحديث معك عنه.

ما الذي سيكون عليه الجنس البشري في لحظة انقراضه؟ قدر معين من المعلومات عن نفسه والعالم، قدر ضئيل، بافتراض أنه لن يعود قادرا على التكاثر والنمو. لوقت محدد، سيتمتع الكون بفرصة رائعة لجمع ومعالجة المعلومات، ولإنشائها، لكي تولِّد معلومات هناك، في ظروف أخرى، حيث لا يوجد من يقدم معلومات، ولا شيء يُعلمهم عنها، وعن أن الحياة على الأرض كانت على هذا النحو، وقبل كل شيء، الحياة الإنسانية، وذاكرتها، واختراعاتها، لأجل التواصل والتذكر. ومؤسستنا تضمن ألا يضيع هذا الكم من المعلومات، بغض النظر عما كان سينتقل إلى الآخرين أو لا. إن مهمة المدير هي التأكد أنه لم يُغفل شيء، لأن ما يتم إغفاله سيكون كأن لم يكن أبدا. سيكون من مهامك أيضا، في الوقت نفسه، التعامل مع أي عنصر قد يؤدي إلى حدوث تشوش أو غموض للعناصر الأكثر جوهرية، كما لو أنه غير موجود من قبل ـ أي شيء، أعني، أنه بدلا من أن يؤدي إلى زيادة كتلة المعلومات سوف يولد قرقعة وفوضى لا معنى لها. ما يهم هو النموذج العام الذي تشكَّلَ بواسطة مجمل معلوماتنا، والذي يُستنتج منه ما لم نعطي أو حتى نملك من المعلومات. باختصار، عدم إعطاء أنواع محددة من المعلومات، فالمعلومة تعطي أكثر من معلومة إذا ما فعلنا ذلك. النتيجة النهائية لعملنا ستكون نموذجا بحسبه يُعتبر كل شيء معلومة، حتى ما لم يوجد. حينها فقط، سيكون من الممكن القول أن الأهم من ذلك كله، أو بالأحرى مما كان بالفعل، حيث أن ما ستنشئه الحالة النهائية لأرشيفنا مما هو كائن، وما كان، وسوف يكون، وكل شيء آخر، هو لا شيء.

بالطبع، هناك لحظات تمر بنا في عملنا ـ سوف تعلم بها أنت أيضا، موللر ـ عندها يميل المرء إلى تصور أن ما يهم فقط هو ما يروغ من التسجيل في أرشيفنا، وأن ما يمر دون أن يترك أثرا هو موجود بالفعل، بينما لا يوجد في سجلاتنا غير مخلفات غير فاعلة، متروكات، مخلفات. تأتي تلك اللحظة عندما يبدو أن التثاؤب، الذبابة الطنانة، الحكة، هو الثروة الوحيدة المتوفرة، تحديدا لأنها عديمة النفع تماما، تحدث مرة واحدة وللأبد، ومن ثم تُنسى على الفور، تتجنب المصير الرتيب  لكونها محفوظة في ذاكرة العالم. من يمكنه استبعاد احتمال أن الكون يتكون من شبكة غير مترابطة من اللحظات التي لا يمكن تسجيلها، وأن مؤسستنا لا تفعل شيئا سوى إنشاء صورتها السالبة، إطار حول الفراغ واللامعنى.

لكن الغريب في مهنتنا هذه: أننا ما إن نهتم بشيء، حتى نرغب في أن نضيفه إلى ملفاتنا على الفور، والنتيجة، أعترف أنني كثيرا ما وجدت نفسي أسجل تثاؤبات، وبثور، وجمعيات فكرية غير ذات فائدة، نغمات قصيرة دندنت بها، ثم دسستها بين كتلة المعلومات الأكثر فائدة. بالنسبة لمنصب المدير الذي أنت بصدد توليه، فإن من امتيازاته: الحق في أن تضع بصمتك الشخصية على ذاكرة العالم. أرجوك افهمني، موللر، أنا لا أتحدث عن مكتبة اعتباطية، أو استغلال للسلطة، لكن عن عنصر لا غنى عنه في عملنا. إن كتلة باردة من المعلومات الموضوعية وغير القابلة للجدل، قد تؤدي إلى خطورة تقديم صورة بعيدة عن الحقيقة، تزييف لما هو مميز في أي موقف. افترض أننا تلقينا رسالة من كوكب آخر، تشتمل على وقائع خالصة، وقائع من الوضوح كما لو أنها بيان ظاهر: ما كنا لنعبأ بها، وربما لا نكاد نلاحظها. فقط الرسالة التي تحوي شيئا غير متوقع، شيئا مريبا، أو يصعب فك شفرته، هي التي ستخترق عتبة وعينا، وتفرض استقبالها وترجمتها. يجب أن نأخذ ذلك في الاعتبار: مهمة المدير هي منح كل ما نجمعه من معلومات، وتم اختياره من قبل مكاتبنا، ذلك الميل الشخصي الطفيف، تلك اللمسة من تغليب الرأي الشخصي، والمغامرة، التي تمسُّ الحاجة إليها لتكون حقيقية. هذا ما أردت تحذيرك منه، قبل أن تتسلم الأمر: في المواد المجموعة حتى الآن، ستلاحظ، هنا وهناك، علامات بخط يدي ـ علامات دقيقة للغاية، أتفهم ـ  نثار من التقييمات، لوقائع تم منعها، ومنها أكاذيب.

فقط بالمعنى الساذج يمكن للأكاذيب أن تستبعد الحقائق، وستدرك أنه في حالات كثيرة ـ أكاذيب المريض مع المحلل النفسي على سبيل المثال ـ تكون الأكاذيب دالة كالحقيقة، إن لم يكن  بأكثر منها، وهذا نفسه سيكون حقيقي لمن سيترجمون رسالتنا. ما أخبرك به الآن، موللر، لا أخبرك به لأن رؤسائي طلبوا مني ذلك، وإنما أنقل لك خلاصة تجربتي الشخصية، في حديث الزميل لزميله، رجل لرجل. اسمع: الكذبة هي المعلومة الواقعية التي يجب أن ننقلها. بالتالي، لم أحرم نفسي من اللجوء إلى الكذب الحصيف، في المواضع التي لا تعقِّد الرسالة، بل على العكس من ذلك؛ تبسِّطُها. عندما يكون الأمر متعلقا بي تحديدا، كنت أشعر أنه من الجائز لي أن أسترسل في التفاصيل غير الحقيقية ( لا أرى في ذلك ما قد يسبب إزعاجا لأي شخص). حياتي مع أنجيلا، على سبيل المثال:  وصفتها بمثل ما كنت أتمنى أن تكون، قصة حب رائعة، نبدو فيه، أنا وأنجيلا، كعصفوري حب خالد، سعيدان في وسط كل أشكال المحن، بمشاعر ملتهبة، ووفاء. لم يكن الأمر كذلك بالضبط، موللر، لقد كانت راضية بالزواج بي، ولكن سرعان ما شعرت بالندم،  كانت حياتنا سلسلة من الأسى والخداع. لكن ما يهم هو ما كان من أحداث يومية؟ في ذاكرة العالم، ستكون صورة أنجيلا تامة، ومثالية، لا يلوثها شيء، وسأظل دوما الزوج  المحسود على ذلك.

في البداية، كان كل ما علي عمله هو إضافة بعض الرتوش على المعلومات التي تتوفر عن حياتنا اليومية. ولكن جاءت اللحظة التي واجهت فيها الحقائق التي وجدتها بنفسي، بعدما بدأت في متابعة أنجيلا يوما بعد يوم (ثم تجسست عليها، وأخيرا داومت على مراقبتها) وأصبحت تلك الحقائق أكثر تناقضا، وغموضا، لتبرر أسوأ الشكوك. ما الذي كان عليَّ فعله، موللر؟ هل أكدر صورة أنجيلا الناصعة، لينة الجانب، الرائعة، والمحبوبة، وأجعلها عصية على الفهم، أصبغ بالعتمة أكثر الأضواء إشراقا في كل سجلاتنا؟ لم أتردد للحظة، وكنت أستبعد، يوما بعد يوم، تلك الوقائع. لكن الخوف من أن دليلا ما، أو إشارة، أو لمحة يمكن أن يُستدل بها عن حقيقتها،  عن ما فعلته في تلك الحياة الانتقالية، لازمني وظل يحوم حول صورتها المكتملة. استغرقت أياما في المختبر، أختار، وألغي، وأحذف. كنت غيورا، موللر، ليس من حالة أنجيلا الانتقالية ـ فتلك لعبة خسرتها بالفعل ـ ولكن غيرتي من المعلومة ـ أنجيلا، فسوف تحيا بقدر حياة الكون نفسه.

إذا كان على المعلومة /أنجيلا ألا تتلوث، فإن أول ما يجب عمله هو إيقاف أنجيلا الحية من فرض نفسها على تلك الصورة، عندها اختفت أنجيلا، ولم تُجدي كل جهود البحث عنها. ربما لا يكون  مهما، موللر، بالنسبة لي، أن أخبرك كيف تخلصت من الجسد قطعةٌ قطعة. أرجوك، اهدأ، تلك تفاصيل غير مهمة بقدر ما يتعلق الأمر بعملنا، لأنني أظل، في ذاكرة العالم، ذلك الزوج السعيد، والأرمل الذي لا عزاء لحزنه، والذي تعرفونه جميعكم. لكن ذلك لا يجلب راحة البال؛ فالمعلومة /أنجيلا لا تزال جزءا من نظام المعلومات، الذي يحوي معلومات قد تكون محل ترجمة ـ سواء بسبب تشوش البث، أو خلل ما في أجزاء محلل الشفرة ـ باعتبارها غامضة، أو إشارات غير مكتملة، أو تلميحات، أو افتراءات. قررت تدمير كل المراجع الخاصة بكل من كانت أنجيلا على علاقة بهم. كنت حزينا لذلك، حيث لن يكون هناك أي أثر لبعض زملائنا في ذاكرة العالم، وسيبدو كما لو لم يكن لهم وجود من قبل.

أنت تظن أنني أخبرك بذلك كله لرغبتي في أن تتواطأ معي، موللر، الأمر ليس كذلك. أشعر أن من الواجب علي إخبارك بالمعايير القصوى التي كنت مجبرا على اتخاذها، للتأكد من أن المعلومات الخاصة بكل شخص، يُحتمل أنه كان عشيقا لزوجتي، قد تم استبعادها من السجلات. أنا لست قلقا من أية عواقب تقع عليَّ، فما بقي لي من أعوام قليلة لأعيشها تعد تافهة مقارنة بالخلود الذي اعتدت قياس الأشياء به، وبالشخص الذي كنت عليه بالفعل، والذي أنشأته بدقة، وأسكنته في بطاقات التسجيل.

وإذا لم يكن هناك ما يحتاج إلى تصحيح في ذاكرة العالم، فإن ما يبقي فعله هو تصحيح الواقع، حيثما يتعارض مع تلك الذاكرة. مثلما محوت وجود عشيق زوجتي من كروت التسجيل، لذا وجب علي أن أمحو وجوده من الحياة، وهذا هو السبب في أنني أشهر مسدسي، وأصوبه نحوك، موللر، وأسحب الزناد، وأقتلك.