موقع الكتابة الثقافي uncategorized 68

حسن عبد الموجود

الصدفة وحدها قادتنى إلى اللقاء الأول مع الأستاذ نجيب محفوظ فى 98. كان ذلك فى نهاية العام، وفى يوم ماطر. خطوت على الموكيت فى عوامة فرح بوت، وكان حارسه الشخصى يقف على مدخل القاعة التى يجلس فيها مع حرافيشه. "الداخلية" عينت الحراسة عليه منذ حادثة طعنه بمطواة فى رقبته على يد شاب متشدد لم يقرأ له حرفًا، وقرر إنهاء حياته، لأن هناك من قياداته من قال له إن محفوظ يزدرى الذات الإلهية، ويسخر من الأنبياء. كان وجهى غريبًا بالنسبة إلى الحارس، ولهذا نهض من الكرسى الذى يجلس عليه، مشيرا إلىّ بصرامة أن أتوقف، لكن الروائى جمال الغيطانى قال له إنه زميلى، فعاد للجلوس.

فى الداخل وقعت عيناى عليه. كان يجلس متقوقعًا فى ركن من كنبة ضخمة، ويرتدى “بلوفر كحلى” أسفله قميص مخطط، وحوله يوسف القعيد وزكى سالم وعماد العبودى وغيرهم. صاح الغيطانى باسمى بصوت عالٍ، حتى يسمع، ولكنه لم يبد عليه رد فعل، وتحرك الغيطانى حتى أصبح فى مواجهته، مشيرا إلىّ بإصبع وصائحًا باسمى، فقال محفوظ بوجه جامد وبصوت عالٍ مميز “أهلا وسهلا”. تقدمت منه وسلمت عليه وطلب من الغيطانى أن أجلس بجواره لألتقط صورة، وكان المصور زميلى يوسف ناروز. بعد ثانية أو اثنتين من جلوسى فعل محفوظ شيئًا غريبًا، إذ نظر ناحيتى وأطال النظر وشعرت بالارتباك. كانت نظرة شخص قلق ومرتاب، وتدخل الغيطانى صائحًا باسمى مرة جديدة، وأضاف “ده اللى أنا عرفتك عليه من شوية”.

قال لى بعض الأصدقاء إن محفوظ نسيك سريعًا، وهو يتوتر من رؤية الغرباء من الشباب، كانت حادثة الطعن تلقى بظلالها عليه، وتركت تأثيرًا نفسيًّا سيئًا عليه، خصوصًا أنها أثرت فى قدرته على الكتابة. عمومًا فى ذلك اللقاء لم يتسن لى الاستماع إلى كثير من تعليقاته، فقد كان صامتا ويستمع إلى تعليقات الآخرين، وكان كلما قدم شخص من الحرافيش يهتف بنفس نبرته المميزة “أهلا وسهلا”. فى موقف آخر، بعد شهور على هذا اللقاء، أسمعنى الغيطانى تسجيلا لحوار بينهما عن محاولة وضع اليد على جزيرة الدهب. كان هناك كلام عن رغبة جمال مبارك فى اختطافها لنفسه هو ومجموعة من أصدقائه رجال الأعمال، وطرد سكانها الغلابة وتشريدهم، وسأله الغيطانى عن رؤيته لما يجرى، فقال محفوظ “والله أنا شايف إن المستثمرين ممكن يعملوا مشاريع كويسة للغلابة دول على الجزيرة”، وسأله الغيطانى بدهشة شديدة “مشاريع زى إيه”، وفوجئ بالإجابة الساخرة “زى الفنادق الخمس نجوم”. كانت هذه هى طريقته فى انتقاد الأوضاع، لم يكن يتحدث بشكل مباشر غالبًا، لكن سخريته كانت قادرة على النفاذ وإصابة الهدف وإثارة الضحك فى نفس الوقت.

اللقاء الثانى أيضًا كان فى عوامة فرح بوت بعد سنوات. المناسبة عيد ميلاد الغيطانى الستين. كنت أعرف أن الأستاذ محمد حسنين هيكل سيحضر، وأيضًا الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى. وصلنا قبل هيكل، وحاول يوسف القعيد الحديث فى السياسة، خصوصًا مظاهرات كفاية وتحريكها شيئا من الأمور الراكدة، لكن فجأة صاح زكى سالم “يا ريت بلاش كلام فى السياسة، الأستاذ مرهق”!

عرف الجميع أن هيكل على مدخل العوامة، ذهب البعض لاستقباله، ونهض الآخرون ليسلموا عليه. قال أحد الواقفين الأستاذ هيكل جاب تورتة 80X80، ورد محفوظ ببديهته الحاضرة “دى تورتة ولا محل حلوانى؟!”، وانفجر الجميع فى الضحك. طلب محفوظ من الغيطانى القراءة من عمله “نثار المحو”، وطلب من الأبنودى إلقاء قصيدة، واستجابا، وفجر هيكل مفاجأة حينما قال إنه كان شاعرًا، وكتب قصيدة فى حب بنت الجيران، بينما تحدث إبراهيم المعلم عن حقوق الملكية الفكرية، والسطو المتتالى على الأعمال، مؤكدًا أنه لا بد من مجابهة هذا.

اللقاء الثالث مع الأستاذ نجيب كان فى منزله بالعجوزة، بالقرب من مستشفى الشرطة الذى تم نقله إليه عقب إصابته فى رقبته. أذكر أن زوجته فتحت لنا، وجلسنا فى الصالة التى تضم مكتبة صغيرة، وقلت فى نفسى “مستحيل أن تكون هذه هى مكتبة أديب (نوبل)، من المؤكد أنها فى مكان آخر”. كانت المناسبة صدور “ليالى ألف ليلة” لمحفوظ فى طبعة خاصة يدوية فى أمريكا، كل نسخة من النسخ الخمسمئة تكلفت خمسة آلاف دولار. جلس على الكنبة بناء على طلب المصور الذى وضع نسخة من العمل إلى جواره، كانت النسخة ضخمة جدًا، وبعد ثوانٍ قال المصور للأستاذ “ممكن تبص ناحية الكتاب حضرتك يعنى”، ورد عليه محفوظ بخفة دم “أخاف أحسن أقع”! سألته عن تمثيلية الانتخابات الرئاسية التى تجرى بمشاركة عدد من الأشخاص يعرفون أن مبارك سينجح بورقة الجوكر كالعادة، وكان من بينهم نعمان جمعة “المشّاء” نسبة إلى الجولة التى سار فيها على قدميه من آخر بلاد المسلمين إلى الشرابية، وأيضا الدكتور أيمن نور الذى سيدفع الثمن غاليًّا، وفاجأنى “أهلا بالديمقراطية، حتى ولو كانت من خلال تمثيلية”!

 

 

عودة إلى الملف