غربان

حسن عبدالموجود

سنفترض مثلاً أن هناك كاميرا تراقب حسن عبدالموجود منذ استيقاظه وحتى نومه فى وقت متأخر مساء كل يوم، على طريقة "ترومان" ستتأكد أنه حينما ينزل إلى الشارع سيتحول إلى مواطن جيد، يبتسم للناس، ويعتذر لو أنه خبط أحدهم بكتفه بدون أن يقصد، يترك الكبار يجلسون مكانه فى المترو، لا يحدق فى الآخرين باستثناء الفتيات الجميلات، لا يرفع صوته. فى العمل جاد إلى أقصى درجة، الشىء الوحيد الذى يمكن أن يخرجه عن شعوره هو عدم التزام شخص بموعده معه، ولكنه كما ينفعل بسرعة يهدأ بسرعة، وبالتأكيد عليه أن يعتذر عن الحدة فى كلامه، وعلى الشخص الآخر أن يتقبل اعتذاره، وإلا لن يراه مرة أخرى، حيث سيمسحه من أرشيف ذاكرته.

فى البيت يتحول حسن إلى شخص مجنون. هواجسه تظهر بمجرد أن يغلق الباب. يختار الحذاء الذى سيخرج به فى اليوم التالى، لأنه يحتاج إلى كل دقيقة فى الصباح. يضعه بعناية أسفل الجزامة، ولا بد أن يكون حريصاً على فك رباطه، فالعقدة تشعره بأنها تخنق رقبته هو شخصياً. لا بد من وضع الفردتين فى موازاة بعضهما البعض بالتساوى، حتى لا يشعر أحدهما بالحزن. سيشعر بالقلق لو وجد عملة معدنية ووجه (الملك) لأعلى. الملك نذير شؤم بالنسبة إليه. فى إحدى المرات فتش المنزل ركناً ركناً بحثاً عن العملات المعدنية، وقلبها لتصبح (الكتابة) فى السماء. لديه وسواس قهرى فيما يخص الكهرباء والغاز. قد يستيقظ من نومه فجأة ويدور على “فيش” المنزل، ويتأكد من أنها مؤمنة، وهو سيدخل إلى المطبخ لأن دماغه شم رائحة البوتاجاز، ويتأكد من إحكام غلق الأنبوبة جيداً، ويحدث نفسه بصوت عال: ألم أغلقها جيداً خلال آخر ساعة خمس مرات، هل أنت مصاب بالوسواس؟ ألست متأكداً من أنك قطعت المسافة من الصالة إلى المطبخ ست مرات؟! ولكنه قبل أن يجيب على نفسه يلف عائداً مرة أخرى إلى الأنبوبة، فلا ضير فى مزيد من التأكد. سيختار ملابسه بعناية، ولكنه سيتخيل أن هذا القميص تحديداً يشعر بالحزن لأنه تجاهله واختار آخر، وسيعتذر للقميص الآخر أو التى شيرت ويعيدهما إلى مكانهما، ليلبى نداء القميص المسكين.. ولكن مهلاً.. هذا القميص لا يبدو فى أفضل أحواله، هناك تجعيدة ما، ليس مكوياً بشكل جيد، يتدخل عقله حتى يرضى الشخص الآخر الذى لا يريد هذا القميص، بحيث يبدو الأمر عفوياً وبسيطاً إلى أقصى درجة أمام هذا القميص المسكين. سيعتذر إليه ويختار فى الأغلب شيئاً “غامقاً”، وهكذاسيسمع صياح بقية الملابس الفاتحة فيغلق الباب سريعاً، وإذا لم يفعل ستنتشله زوجته. فى إحدى المرات قالت له: “على فكرة انت بقالك عشر دقايق باصص للهدوم ومابتعملش حاجة”.

فى المعادى تغلب على خوفه من الأماكن المرتفعة. سكن فى الدور الواحد والعشرين. حينما زاره ياسر عبدالحافظ فى المرة الأولى جلس على الأرض فى البلكونة ممسكاً بأسياخ السور الحديدية وراقبه حسن بدهشة، ولكن الدهشة زالت لأنه تذكر أول مرة يدخل فيها هو نفسه إلى البلكونة حيث عاد بسرعة كأنه وجد شيطاناً، وجلس على أرضية الصالة لمدة ساعة شاعراً بدوخة كبيرة، وكنوع من الإمعان فى التحدى قرر مرة الصعود إلى السطوح، وكان يخيل إليه أن خمسة أو ستة أدوار لن تفرق، وحينما صعد وشاهد العالم من هذا العلو شعر بأنه سيطير، وزحف على ركبتيه حتى عاد إلى فتحة النزول الضيقة حاشراً نفسه فيها ومغمضاً عينيه ممسكاً بالسلم الحديدى، وحينما لمست أقدامه الأرضية شعر بأنه عاد إلى الحياة مرة أخرى.

فى كل لحظة يذهب فيها إلى السرير يخشى إغماض عينيه لأنه يشعر بأنه لن يعود إلى الحياة مرة أخرى. يركز فى فكرة جيدة. يداهمه النوم بشكل تدريجى، ولكنه فى الأغلب لا يستسلم له بسهولة، إلا بعد أن يتأكد أنه سيدخل فى حلم جيد. يقاوم لدرجة أنه يفتح عينيه ناظراً إلى الضوء القادم من الصالة، ويهدأ قليلاً. يخشى جداً أحلام الطيران، رغم أنها تمتعه فى السينما.

ما زال يحلم بأن يطير مثل “جيك” فى “آفاتار” على ظهر كائن أسطورى. تبهره حركة الكاميرا التى تتحرك فوق الأشجار عوضاً عن أحد الكائنات فى أحد أفلام “جيك”، ولكنه لن يكون ممتناً للحياة إذا منحته حلماً بهذا الشكل أثناء نومه. لا يتذكر من طفولته سوى ذلك الحلم المؤلم، أنه يقف على “بسطة” سلم، ثم يقفز إلى البسطة الثانية متجاوزاً عدداً مهولاً من السلالم، وكان ينتفض، وحينما يستيقظ يشعر بأن قدميه متورمتان وتؤلمانه، وبعد ثلاثين عاماً ستقول له صوفى إنها تحلم بأنها تقفز من السلالم وإن هذا يؤلمها فيحتضنها مخفياً دمعة. ويقول فى نفسه “لماذا أورثتها أحلامى يا ربى؟!”.

حسن شخص شديد العادية، يشبه محمد خير تماماً فى أنه يشترى من بقال واحد، ويذهب إلى نفس الحلاق، ولا يبذل أى مجهود للتعرف على مطاعم أو كافيهات جديدة. يختفى فجأة من مكان حينما يشعر بالملل ويعود إليه بدون سابق إنذار، لا يحلم بتغيير العالم. لا يريد أن يكون كاتباً كبيراً. لا يكتب ليقاوم القبح. لا يكتب لوجاهة اجتماعية. ولكنه يكتب فقط ليسعد أصدقاءه.

 

عودة إلى الملف