حوار مع الشاعر عمر ابن أبي ربيعة

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

قبل أن نراهُ ونجتمع به،كانت الإشاعات تتداول مقتله في الجنة على يد الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد.إلا أن ذلك لم يكن غير هرطقة لبعض المناوئين للشاعر في السوشيال ميديا.فما أن اقتربنا من منطقة ((تلال الأنفس )) الواقعة في السماء الثالثة،حتى ظهر علينا الشاعرُ الأموي عمر بن أبي ربيعة (نوفمبر 644 م مكة ـ 719 م مكة)

بالحذاء الرياضي وبشورت مرقط مثل جلد نمر،ويدهُ ممسكةٌ رمحاً شبيها بذاك الذي كان يستخدمه المقاتل الاسباني دون كيشوت في معاركه مع طواحين الهواء.

كان المشهد الأول بعد مصافحة الشاعر والتعرّف عليه في مدخل السُّرادِق أو الفسطاط الذي كان يقيم فيه قَلِقاً.فقد أخذنا الظنُ بأن نربط ما بين الرمح وتلك الإشاعة.اعتقدنا بأن حملَ عمر لذلك الرمح،كان من باب الدفاع عن النفس،وليس لأنه كان منخرطاً بمسابقة دولية خاصة بأعمال الفروسية،ومنها رمي الرمح.

ما أن جلسنا متقاربين متقابلين،حتى تقدم منا غلامٌ وسيمٌ بثياب سوداء من الموسلين الشفاف، ووزعَ بقلاوةً في صحون من الخزف.ثم أعقبهُ غلامٌ جميلٌ آخر،ليقدم لنا أكواباً من حليب الإبل.استغربنا الأمر،ووقعنا في حيرة مما يحدث.كيف تغيب الإناث عن هذا المشهد في سردق عظيم لشاعر،سبق وان احتلت النساء جلّ وجوده وشهرته؟!1

لم نمضِ على طريق تلك الحيرة مطولاً.تركنا الأمر لصاحب الأمر وسألنا عمر قائلين:

■ قيلَ أنكَ ولدتَ ليلة مقتل الخليفة عمر بن الخطاب،لذلك مُنحت اسمه.هل كان ذلك تبريكاً عائلياً باسم خليفة من الخلفاء الراشدين،أم كان وعداً من أجل أن تأخذَ بالثأر من قتلتهِ؟

_ ومن أين لي أن أعرف ذلك وقد كنتُ في حضانة القبيلة وحضنها؟

ولكنكَ لو دققت بمراجع التاريخ، ستجدُ الأمرَ مرتبطاً بمصالح السوق عند تجار قريش ليس إلا.

■ هل معنى ذاك، أنكَ تُرجحُ استبعاد الشأن الديني عن الموضوع كما يُفهم من ردّكَ يا عمر بن ربيعة؟

_بالتأكيد. فبعد مراحل الإسلام الأولى وموت الخلفاء الراشدين الواحد تلو الآخر اغتيالا،لم يبق غير الصراع على الغنائم التي توفرها الغزواتُ وحملاتُ التطهير العرقي.ولو جرت الأمور في غير تلك المسارب،كنتُ التحقتْ مقاتلاً صنديداً في حروب احتلال الكثير من أصقاع الأرض.

■ما المسافة الفاصلة ما بينك وبين الدين؟

_صفر.

■ كيف تقول ذلك يا عمر بن أبي ربيعة،وأنت من منشأ إسلامي؟

_ليس بيني وما بين الإسلام إلا الكعبة.

■ هل لأن كل الطرق إلى مكة من حرير؟

_ لم أدرك في حياتي إلا طريق الشعر المؤدي إلى النساء لا غير. وهو دربٌ لا يُستحب فيه النواح،بقدر ما يفتح في النفس جغرافية مُستحدثة للتخيّل ووشم سيقان النساء بالقصائد المنحوتة من عطر الأرواح.

■ تقصدُ أن الحج لم يكن هو الهدف يا عمر؟

_بالضبط.فلم ترتفعُ برأسي غير كواعب الإناث.أما الكعبة فلها من يطوف حول حجرها الأسود.

■وكيف يكون العقاب لمنْ يستغلُ ركناً من أركان الدين،فيعيثُ بموسمه غزلاً بأعين النساء وفحشاً بلحومهنّ؟!

_ليس الأمر هكذا كما أدركُ وأعلمُ.فالنساء اللاتي كنّ يقصدنّ مكة كل عام،ما كنّ يفعلنّ ذلك بالدافع الإيماني،بقدر ما كنّ يأتين للعرض والاستعراض والبحث عن الأحصنة الذكورية التي تناسب كلّ واحدة منهنّ.

■ وكنت محظياً بأغلبهنّ.شاعرٌ.وسيمٌ.ثريٌ. وجسورٌ.أليس كذلك يا عمر؟

_ربما.ولكن الأهم من هذا وذاك، عوامل الاندماج بالنساء وإدراك فنون التعامل معهنّ.وذلك ما تعلمته من أمي التي لم تدربنيّ على إدارة أملاك أبي وحسب،بل لقنتنّي فكرة الاحتكاك بالنساء جوارياً وخادمات وشفاه أقارب.

■كم قلباً في صدر عمر بن أبي ربيعة؟

_ قُلْ:لمَ تعدّدتْ القلوبُ في جسدي،حتى أصبحت بمثابة العمود الفقري الذي أتكئ عليه وأنهض؟

■ ألمْ يُقلقك ذلك التعددُ،فيصبح خيانةً للحبّ على سبيل المثال؟

_ ليس كلّ تعدّدٍ يُعّدُ خيانةً.الخيانةُ في أن لا يتعدّدُ الرجالُ في النساء،وإلا فلا معنى للوعود الإلهية بالإكثار من الابكار والغلمان والحوريات مع وصيفاتهنّ بالطبع.

■ من أين تبدأ نظرتكَ للحبّ،وأين تنتهي برأيك يا عمرُ؟

_قد يكون الترف الجنسيّ المبكر الذي رافق حياتي مع النساء في البيت العائلي، دافعاً للانتقال بالحب الجنسيّ إلى بيت الله المحرم في مكة.حيث تكثرُ النساء وترتفعُ حرارةُ تساقط الشهوات في الأجساد التي غالباً ما كانت تعاني من التحجر الذكوري المرفق بالتصحر وقحط العواطف.

■ ألا تُعدّ كافراً يا عمر ابن أبي ربيعة؟

_ كافراً بمنْ؟بالحجر الأسود تقصدُ.أم بنزوة من يطوفون حول الكعبة عراةً ((ومع انتشار الأوثان فى شبه الجزيرة العربية على يد عمرو بن لحى الذى أدخل الأصنام إلى الكعبة، تغيرت مناسك الحج، ففى الوقت الذى تجد بعضهم يطوفون حول البيت عراة تجد آخرين يسعون بين الصفا والمروة ويصعدون جبل عرفات ثم يذبحون الذبائح وتلطخ جدران الكعبة بالدماء تقرباً إلى الله )) و((أول أركان الحج قبل الإسلام هو الطواف، وكان بعض العرب يطوفون حول البيت عرايا دون ملابس، رجالاً ونساءً، حيث كانوا يكرهون أن يطوفوا فى ثياب عصوا الله فيها، فكانوا يخلعون ملابسهم فإذا انتهوا من الطواف ارتدوا تلك الملابس، ثم صنعت قريش ملابس مخصصة للحجاج، عبارة عن مآزر غير مخيطة، وكان من لا يقدر على شراء تلك المآزر يطوف عرياناً، وظلت تلك العادة موجودة حتى فتح مكة وحرمها النبى صلى الله عليه وسلم)).

■ وماذا لو سُنحت لك فرصة الطواف عارياً،أكنت فعلت ذلك يا عمر ابن أبي ربيعة؟

_أجل. بشرط أن تنزّع النساءُ عنهنّ الثياب والأغطية، ويشاركنني الطوافَ عاريات،حتى يتحوّل عرقهنّ إلى حليب شانيل برائحة أهل الجنة.

■ ألا تخشى على قلبكِ يا عمرُ من ثقل الحلي والحناء والذهب والديباج وحمى الغرام؟

_ لا قلب للغني.

■حتى في الشعر؟

_منذ نعومة اظافري،وأنا مؤمن بأن في قلبي طريقاً موسيقياً موازياً للمجرى الغرامي.لذلك أتفاعل مع الحب تحرشاً بالنساء من أجل الإقامة المؤقتة في مهجع كلّ واحدة منهنّ.ولو للدقائق.

■هل كان التعريّ في العصر الجاهلي هو الأكثر تعبيراً عن الأنفس آنذاك،حتى أنهم كانوا يمارسون الطواف حول الكعبة عراةً؟!!

_ في الجاهلية العابرة لكل العصور،أو الموجودة في كلّ عصر بما في ذلك تاريخ الحداثة،كان الجنس هو الفعل المعرفي أو الثقافي الوحيد الذي تُبنى عليه الحياة بتطرفٍ وغلو.

■ وهل أُصبتَ بمرض التحرش الجنسي عدوىً من تلك الجاهلية؟

_ لا أعتقدُ ذلك.ربما لأن التحرشَ ولدَ معي.

■ ألا تعتقد بأن موسم الحج بالنسبة لشعراء العرب،كان موسم صيد للنساء. فلم يذهب أحدهم لمكة من أجل مناسك الدين وحدها،بل جلّ رواد الكعبة كانوا شعراء يبحثون عن المتعة والتغزل وكتابة المعلقات.وما التحرش الجنسي إلا أولى حلقات الاندماج الحرّ بنيران الأجساد.

_ لقد كان الشعراء العرب فرسان بداوة وقحط ورمل وغزو.حياتهم مناجمٌ للمكبوتات.وأغلب شعرهم يخلو من الجماليات،وعلى قدر عالٍ من الجلافة والقسوة والانغلاق.

■ ومن أجل طرد التصحر عنك،انصهرت بالنساء ترطيباً للنفس من حدّة جفاف الأفئدة،فلم تكتب إلا غزلاً بالمرأة ومدحها.أنت تزوجت باثنتين :كَلْثَم بنت سعد المخزومية التي أنجبت لك ولدين وماتت بمنزلك، وكررتها فتزوجت زينب بنت موسى الجُمَحيّة، فأنجبت لك بِشْراً.؟

_ذلك ما يفعلهُ كلُّ مشغوف بالنساء.وأعتقد جازماً،أنني أتممت مهمتي على ذلك النحو تماماً. 

■ كتب عنك أحد النقاد قائلاً: يمتاز شعر عمر بن أبي ربيعة بقدرته على وصف المرأة وعواطفها ونفسيتها وهواجسها وانفعالاتها وميلها إلى الحب والغرام وكل ما يتعلق فيها وبجمالها وحسنها والتعبير الجاذب لها حتى قيل ما من امرأة لاحظت عمر بن أبي ربيعة يتقرب منها ويصف لواعج حبه لها الا وقعت في شراك حبه.ما السحر الخاص الذي تملكهُ،فتأسر به قلوب العذارى والمتزوجات؟    

_ ليس من سحر سوى اللغة.

■ قال بعض الباحثين بوصف كيانك الشعري والإنساني قائلاً : “ليس عمر من شعراء الفكر و الخيال , إنما هو شاعر الذكرى والأحاديث فقد نشأ ميالاً إلى التحدث و السمر , و كان حلو الحديث يتكلم فيرضى فيصغي فيشوٍق , بل كان كل شيء في حياته وسيلة إلى الاتصال بالمرأة و ذكرها و التحدث إليها, و يتميز شعره في الغزل بالجدل و الحوار الجميل بينه و بين النساء و هو رقيق المعاني حسن السبك )). ما تقول عن ذلك يا عمرُ؟

_ ربما لأنني حركتُ في اللغة الخيولَ، فغيرّتُ مسارَ اتجاهها من مواقعها القديمة في ميادين القتال،إلى اتجاه آخر يخلو من السيوف، وذلك عندما مزجتُ صهيلها بنسيج النساء.

■ ولكن نتائج ذلك كانت بالنسبة إليك بائسة،عندما أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بنفيك إلى أحدى جزر اليمن(دهلك) ليكفّ لسانك عن التعرض للنساء !!

_ أجل. ذلك ما حدث بالضبط. فقد كان الخليفة الأموي الثامن عمر بن عبد العزيز خائفاً من كتابتي القصائد بزوجته فاطمة بنت عبد الملك،ولذلك كان النفي للشعر وليس لي.

■ ولكن بعضهم يذهب متحدثاً عن نرجسيتك قائلاً : ((اتخذ عمر في علاقته مع النساء صورة الشاعر المغامر الإباحي، المعشوق لا العاشق، صرف جهده في تصوير عواطف المرأة. كما اتخذ في أحيان أخرى صورة الشاعر العفيف الذي يتطلع إلى نفسيتها وما تمور به من مشاعر وإحاساسات. وكان واحداً من الشعراء المجددين الذين أعطوا القصيدة الغزلية ميزات فنية عدة كالقصّ والحوار، وترقيق الأوزان الصالحة للغناء )).

_ حتى لو كنت كازانوفا العصر الأموي وصاحب اللغة المراهقة في الشعر.فما الضير من وراء ذلك؟

أنا تربةٌ شهوانيةٌ في جسد مُشبّع بالغرور.وقد قيل عني وعن شعري كل ما هو جميل: ((خصائص الشعر يمتاز شعر ابن أبي ربيعة بالسلاسة والعذوبة والحلاوة، وتغلُب السهولة على لغة شعره، كما يأخذ شعره الطابع الموسيقيّ، ويُعرف شعر ابن أبي ربيعة بالخلاعة والمجون، ويكثر فيه اللهو، وتدور موضوعاته بفلك واحد هو المرأة، ويُعتبر ابن أبي ربيعة رائد الشعر الغزلي الصريح؛ حيث يَغلِب الغزل الصَّريح على شعره. أعطى ابن ربيعة الشعر الغزلي بعضاً من السمات الفنيّة مثل: الحوار والأسلوب القصصي الذي أضفى على قصائده ميزة الوحدة الموضوعية، ولعب فيه دور المعشوق بعد أن أخذه الإعجاب بنفسه كلَّ مآخذ، وصوَّر تهافت النساء عليه وإعجابهنَّ به في شعره، كما وصف فيه مشاعرهنَّ وحركاتهنَّ وأسلوبهنَّ في الحديث وانفعالاتهنَّ)).ألا يكفي كلّ هذا المديح؟

■ كيف حرّرتَ قصائدكَ من القواعد القاسية للشعر،فجعلتَ للغةِ نبضاً،أكثر قابلية للتنفس والاتساع والحركة في الآخرين؟  

_كل ما حدث لي مع الشعر،كان بسبب تمدّد روحي إلى خارج جسدي في كثير من الأحايين.ثمة قسوة وصخر ورمال في أنظمة الشعر العربي.وثمة قواعد أخلاقية ارتبط بها على مدار أعوام طويلة.كل تلك المعوقات،كانت بسبب الجفاف العاطفي وقلة الخبرة بالنساء.أنا كسرتُ القيود والقواعد القديمة، ومضيتُ مستقصياً كلمات الحرير،من أجل أن تتحكم الرومانسية بمجرى البناء الشعري،وتؤسس نظاماً ليناً لا يستند إلا إلى تحديث الدم وضخه ببروتين الحرية تخلصاً من العادات القديمة في التأليف الشعري.

■ تعني أنك وبفعل أفعالك الفاحشة الجريئة وحدها،كنت قد أسستَ للشعر الحضري مكانةً في تاريخ العرب؟

_ عندما كنت أكتب الشعرَ،لم يكن في ذهني مقاسات فنية أو مقاييس لغويّة بعينها،فمثلما كنت أهيّمُ وراء النساء هياماً،كان الشعر يتبعني كظلي،فيقتبس لسطوره مني العرق والطيب والذهب الحارّ الذي كان يتطاير من الحروف، وقتما كانت تنعتق مني وتطير بعيداً.

■ كتب أحدهم يقول: (( الغزل الحضري هو أحد أنواع الشعر العربي، والذي يجمع بين الشعر الماجن الصريح والفاحش، وغير الفاحش، وقد انتشر بشكلٍ كبيرٍ في مدن الحجاز بشكلٍ عام، وفي مكة المكرمة والمدينة المنورّة بشكلٍ خاصٍ، وخاصةً بعد ظهور العبيد وانتشار الغناء والرقص والموسيقا. يعتبر عمر بن أبي ربيعة رائد هذا الشعر ومؤسسه، فأطلق عليه بعض المؤرّخين لقب الشعر العمري)). ما رأيك بهذا الذي قيل عنك يا عمر؟

_ لم أر حاجةً لتصنيف الغزل كتحرشٍ جنسي أو كتدفق لغويّ عذريّ ساخن بحدود لا تصل إلى خلع الثياب والاندماج بالآخر.فكلمة (الفُحش) في الشعر،هي لتجاوز الحَدّ الصحراوي للكلمات التي عادةً ما يستقيم عودُها وتنهضُ بفعل عوامل الجاذبية.فيما الفاحشُ بالمعنى الشعري الدقيق، فيعود على ذلك الفارس الشعر الخلّاق بتجاوزاته لكل ما كان مؤلوفاً في حاضنات الشعر العربي وأسواقه ومهرجاناته والجدران التي كان الشعراءُ يعلّقون عليها معلقاتهم.

■ ألا يؤمن عمرُ بن أبي ربيعة بالشعر العذريّ؟

_أبداً.فلا أملك ذرّة من الإيمانِ بالأجساد الممانعة لتخصيب تربتها سواء بحيوانات المنيّ أو بالأمطار أو السيول أو الدموع حتى.

■ ألا تعتقد بأن ما تشير إليه، أنما يقع في جانب الإباحيات،أو ما يُسمى بالمناطق المُحَرَمة؟  

_ لم أفهم المغزى العميق من وراء ذلك.إذ كيف في حظائر لغةٍ تحتشدُ في رحمها الكواسرُ والجوارحُ والعتاة من الطواغيت والوحوش،كيف للكلمات أن تحافظ على أغلفة بَكْرها كما تفعل العذارى، حينما يحافظن على البَكارَة أو ذلك النسيج الرقيق الذي يُغطي الفتحة التناسلية في الأنثى من الاختراقات كالاتّصال الجنسي أو الدخول الأجسام الأخرى مثلاً؟

■هل مررتَ يوماً بمرحلة الذئب؟

_أجل.ولكن ليس بشكل دائم أو متواتر.أنا عشتُ الذئبوية تلك،عندما كان يعودُ رسلي فاشلين من مهمات تذليل عقبات التواصل مع هذه المحبوبة أو تلك المُتيمة من النساء.

■ من كان الرسول الأدهى من بين الرسل الذين حققوا لك المزيد من التوافقات مع النساء واصطيادهن؟

_كان طرفة المكي.فهو كان غلاماً جميلاً بما يفوق الملائكة حسناً،وكانت كلّ من تراه،تسقطُ بحبه، فيجرجرها إلى مخدع من مخادعي،ثم يتخلى لي عنها بثمن ما يقبضه مني من دراهم الذهب.

■ وكيف طاوعتك نفسكَ لتمارسَ ذلك النوع من الخدع غير الأخلاقية يا عمر؟

_ليس في الحب أخلاق.والغرام برأيي خدعةٌ، كأن يستولي أحد الطرفين على الآخر ويتبددُ فيه هياماً لبعض الوقت.أي قبل فوات الأوان في مفكرة زمنٍ غير مضمون الصبا والشباب،ولا تتوقف عجلاتهُ عن المسير باتجاه المقبرة.

■ كأنك كنتَ تعيشُ خارج خيمة العرب وتقاليدهم! هل تأثرت ثقافياً بحياة مدن الفرنجة انفلاتاً ولهواً ومجوناً يا عمرُ؟

_ أجل.كان بيني وبين مدن الفرنجة خطاً خيالياً.أو أنني استطعتُ اقامة جسر شبه وهميّ بيني وبينهم عبر بعض التراجم التي كانت تصل إلينا.

■ وما الجسور التي كانت تربطك بالشعراء العرب على سبيل المثال؟

_ التكرارُ والتبعيةُ والمدحُ والرثاءُ فقط لا غير.

■ولذلك طلّقتَ أساليب كتابة الشعر وأنماطها السلفية،لتتقدم خطوة نحو تشكيل لغة تعتمد على القصّ وبناء الشخصيات وجعل الذات محوراً تدورُ حوله القصيدة؟

_ لا معنى للشعر،إذا لم يعتمد على الذات كنقطة ارتكاز للقصيدة. الآخرون في نهاية المطاف هم غرباء على النفس الشعرية وعلى الكلمات الي تتبناها مخيّلة الشاعر.

■هل الشعر عند عمر بن أبي ربيعة مرآة للمرأة وحسب؟

_ لا أبداً.الشعر مرآتي أنا،والمرأةُ هي الحائطُ الذي يستوجب عليه فروض الطاعة ليس غير.

■ كيف يعني؟

_ أن تقومَ المرأةُ بتعليقِ تلك المرآة على صدرها،كيما أتنفسُ الطيبَ الحَرّان ما بين النهدين.

■ ألا تظن بأن شاعراً مثلكَ يحتاجُ لطبيب نفسي من طراز سيغموند فرويد؟

_ أنا اجتمعتُ بفرويد هنا.وكان شخصاً لطيفاً لا يتركُ السيجار يسقط من بين أصابعه ليل نهار.تحدث عن شعري قائلاً: كلّ كلمةٍ في شعري هي عبارةٌ عن رحمٍ نشط، لا تخرجُ منه المخلوقات إلا وهي مكللة بتاج الشبق بدلاً من الغار.

■ هل أخبركَ فرويد بذلك حقاً يا عمر بن أبي ربيعة؟!!

_ بل وزادّ على ذلك مضيفاً :أن لي في كل بيت من الشعر غرفةً بسرير من حرير. وأن في جبهة كلّ كلمة من شعري لمبةٌ حمراء من شدّة الكبت والجنون،مستشهداً ببيت شهيرٍ من شعري:

(إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى… فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا)

■هل تعتبرُ الحبّ مستشفى يا عمرُ؟

_أجل.هو عندي هكذا على الدوام: سيارةُ إسعاف للطوارئ، منذ بداية الخليقة وحتى الآن.

■وبأية أدويةٍ يتم إسعاف القرابين كما تتصور يا عمرُ؟

_ شعراءُ الفرنجة،قد ينتحرون مراهقين وشباباً،ربما بسبب اختلاف على قُبلة غير مُشبّعة بالأوكسجين رومانسياً.فيما لا يجرؤ الشاعر العربي على التفكير بالانتحار حتى لو أصبح قلبهُ عكازاً بديل عموده الفقري.

■ تقصد أن الشاعر العربي لن يتنازل عن حياته أو شعره حتى لو أصبح صيدلية؟!

_هكذا أجزم. فهناك شعراء التنقيحات ممن يعملون على تدوير أشعارهم كما يتم تدوير أو تكرير النفايات،دون أن تتصبب جباههم بنقطة واحدة من العرق الأسود. 

■ لمَ تحامُلكَ على شعراء قومك يا عمر بن أبي ربيعة.هل لأنكَ تقدمتهم،فتركتهم يدافعون خلفك كالغبار؟

_ أنتَ قلتَ ذلك،وهو ما ينفخُ لي أوداجي حقاً.الشعرُ هو في أن تكون غير منتمٍ إلا لما في رأسك من خرائط وما في قلبك من تخوت دافئة.

■ أنت تبالغُ يا عمرُ في كل صغيرة وكبيرة!!

_ لا أبداً. أنا آرثر رامبو الحجازي الذي حوّل الرمال المقفرة إلى ميادين للغزل والجنس والعواطف المدمجة بالشعر والرقص والموسيقى.أي أنني أول من فتح في الصحارى باباً واسعاً للشهوات التي يسمونها بالزنى وبالمجون.فليس كلّ من يمتلك عصبَ اللغة،يحصلُ على الكنز.

■ولكنك لو كنت موضع الشاعر جرير أو الحطيئة وظرفهما بالفقر والفاقة،ما كنت لتدّعي ببطولاتك على هذا النحو أو ذاك.فقد يكون المالُ والجاهُ العائلي الذي كنت تتمتع به،هو السببُ بجعلك شاعراً شهيراً كما يدعي البعض.أليس كذلك يا عمرُ؟

_ لا أظن أن نزاهة هذه الرؤية صحيحة، لأنها تبحثُ في شؤون حياتي اليومية الخاصة،متغاضيةً عن مشروعي الشعري المُعشق بالجماليات،وهو ما لا يجور أبداً. لذا فقد كرهتُ الغربان في الشعر. وبنيتُ جداراً عازلاً ما بين أفاعي الرمال المتحركة وبيني.

■هل ألتقيت بأحد من شعراء الجاهلية أو المرحلة الأموية؟

_نعم.بالأمس اجتمعت بالشاعر عنترة بن شداد على مائدة العشاء في فندق(البارون الجاهلي) وتخاصمنا إلى حدّ أنه سحبَ سيفهُ من غمده ووضعه على الطاولة بين أطباق الطعام.

 ■ لمّ حدث ذلك.هل تحرشت بعبلة؟

_ لا.لم تكن عبلة موجودةً معنا أصلاً.لقد حبسها عنترةُ في غرفتها قبل أن يأتي للقائي في مطعم الفندق. ولكنني مللتُ من كثرة انشغال عنترة بألقابه التي راح يكررها على مسامعي حتى انفجرت ضجراً منه.قال لي عنترة أنه يلقب بالفلحاء- أي من الفلح أي شق في شفته السفلى- وكان يكنى بأبي الفوارس وبأبي المعايش وبأبي أوفى وأبي المغلس لجرأته في الغلس أو لسواده الذي هو كالغلس، وبأنه عانى من العنصرية بسبب لونه الذي ورث سوادهُ من أمه الحبشية زبيبة.

■وماذا كانت النتيجة بعد ذلك العشاء. هل تصالحتما وجرى كل شئ على ما يرام؟

_ لا.لم يحدث ذلك.فقد كانت هو العشاء الأخير لي معه.إذ سرعان ما غادر عنترةُ طاولة الأطعمة مرتبكاً،بمجرد أن رأى عبلة،تشق الستارة،وتتلصصُ علينا من أحدى نوافذ غرفة النوم.لا أدري لمَ فقدّ عقلهُ،فأسرع يحملُ المفاتيح كالمجنون نحوها،وهو يرفع سيفه من بين الأطباق التي تحطمت مع تطاير دورق شوربة العدس إلى ملايين الذرّات .

■ ربما لا يُلام على ما فعل. فعنترة لا يجهل تاريخك الماجن مع النساءات،وربما فعل ذلك حمايةً لعبلة من الانزلاق في مهاوي الغرام،خاصة وأن الرجل العبسي قاتل طويلاً من أجل أن يظفر بتلك المرأة حباً وجسداً ونبذاً للتقاليد التي تتعامل مع البشر على أساس عرقي.

_ أعرف أنه اختطف عبلة كما قيل،ولكن أغلب الروايات كانت تشير إلى أنه لم يحظ بها.وجودها معه في الفندق،كان وجوداً غير شرعي في كل الأحوال.إلا أنني وعلى الرغم من عدم اهتمامي بكلّ معاركه من أجل تلك المرأة،حاولتُ انقاذ عبلة من المعتقل. اعتبرتها رهينةً ناعمةً تستحق التحرر من قبضة فارس شرس مثل عنترة ليس غير.

■ما الذي سيحكي لنا دمُكَ من قصص وروايات وقصائد،فيما لو وضعنا عينةً من دم عمر بن أبي ربيعة في المختبرات الحديثة تكنولوجياً؟

_ ربما لن يجدوا فيه غير السّديم.فقد تكاثفتُ فيه مع النجوم، حتى بلغتُ مراحل الاندماج بالنيازك،بعدما قطعتُ فصلَ السحابِ المحمومِ بالضوء والغازات التي كانت تضئ النفس في ذلك الباطن العميق.

■ وماذا ستعمل بعد الآن هنا؟

_فكرتُ بفتح صالون لحلاقة للسيدات في الجنة.وأعتقد بأنني سأتدبرُ هذا الأمر مع بعض وجهاء الشياطين،ممن يمارسون الأعمال الحرّة في السوق.

■وما مدى معرفتكَ بشؤون الحلاقة من قصّ للشَعر والصبغ والسيشوار والماكياج يا عمرُ؟

_لا تخف.فما أن تدخلَ النساءُ في صالون حلاقتي،حتى تتبدّل أحوالهنّ ويصبحنّ جميلات ورومانسيات أكثر.

■ كيف يا عمرُ بن أبي ربيعة؟!

_سأبدأ بقصّ ثياب النسوةِ عن أجسادهنّ بالشِعرِ أولاً. وما أن يدخلنّ مرحلة التجريد الأصولي ذاك،حتى تتسعُ في قلوبهنّ الشهوات ويصبحنّ بحيراتٍ ساخنة.فتتقمصُّ بعد ذلك الأصابعُ أشكال أمشاط،لتمضي بتجلياتها مع النساء المُحْلقات سُكّراً وشهوةً من الرأسِ وحتى القَدَم.