تشكيل المتخيل الفنتاستيكي ومستوياته في "جبل الزمرد" لمنصورة عز الدين
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

تأتي رواية "جبل الزمرد" للروائية منصورة عز الدين –وهي عملها الروائي الثالث بعد "متاهة مريم" و"وراء الفردوس"- في سياق حركية كبيرة تشهدها الرواية المصرية، وفي إطار تنوع في صيغها الفنية، وتعدد في بنيات اشتغالها، وغنى في طرق معالجتها للواقع المصري والإنساني المعاصرين. وتندرج رواية "جبل الزمرد" في زمرة عدد من الروايات المصرية التي صدرت خلال السنوات الخمس الأخيرة، واتخذت المنحى الفنتاستيكي سبيلا إلى معالجة حال الإنسان ومساءلة ما عرفته مصر من تحولات سياسية واجتماعية خلال العقود الأخيرة، وذلك عن طريق الإغراق في الخيال، والذهاب إلى آفاق جديدة في تشكيله قصد بناء العوالم السردية. وأستحضر في هذا السياق روايات: لهو الأبالسة لسهير المصادفة، وأبناء الجبلاوي لإبراهيم فرغلي، وشجرة العابد لعمار علي حسن، وضريح أبي لطارق إمام، ومنافي الرب لأشرف الخمايسي.. وغيرها من الأعمال الروائية. فكيف يتشكل المتخيل الفنتاستيكي في "جبل الزمرد"؟ وما مستوياته؟ وما أبعاد توظيفه دلاليا وفنيا في الرواية؟ 

تكشف قراءة رواية “جبل الزمرد” عن تشغيل متنوع للمحكي الفنتاستيكي في بناء عوالمها السردية، وعن تعدد تجليات هذا المحكي وتوظيفه في بناء الدلالات والأبعاد الفنية. وهكذا ينبثق البعد الفنتاستيكي منذ الوهلة الأولى، ومع حكاية “بستان البحر”، أول امرأة نلقاها في المتن السردي. وهي الراوية الأساس لجميع الحكايا، كما سنستشف فيما بعد. ومن خلال حكايتها نرى غرابة الأحداث تبدو في غموض ما ترويه والتباسه بالمجهول، وهذا ما نلمسه، أيضا، فيما يرتبط بحكايات هدير وأمها (نادية) وجدتها (شيرويت) وكريم خان.. وغيرها من الشخصيات. وهذا الجانب مستوى أول من مستويات تجلي الفنتاستيكي في الرواية الذي ينبثق من رحم الواقع المعاصر، أو ما يوهم بهذا الواقع في الرواية. أما المستوى الثاني من توظيف الفنتاستيكي واستثماره في بناء النص السردي، فيتمثل في استدعاء عوالم ألف ليلة واختلاق إضافات لبعض قصصها، وخاصة ما يتعلق بمحكيات جبل المغناطيس وجبل قاف ووادي الحيات من مغامرات السندباد.. وغيرها من حكايات الليالي، وتشكيل ذلك في إهاب فني جديد وأبعاد دلالية جديدة. أما المستوى الثالث فيتبدى في التحام المستويين السابقين وتشابكهما عبر ارتباط شخصيات المستوى الثاني بشخصيات المستوى الأول وتداخل مصائرها والتباس حيواتها، في سياق عجيب وعبر خيوط سردية متعددة.

            ففيما يتعلق بالمستوى الأول نجد الراوية “بستان البحر” تحكي عن خروج سلالتها من جبل قاف، وتحمل سر بعث الأميرة “زمردة”، كما تحكي عن والدها وجبل الديلم وقلعة ألموت وجبل دماوند. وحكاية “بستان البحر”، وما يتصل بها من شخصيات، لا تقدمه الكاتبة دفعة واحدة، وإنما تقسطه على فصول عدة، وبالتناوب مع محكيات الشخصيات الأخرى المستدعاة من عوالم الليالي، بحيث إن القارئ يطلع على حكايات لها نسب بواقعنا المعاصر، وما يجري فيه من أحداث، وبخاصة في مصر وما عرفته خلال السنوات الأخيرة من وقائع سياسية واجتماعية. كما ينتقل إلى عوالم متخيلة مائة في المائة عبر استحضار حكاية جبل الزمرد وجبل قاف وما حدث لإيليا وبلوقيا والأميرة “زمردة” وأمها “نورسين” و”موج” وغيرها من الشخصيات التي حفلت بها الرواية.

            في هذا المستوى نجد من علامات الفنتاستيك الغموض والالتباس، والاستناد إلى منطق الصدفة، واللجوء إلى ما يشبه اللغز، للحفاظ على أسرار تجمع كل من “بستان البحر” و”كريم خان” و “هدير”. و هذا الإلغاز في الأحداث هو الذي يصل هذه الشخصيات ذات السمت “الواقعي” بالشخصيات الأخرى المستدعاة من عوالم التخييل المحضة من جهة، كما يصل فيما بينها، من جهة ثانية. لقد كان على هدير أن تقطع أميالا كثيرة لتعرف (بنوع من الغموض والالتباس) أنها منذورة لمهمة ما تتسم بالغموض ويحفها المجهول، وذلك بعد لقائها ب”كريم خان” الذي قرأ  كفها وخاطبها ب”جلالتك” وأخبرها أنها ستصير أخرى. وطلب منها أن تبحث عن “بستان البحر” -بين شوارع القاهرة ودورها- لتفسر لها ما عاشته من حال غريبة في جبل (ثاكاتيكاس) بالمكسيك. وفعلا ستسعى “هدير” إلى البحث عن “بستان البحر” ويمر هذا البحث، بدوره، بطقوس متاهية غامضة، وبمحاولات لا تخلو من ألغاز للوصول إلى الشخصية التي أوصى “كريم خان” باللقاء بها. وستزداد عوالم الغرابة والفنتاستيك حضورا وكثافة مع ولوج “هدير” بيت “بستان البحر” واطلاعها على مكتبتها، وسعيها لإنجاز المهمة التي كلفتها بها: مساعدتها في تفريغ شرائط صوتية قصد إنجاز بحث يتعلق ببطلات ألف ليلة في المرويات الشعبية. وهي مهمة شكلية كانت الغاية من ورائها أن تتمكن “هدير” من الاطلاع على مخطوط يسرد تفاصيل حياتها الحالية باعتبارها “هديرا” المصرية التي تعيش في بداية القرن الحادي والعشرين، كما تمكنها من الاطلاع على ما حدث لجبل قاف (الزمرد) وأهله، وما وقع للأميرة “زمردة” حتى تقتنع بضرورة عودتها وانبعاثها مرة أخرى. وما الأميرة في نهاية المطاف سوى “هدير” ذاتها التي سيحيا بأوبتها مجد الجبل وحضارته. على هذه الشاكلة نجد متخيل الرواية يشكل عوالمه الفنتاستيكية، ويربط بين شخصياتها المختلفة بخيوط سردية سحرية الطابع، حريرية الملمس. وتؤدي الصدفة، والألغاز جانبا حيويا في شد حبكة الأحداث، والربط بين الوقائع.

            وفيما يتعلق بالمستوى الثاني نجد متخيل الرواية يصنع عالمه الفنتاستيكي استنادا إلى استدعاء عوالم الليالي ومضاهاتها عن طريق تكملة عدد من حكاياتها، وابتداع أحداث جديدة في أفق سردي جديد. وبهذه الشاكلة تعيد الساردة إنتاج عوالم الليالي موظفة مخيلتها مانحة لها حدودا كبرى من الحرية، فاسحة لها المجال لابتكار وقائع غاية في الغرابة والفانتاستيك، وخالقة شخصيات أخرى تسهم بدور فعال في تشكيل المتخيل الروائي. وفي هذا السياق تحضر شخصيات مثل إيليا وبلوقيا والأميرة زمردة ووالدها ووالدتها وموج وشخصيات أخرى من عامة سكان جبل قاف وغيرها. ويتميز عالم هذا المستوى من المتخيل باستدعاء كائنات خرافية وأسطورية مستدعاة من ألف ليلة وليلة، أو مبتكرة نحتتها الساردة لخدمة حكايتها وتطوير عوالمها السردية. كما يتم استدعاء وقائع غريبة من الكتاب ذاته وبلورتها في سياق فني جديد. وخاصة ما يرتبط بجبل المغناطيس، وجبل قاف.. واسترجاع بعض الأحداث المتعلقة بحكاية السندباد وواد الحيات وغيرها من حكايا ألف ليلة، وضفرها في خيوط فنية جديدة قصد تشكيل قصة الأميرة زمردة وجبل قاف، وربط كل ذلك بحياتنا المعاصرة وبقصة “هدير”/ الأميرة التي ستنبعث في عصر آخر، وزمن جديد -كما تنبأت بذلك كتب أهل جبل قاف الزمردي- لتحيي حضارة الجبل وتعيد مجده إلى الوجود مرة أخرى.

            وفي هذا المستوى من متخيل الرواية نجد الفانتاستيك يقوم على عملية استدعاء حكايات ألف ليلة، ومضاهاتها عن طريق توليد أحداث جديدة تتميز بالغرابة وخضوعها لمنطق الصدفة، وإسهام شخصيات إنسانية وحيوانية (الحية) وكائنات خرافية (الطيف) وقوى طبيعية (جبل المغناطيس) في سيرورة الوقائع وتوتر الأحداث وتناميها، بحيث نجد الغرابة تتصل، هنا، بالمجهول والغامض. وتؤدي النبوءة -التي لا تسلم من الألغاز والالتباس- دورا في سوق الأحداث نحو تحققها، وبالتالي حصول كارثة جبل قاف وشتات أهله وتوزعهم في العالم. وقد كانت مروج التي قرأت النبوءة وراء الإسراع في تفعيلها حينما اطلعت على السجل السري لجدها (أحد حكماء الجبل)، تقول الساردة:

عادت مروج إلى أوراق جدها السرية التي سجل فيها نواميس قاف وقوانينه. قرأت نبوءة عن غريب يطأ قاف وتلي وصوله لعنات كفيلة بتصدع الجبل الزمردي، فشعرت بثقل يطبق على صدرها “.(ص. 136)

            وهكذا كان منطق التنبؤ والارتباط بالافتراضي والغيبي من عناصر تشكيل المتخيل الفنتاستيكي في الرواية، وشد خيوط السرد، ووصل لحمة الشخصيات جميعا فيما بينها.

وإذا انتقلنا إلى المستوى الثالث من مستويات تشكيل متخيل رواية “جبل الزمرد” نلفي هذا المتخيل يجمع بين المستويين السابقين في أفق فني يستند إلى مبدإ الانبعاث والتجدد بعد الاحتراق والموت، وكأن الرواية تستعيد في الخلفية أسطورة العنقاء أو طائر الفينيق الذي يحترق ليحيا مرة أخرى، كما نجد في الخلفية الروائية، أيضا، مفاهيم تناسخ الأرواح وتجدد الحياة في أشكال جديدة: إن الأميرة زمردة ستعود إلى الحياة في إهاب “هدير” الفتاة الجامعية المتمردة المعاصرة التي ستحيي بذكائها وامتلاكها ناصية الكتابة والحكي مجد الأسلاف ومجد جبل قاف. وبهذه الشاكلة نرى أن درجة تشغيل المتخيل الفانتاستيكي في هذا المستوى كان أشد كثافة، وأكثر توظيفا لأساليب التشويق والإيهام لوصل عوالم المستوى الأول بالمستوى الثاني. وقد وظفت الساردة في هذا السياق تقنية القراءة في المذكرات والسجلات والكتب وسيلة من وسائل اطلاعنا –نحن القراء- على تفاصيل جديدة أغفلتها أثناء سرد حكاية جبل قاف أو حكاية قصة “بستان البحر” و”هدير“.

وفي هذا المستوى تتوسل الساردة بأساليب فنية كثيرة قصد جعل حكايتها الفنتاستيكية متماسكة البناء متلاحمة العناصر. ومن بين هذه العناصر الفنية نذكر، إلى جانب النبوءة ومنطق الصدفة وتداعي الأحداث وتشابكها، توظيف طاقة الحلم باعتبارها بعدا جماليا يكشف عن دواخل الشخصيات، ويمكنها من الارتباط بالعوالم المنتظرة المتنبئ بها. كما أن استعمال الرمز والإشارات والتلميحات من خلال الأشياء من أهم ما تستند إليه طاقة التخييل في النص الروائي، وهنا نذكر خاتم أم “هدير” (نادية) الزمردي وحادثة ضياعه ورمزية ذلك في الرواية باعتبارهما إشارة ووسيلة تعرف على “الأميرة المنتظرة” التي ستنبعث من جديد لتعيد مجد جبل قاف وتجمع شتات ثقافته وقسمات حضارته. ولا ننسى توسل الساردة بتقنية “الرواية داخل الرواية” التي تمثلت في جعل “هدير” تطالع قصتها في زمنها القاهري وعصرنا الحالي في مخطوط تعثر عليه بمكتبة “بستان البحر”، ومعرفتها، أيضا، بأنها “الأميرة المنتظرة” من خلال مخطوط آخر، وعن طريق إشارات “بستان البحر” وتلميحاتها.

والخلاصة التي ينتهي إليها القارئ هي أن رواية “جبل الزمرد” وظفت إمكانات فنتاستيكية متنوعة قصد بناء متخيلها، وأنها رواية تصنع عوالم إمكانها الخاصة باعتبارها نصا يجسد الحنين إلى فضاء مثالي نعم أهله بالرخاء والسعادة والاطمئنان والعدالة إلى أن تدخلت الأقدار وحل الغرباء فانتهى أمره إلى الزوال، لكن الأقدار أنبأت حكماء جبل قاف باحتمال عودة المجد وجمع شتات صفوة أهل الجبل الأسطوري. وبذلك، فإنها رواية تصنع يوتوبيا جميلة في زمن مظلم مهتز لا مجال فيه لليوتوبيات. وهي بذلك، أيضا، رواية احتجاج على حال قائم، وشجب لواقع مزر تعرفه الإنسانية عبر الارتباط بالحلم والخيال. وهل يملك الإنسان غير الحلم وصناعة العوالم اليوتوبية الجميلة في زمن الأزمات؟

وعلى كل إن الرواية أمتعت، وإن الكاتبة أبدعت، وإن القارئ لا يملك سوى التسليم برقي فنية الرواية ورشاقة أسلوبها وبديع متخيلها.

عودة إلى الملف