تناغم  (9)

د. مصطفى الضبع

يقوم البحث العلمي على عدد من العناصر الأساسية لاينهض دون توافرها، في مقدمتها المكتبة، والمكتبة لاتعني مكتبة واحدة يمكن للباحث الاكتفاء بها المكتبة هنا تعنى عددا من المكتبات تتكامل فيما بينها مشكلة مايمكن تسميته بالمنظومة المكتبية  لخدمة الباحث وإنجاز البحث العلمي، وتتشكل من مكتبة الباحث الخاصة ومكتبات الجامعات ومكتبات المؤسسات الحكومية الأخرى كالمكتبات العامة وغيرها مما لا يمكن الاستغناء عنه في ظل التدفق المعرفي الهائل الذى أتاح مئات العناوين في الموضوع الواحد وآلاف العناوين فى مجال علمي أو معرفي واحد.

تحت ذريعة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية (رغم عدم قبولي بها ) تجد كثيرا من الباحثين ليس لديهم مكتبات خاصة وهذا يعنى اعتمادهم كلية على المكتبات العامة والأكاديمية، وفي كل جامعات العالم المتحضر يأخذ الجميع بفاعلية خدمة التزويد ليس على مستوى المكتبة عامة ولكن على مستوى تزويد الباحثين بمؤلفات تخدمهم قبل أن تكون متاحة للجميع، فالمكتبات الأكاديمية تطلب من الأساتذة والباحثين قوائم بالجديد في تخصصاتهم لتوفيره وفق عمليات التزويد الدورية للمكتبات وهو ما يحقق قدرا كبيرا من الوفاء بمتطلبات البحث أولا والإطلاع على الجديد ثانيا مما يعنى تحديثا دائما لآفاق البحث العلمي، من هنا تتكامل المكتبات لتقديم خدمة علمية يصعب على مكتبة واحدة الوفاء بها، وهي صورة أقرب للمثالية، مثالية البحث العلمي وأدواته.

في مصر ثلاثة أنواع من المكتبات سأصنفها حسب قدرتها على الوفاء بدورها :

  • مكتبات تقدم خدمة مكتبية متكاملة قادرة إلى حد كبير على الوفاء بمتطلبات دورها وهو نوع لا يتوافر إلا فى مكتبتين : مكتبة الجامعة الأمريكية ومكتبة الإسكندرية، تتميز الأولى بخدماتها غير المحدودة للبحث وتوافر المراجع، وتتميز الثانية بأنها متاحة للجميع خلافا لاقتصار الأولى – لأسباب مقبولة عمليا – على فئات محددة ممن تسمح لهم بتقديم الخدمة مقابل اشتراك دوري.
  • مكتبات تقدم خدمة شبه متكاملة وتمثلها مكتبات الجامعات المصرية وتضم مكتبات الكليات والمعاهد والمكتبات المركزية للجامعات.
  • مكتبات خدمة النفس الطويل مكتبات وزارة الثقافة وفي مقدمتها دار الكتب والوثائق القومية التي تعد أكاديمية لتعليم الباحثين الصبر والوقاية من ارتفاع الضغط.

والجامع بين النوعين الثاني والثالث عدد من السمات المشتركة :

  • قوانين ولوائح المكتبات لا تصلح لعملية بحث علمي بدرجة مرضية.
  • افتقاد عدد كبير من العاملين في هذه المكتبات للوعى بأساليب العمل الحديثة أو الوعي بطبيعة البحث العلمي وهو ما يواجهه الباحثون من تعنت وتشدد في الحصول على المراجع أو المخطوطات وتصويرها.
  • افتقاد الوعي بروح العصر فليس من المنطقي أن تغلق مكتبة أكاديمية أبوابها في الساعة الثانية ظهرا في حين استمرار الدراسة في الأكاديمية نفسها حتى الثامنة ليلا، فمن المنطقي توافر المكتبة مادامت العملية التعليمية قائمة.
  • اعتماد المكتبات على قاعدة عدم الثقة في الباحث واستحالة أن يثبت العكس، وللباحثين المتعاملين مع هذه المكتبات حكايات ومغامرات (سأعود لاحقا لثلاث تجارب تمثل نموذجا أو لنقل أمثلة صارخة لهذا النوع : نموذج سابق يمثل تجربتى الخاصة مع هذه المكتبات وخاصة دار الكتب التى أجبرني أسلوب العمل فيها على الاستغناء عن خدماتها منذ زمن طويل، ونموذج لاحق يمثل تجربة راهنة للباحثين : د. عمرو عبد العزيز المحقق الشاب والأستاذ بكلية الآداب جامعة الزقازيق، والباحث الأستاذ الدكتور الأمين أبو سعدة أستاذ التاريخ البيزنطي بكلية الآداب جامعة طنطا  وما بين النموذجين ( السابق واللاحق ) تاريخ قوامه قرابة خمسة عشر عاما تؤكد حقيقة مؤلمة: أن الخدمة المكتبية في مصر في حاجة إلى ثورة حقيقية تضع القائمين عليها أمام حقائق عصرية لم يعد من الإنساني الصمت عليها أو قبول غيابها.

وللحديث بقايا