جبن وحب وخيار

نهلة عبد السلام

الملح.. السر فى الملح.. الخوف من الملح.. خفيفه لا بأس وكثيره بؤس.. عظام واهنة ومفاصل متهالكة.. آلام وأوجاع وأقراص وفوار وطلب للمزيد منه.. أكياس على وشك الانفجار وبرطمانات تشتهيها غاضاً طرفك عن تقارير المعامل والدوائر الحمراء المؤكدة على نسبك المعتلة.. التوصيات بفرارك من قسم المؤذيات فالطين لا ينقصه حليب مشرشر الحواف.. شرائحه ودوائره، ناسياً تجربتك اللعينة.. دفنك داخل جهاز لدقائق مرت دهوراً.. تصاوير يلوحون بها غاضبين ملائكة يرتدون البياض متخلين عن أجنحتهم إلى حين.. وبالإجماع أنت المذنب الوحيد، والجبن سيد.. سيد على الضعفاء.. الخاضعين لشهوة اللحظة ثم من بعدها للاصقات الطبية علها تمتص صرخاتهم.. يكتفون بالأنين كما تشير اللافتات “يرجى الضبط على وضعية الإهتزاز”.. وفى الاهتزاز إشارة حياة.. حياة صامتة.. حياة يفصلها عن الموت جبن.. جبن عن وضع حد.. تسطير نهاية بشك الأكياس.. تهشيم البرطمانات.. الركض بالقدر الذى يسمح به بقايا هيكلك العظمى.. تتلقى أقدامك شظايا الزجاج بجلد وحرق الحليب الحمضى لجراحك بصبر.

الجبن سيد.. والأسياد لا يولون الرحمة إهتماماً.. لا يلقون لها بالاً إلا لماماً.. والحب قاهر وقادر ولا يوقفه أسياد.. الحب طارد.. طارد للجبن، والحب طريد.. طريد عدالة موازين لا تعرف معايرة.. موازين ملحق بها دولاب يمتلئ بالمكايل.. الحب مشروط مبند.. والعقد شريعة حاملى المفاتيح.. من بيدهم التطبيب والتطفيف.. والصراع الدائر فى الأروقة الضيقة والفضاءات الواسعة.. والتراشق بكتل معدنية متباينة الكتلة.. والحليب الأحمر المراق على رقعة الأرض وصفحة السماء.. والمطر الهاطل الحامض هو الطرف الحاسم.. الخط الفاصل ما بين جبن أصيل وحب دخيل.. وللدخيل قوة مائة حصان.. ألف حصان.. تحت سنابكهم ينصهر الجبن.. يذهب به المطر إلى مجرى اللاعودة.

الفطام خيار.. خيار يطرحه الحب.. وحده يرعاه بداية من حبوه.. إستناده بكلتا يديه إلى جذوع النخل خشية السقوط وإلى أن يتسلقه.. يحرر يده.. يهزعراجينه فتشبعه برطبها.. يهبط حاملاً بعضاً من سعفه.. ويلملم الجبن خرقه المبتلة.. تلك التى قُدر لها النجاة من سيل الحب المنهمر.. يصرها مستعجلاً الرحيل.. متفادياً لقاء مخزى.. لقاء سيفرض نفسه على تاريخه.. سيحفر تفاصيله بذاكرته.. ومن ثم يوأد أمله فى العودة سيداً.. ماحياً ما عاداه من خيارات.

جبن وحب وخيار.. ثلاثة أضلاع يستحيل أن يجمعهم مثلث واحد.. فقط مؤهلون لصنع الزوايا.. منفرجة طافحة بالبهجة حين يجتمع الحب والخيار.. حادة مكشرة عن أنيابها حين يجتمع الجبن والخيار.. قائمة محايدة لا حل ولا ربط حين يجتمع الجبن والحب.. وشهية حين يجمعهم رغيف.. وحينها تنضجهم نيران الحياة على مهل.. تمضغهم أسنان الزمن بتلذذ وتبتلعهم دوامات الفناء بلا حياء فلا يبقى شيء من أكل ولا أكلة.