موقع الكتابة الثقافي uncategorized 59
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

محمد المسعودي

صدرت للكاتب المغربي محسن اليزيدي باكورة أعماله القصصية التي حملت عنوان “مشاهير في مطعم” عن مطبعة سليكي أخوين، خلال شهر يوليوز من السنة الجارية 2018. وقد اشتملت هذه الإضمامة القصصية على اثنتي عشرة قصة، وهي حسب ورودها بين دفتي الكتاب: مشاهير في مطعم، البيت الجديد، دكان العياشي، إبليس وفخامة الرئيس، مزرعة السيد حاكم البلدة، الفاطمي، اللحم، سيرين، حمادة ولد عبد السلام الجيار، زقاق سعيد بن جُبير، رجل العمارة، الرجل الغريب. وهذه النصوص بعض مما دبج قلم الكاتب وسطره عبر مسيرته الأدبية، اختار منها أهم ما كتب، وبعضا مما نشر في مواقع مختلفة. وتتميز قصص المجموعة بقدرتها على اقتناص لحظات طريفة من واقعنا المعاصر بما يعج به من مفارقات وتناقضات، ويقدمها في حس ساخر، أحيانا، وفي سياق درامي حزين، أحيانا أخرى، ولكنها تستند جميعها إلى توليد المفارقة والانطلاق من هذه السمة لتشكيل متخيلها السردي المتميز.

فما تجليات جمالية المفارقة في المجموعة؟ وما طبيعة السخرية فيها؟ وكيف تُسهم هاتين اللمحتين الفنيتين في تشكيل المتخيل القصصي، وبناء الدلالة في نصوص القصص التي يشتمل عليها الكتاب؟

تبدو المفارقة منذ النصوص الأولى في هذه المجموعة القصصية، وتستمر حاضرة إلى آخر نص فيها. ولعل القصة الأولى التي حمل الكتاب اسمها “مشاهير في مطعم” أول تجل يكشف عن التوظيف الفني المتقن لسمة المفارقة لدى محسن اليزيدي. تحكي القصة عن صاحب مطعم مغرم بوضع صور الشخصيات الهامة والبارزة التي تناولت طعامها بمحله، واعتزازها بالدفتر الذهبي الذي تخط فيه بعض هذه الشخصيات كلماتها في مدح المطعم، ونظامه، وفنون أكله، ونظافته. وتمضي القصة في كشف معدن “با إدريس” ومغامرته في جعل أسفل بيته الموجود بزقاق ضيق غامض وسط مدينة أصيلة المغربية مطعما خاصا بالسمك، وكيف آمن بفكرته على الرغم من نصح بعض معارفه من التجار بترك هذا المشروع لفشله المحقق. ولكن الرياح جرت بما اشتهت تطلعات “با إدريس” وأكثر، بحيث صادف افتتاح مطعمه تنظيم مهرجان أصيلة الشهير الذي يحضره رجال الفكر والأدب والفن والسياسة، فكان بعضهم يتردد عليه، ويتناول وجباته عند الرجل الذي لم يدخر جهدا في أخذ صور لهؤلاء المشاهير رفقته، أو منفردين، ثم يختار أجود اللقطات ليزين بها مطعمه الذي أضحت جدرانه مزينة بالكامل بصور المشاهير. غير أن لحظة أقبلت، وحدثا غريبا طرأ على المطعم، إذ صارت بعض هذه الصور تختفي فجأة من أماكنها التي علقت بها. شك “با إدريس” بالعاملين في مطعمه، فصار يترصدهم، ويتملى أفعالهم وردود أفعالهم دون أن يعرف حقيقة ما يحدث. وكاد يزرع في محله كاميرات تراقب ما يحدث فيه، لولا أن نصحه أحدهم بعدم الإقدام على ذلك، لأن الشخصيات البارزة التي تتغذى بمطعمه تعتبر هذه اللحظة من خصوصياتها، ومن ثم ستتخلى عن التردد إلى محله. وبعدما عجز عن معرفة سارق لوحاته وعجز عن الوصول إليه بنفسه حتى يداري فضيحته التجأ إلى الشرطة. وهنا ستتضح المفارقة في أجلى صورها، وتتشكل جمالية توظيفها لتكشف عن غير المتوقع. وعبر هذا التوظيف ينجح الكاتب في تصوير اختلاف وجهات النظر إلى الواقع والحياة، وإلى السياسة بين جيلين: بين الأب (با إدريس)، وابنه الأصغر. كان إدريس الذي لا يعرف في السياسة شيئا يهتم برزقه ورزق أبنائه ورزق عماله المخلصين، وكان حرصه على وضع صور الشخصيات البارزة من وزراء سابقين، أو غيرهم فوق جدران المطعم من باب منح صيت لمطعمه وإغراء الزبناء، وليس وراءه أي غرض سياسي أو مكسب من أي نوع، أما الإبن فكان يأخذ صور الساسة الذين يكرههم ويكره ممارساتهم السياسية لا ليبيعها وإنما ليلقي بها في القمامة، وكان رمي هذه الصور في الزبالة يريحه ويرضيه، وهكذا تؤكد القصة مفارقة بينة بين منظور الأب المسالم الذي لا يهتم سوى بكسب لقمة عيشه، ويرضى بأمر الواقع ويتكيف معه، ورؤية الإبن الجامعي الرافضة المتمردة على ما يقع سياسيا، وما يجري اجتماعيا على الرغم من أن رفضه واحتجاجه تم في سرية وصمت، ولكنه استطاع أن يعكس وجهة نظره تجاه تلك الشخصيات المتنفذة في الحياة المعاصرة.

بهذه الكيفية كانت المفارقة الثاوية في صلب الفعل القصصي سمة تكوينية أساس في تطور الأحداث وانبناء وجهات نظر الشخصيات المختلفة، وتولد الصراع الذي يعد عنصرا فعالا في تحقيق جمالية المفارقة السردية.

وفي قصة “الفاطمي” ينقلنا الكاتب إلى سياق آخر، وعوالم حكائية تتصل هذه المرة بالمدرسة وأجواء الفصل الدراسي. وعبر رصده جوانب من سيرة الأستاذ “الفاطمي” وسلوكاته، ومن خلال تصوير طبيعة ممارسته التعليمية يجعلنا السارد نقف عند اختلالات التعليم، والمفارقات الناجمة عن أفعال المدرسين والإدارة من جهة، وعن مكر التلاميذ ودهائهم وهم يتعاطون مع الظواهر المضطربة والمقررات الكاذبة والمعلومات المغشوشة التي يخضعون لتلقيها، من جهة ثانية. وهكذا كانت جمالية المفارقة نابعة هنا من تركيز الكاتب على تتبع غش المدرس الفاطمي، وإدلائه بشهادات طبية كاذبة تعفيه من مزاولة مهام التدريس آخر كل شهر، حينما يعلم بأن رواتب الموظفين قد مرت في حساباتهم البنكية، وهو يكون في هذه الأثناء يعاقر الخمر في حانات المدينة رفقة صديقه الطبيب. وتمضي القصة لتطلعنا على مواقف التلاميذ مما يتم عرضه عليهم من دروس. وهكذا كان درس مادة “التربية على المواطنة” والمتعلق بموضوع “العدل”، وبقراءة محتوى النصوص المتصلة به، بابا لتوليد السخرية، وانقداح المفارقة في أجلى توظيفها الفني. وعبر ما يمعن السارد في الكشف عنه من خلال ردود فعل التلاميذ وتعليقاتهم الذكية، وإدلائهم بآرائهم حول ما يجري حولهم، تُسفر القصة عن مفارقة الممارسة التربوية التعليمية، وعن إدراك التلاميذ لا جدوى ما يتلقونه، وعسف ما يمارس عليهم من طرف الإدارة والأساتذة والمجتمع. وقد نجح الكاتب في تلمس الاختلالات العويصة التي يتخبط فيها المجتمع ويكون ضحيتها الأطفال الصغار، كما يكشف وهم المنظومة التعليمية وإغراقها في مثاليات لا تجدي نفعا أمام بؤس الواقع وبشاعة الحياة المعاصرة.

وتنقلنا قصة “سيرين” إلى مستوى آخر من مستويات تجلي المفارقة في الحياة الاجتماعية. تحكي القصة عن ظاهرة انخداع الشباب بحركات وسلوكات بعض الفتيات المتظاهرات بالعفة، بينما حقيقتهن غير ذلك. إن المفارقة تكمن في هذا السلوك المزدوج، وهذا التناقض بين إظهار الحشمة والعفة والرغبة في امتلاك بيت، وتأسيس أسرة، وبين حقيقة العهارة والتفسخ والانحلال التي تكون الأصل الخفي. وتركز القصة على غفلة الشباب الذي يسعى إلى التحصن وسقوطه ضحية إغراء الجمال الجسدي ومكر الأنثى. وهكذا نجد الشاب جمال الذي فشل في زواجين سابقين من روسية وألمانية يسعى إلى زواج ثالث من مغربية مثله يفترض فيها الصلاح والعفة، وفعلا تم له ذلك، فتزوج سيرين، وأخذها معه إلى ألمانيا، وأنجب منها طفلة، وكانت حياتهما تمضي كحياة أي زوجين، غير أنه سيكتشف في مقهى بشاطئ طنجة –خلال عطلة صيفية عاد ليقضيها في مدينته- حقيقة زوجته التي كانت مومسا سابقة، وسيعرف لماذا كانت توهمه بأنها لا تحب مقاهي كورنيش المدينة التي تتميز حسب قولها بالتسيب والوقاحة. ومن ثم لم يجد أمامه من مفر سوى أن يعود في أقرب وقت إلى بلد إقامته، مفوضا لمحام مباشرة إجراءات الطلاق بالثلاث.

بهذه الشاكلة كانت هذه القصة التي تعزف على نغمة الأمل، والرغبة في إقامة الأسرة على أساس الصدق والوفاء، قصة مفارقة خالصة لأن بين طياتها سكن اليأس، واستتبت الخديعة والكذب والمكر. وبهذه الكيفية غاصت القصة في تصوير جانب من أخطر ما أصاب المجتمع المغربي، ومجتمعات أخرى، من علل وأوصاب، واختلالات وأعطاب. وقد وفق السارد في جعل المفارقة أساس هذا النص السردي الممتع، وأن يوصل رؤيته القصصية إلى المتلقي بأسلوب سردي سلس، وببناء فني متقن.

وإذا تأملنا نصوصا أخرى في الكتاب نجد السخرية تشكل بعدا جوهريا من أبعادها، وعنصرا فعالا في تأسيس جمالية المفارقة فيها، وخاصة تلك التي اتخذت من معالجة قضايا السياسة منطلقا لها، كما نرى في قصص: إبليس وفخامة الرئيس، ومزرعة السيد حاكم البلدة، والرجل الغريب. غير أننا سنتناول بالتحليل نصا آخر من نصوص المجموعة شكلت السخرية فيه سمة تكوينية جوهرية، هو نص “حمادة ولد عبد السلام الجيار”، وهو نص شكلت المفارقة فيه دورا حيويا، وأدت السخرية فيه دورا هاما. تحكي القصة عن شاب اسمه حمادة، يبلغ من العمر أربعة وثلاثين سنة، يزاول مهنا مختلفة لكسب بعض الدراهم التي تعينه على تلبية حاجاته ورغباته. هو فتى تعثر في دراسته، فصار يتدبر أموره بطرق عدة. وهو صاحب غرائب لا يكف عن الحركة والمغامرة. وترصد القصة بعض طرائف حمادة وعجائب ما يقع له، فكم نجى من موت محقق حتى اشتهر بين الناس بأنه كالقط له سبع أرواح. وكم وجد في نقم الناس نعمة، فحين أعلنت الإذاعات وقنوات التلفزة عن “أنفلوانزا الطيور”، وصار الناس يخشون أكل الدجاج، كان حمادة يدعو ربه أن يديم نعمة الأنفلوانزا، وأن يطيل مرض الدجاج لأنه أصبح يبتاع كل صباح فروجا ليذبحه في بيت والديه، ومن ثم يتنعم به بعدما تعده أمه، وتطهوه كما يحب ويشتهي. ويمضي السارد في تتبع طرائفه ومغامراته، غير أن حمادة -الذي سرق صندوق شباك رقم ستة من صناديق السرك الإسباني الذي عمل فيه أثناء مروره بمدينته- سيصير شخصا آخر مختلفا تماما حينما سيذوق تجربة السجن، وسيعيش بين جدرانه سنتين كاملتين. إذ خرج من السجن وهو في سمت جديد بحيث اكتحل وأطال شعره، ولبس القميص الأبيض وقصر الثوب، وتغيرت مشيته من السعي والهرولة إلى التثبت والبطء، واستحالت نظراته المستفزة الساخرة إلى نظرات هادئة داعية إلى التوقير، وزايل الهزل والمزاح وكف عن مخالطة الآخرين..

بهذه الكيفية ترصد هذه القصة الساخرة مفارقة هذا النموذج الاجتماعي الذي صارت تشهده مدن وبلاد كثيرة، بحيث يكون السجن مكانا لتحول الشخصية إلى درجة النقيض. وتصبح الشخصية صارمة حادة الطباع، تغيب عنها ليونة الطبع المنفتح المتسامح. وبهذه الشاكلة كانت المفارقة عنصرا هاما في تبيان طبيعة هذه الشخصية واختلال موازين النظر لديها، كما تبين جوانب من اضطراب المجتمع وتناقضاته. وقد وفق السارد في جعل السخرية بابا نحو كشف طبيعة هذه الشخصية، وجعل المفارقة بين الطبع الأول الهازل المرح، والطبع الثاني المتشدد الصارم عنصرا جوهريا في رصد تحولات الشخصية، وتحول نظرتها إلى الحياة والمجتمع من حولها.

وتتميز كل نصوص المجموعة بتمكنها من تصوير واقعنا المعاصر في أفق متخيل يمتلك حسا جماليا راقيا وأبعادا دلالية ورمزية غنية. ويوظف الكاتب محسن اليزيدي المفارقة والسخرية أساسا لتشكيل عوالمه الحكائية، وتأثيث رؤيته لما يجري الآن وهنا في حياتنا المختلة المضطربة التي غابت عنها القيم الرفيعة، وطغت عليها مظاهر الزيف والخداع والكذب والنفاق وانعدام احترام الآخر، واحترام الذات، كما حاولنا أن نبين من خلال النماذج التي تناولناها سابقا.

ومحسن اليزيدي كاتب متمكن من أدواته القصصية ولغته الأدبية تمكنا ينبئ عن ميلاد أديب جاد ومبدع ينضاف إلى لائحة المبدعين المغاربة الجادين المجتهدين الذين يأثثون المشهد القصصي المغربي بأزهار سردية يانعة ذات شذى آسر ومنظر خلاب وتجذر أصيل في تربة الإبداع الأدبي الحق. والقارئ المغربي والعربي ينتظر منه أعمالا أخرى لا تقل عن إضمامته الأولى من حيث الإتقان الفني والغنى الدلالي والرمزي.

……………………

*محسن اليزيدي، مشاهير في مطعم، منشورات سليكي أخوين، طنجة، يوليوز 2018.