موقع الكتابة الثقافي uncategorized 90
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

ولاء الصوّاف

لِذكرى جُنودِ الكتيبةِ الخامسةِ في حَرْبِنا الثانيةْ:

زَهرةِ البيبون، شجرةِ السّنديانِ، ليمونِ شَهْربانْ.. وَلي أنا.

أنا حِصانُ الأَطفالِ الخَشَبيِّ، المبتلُّ بالصُراخِ، مثلَ غيمةٍ فرَّتْ من عينيِّ الحَربِ، بأجنحةٍ مَثْنى وثُلاث.

:

أبي كُرسيٌّ عَتيقٌ، ومن بَقاياهُ كُنتُ، يَمْتطيني الدَّهرُ وأَصهَلُ، بَيني وبينَ فارسي لا أحدَ.. حَبلي عَلى الغاربِ، أعدو وشَجَنُ الطيرِ المفْجُوعِ برؤوسِ التِلالِ الحَليقةِ يتبعُني، فَمي عَرَبةُ كَرزٍ بَليدَةٍ، يلوكُ الحَكايا ولفافاتِ التبغِ والرَّصاصْ، لِساني بنكهةِ اللَّيمونِ، أسناني ثائِرةٌ، أوتارُ حَنْجرتي خيولٌ تعدو خلفَ التُّوتِ البريِّ والحليبِ النافِرِ مِنْ ثدي الأرضِ، عَلى شفتيَّ تنامُ آلافُ الحُروبِ.. كتائبُ دَهاء.. سَرايا غِواياتٍ.. أرْتالُ دَسائِسَ، ولفيفٌ من مكائِدْ..

لذا أغلَقتُ فَمي بأربطةِ بَساطيلِ الجُندِ وَالى الأبدْ..

أنا حِصانُ الأَطفالِ الخَشَبيِّ، راهبُ جيادِ الحربِ، تحتَ عباءةِ الرّاهبِ، أخفيتُ مزاميرَ أبي وزبدَ البحرِ وشَرَفَ القبيلةِ، رُطبَ مريمَ وجَاري البَتول، حُزْنَ الأراجيحِ وهي تَنفُضُ زَغَبَ الطَّيرِ عن أكتافِها، أُغْنياتي التي هَبَطتْ مَعي بصحبةِ التُّفاحِ، الصمتَ الذي وقفَ طَويلاً على بابي، حارساً لصوت، أخفيتُ غُبارَ أسْلافي، حينَ طقطقَ الجَّمرُ تحتَ أقدامِهمْ، نَزَعوا سورةَ التَّوبةِ من أعناقِهم، ونَثَروا قياماتِهمْ على الدُّروبِ، أخفيتُ الأعينَ التي فاضتْ من خَشْيةِ الظَّلموتْ، جَواري الخليفةِ.. غِلمانَ الحَريمِ، وما عَلِقَ بمناقيرِ الحَمامِ، من فتوحاتِ الشيخِ الدوزني في حيِّ الشُّهداءِ، تحتَ عباءةِ الرَّاهبِ،  أخفيتُ عيونَ النخلِ بنبيذِهُنَّ الساخنِ الهاطلِ من شَهقةٍ قُبيلَ صَلاةِ الخوفِ، أخفيتُ تَراتيلَ الغرْقى في وَحْلِ السَّوادِ، إلهَ باب – ايلو.. حارسَ جَبَلِ القُمامةِ، وكاتمَ سرِّ الرَّصاصِ..

أنا حصانُ الأطفالِ الخَشبي، مُناضلٌ بطعمِ الكاكاو، بينَ حوافري الآنَ آخرُ لُفافةِ تبغٍ.. بعدَها.. أشْعِلُ رأسيَ الثوريَّ، المتخمَ بالفاقةِ والنارنجِ، بجمرِ الشفاهِ والمعنى المبجّلِ،  أدخّنُهُ وأرميهِ كعقبِ سيجارةٍ، لتسحَقَهُ أقدامُ المارَّةِ وهيَ في طَريقِها إلى الله..

…………….

* شاعر عراقي