موقع الكتابة الثقافي uncategorized

د. مصطفى الضبع

تعتمد الحياة على التداخل بين سياقاتها المختلفة، و التداخل بين المتناقضات و بين المتآلفات بعضها البعض قائم ما قامت الحياة على الأرض، وهو ما يؤكد فكرة عدم نقاء النوع أى نوع دون تداخله أو امتزاجه بأنواع أخرى متعددة.

وفى سياق الإبداع يعتمد الوعى المبدأ نفسه فى صياغة أنواع جديدة أو فى صياغة أنواع قائمة على التجانس مع احتفاظ كل منها بطبيعته أو بسماته الخاصة، وعلى الرغم من تباعد الأفكار بتباعد العلاقة بين أصحابها فإن سمة علاقات تكاد تكون خفية قادرة على تشكيل الوعى الجمالى للمبدعين مما يجعل اكتشاف المتلقى لمثل هذا النوع من التداخلات / العلاقات شكلا من أشكال الوقوف على حقائق الأشياء فى حياة عصرية لم تعد صورتها بقادرة على الثبات زمنا طويلا.

يقف الواقع بقضاياه حائطا تلتقى عنده أفكار الكتاب والمفكرين، محاولة اختراقه أو تجاوزه بغية الاكتشاف، وطلبا للمزيد من الحرية، والمزيد من القدرة على اكتشاف مافى الحياة من جماليات أو مناطق ساخنة للتعبير، هنا يصبح الإبداع نوعا من المواجهة الخلاقة .” الإبداع يحدث فى فعل المواجهة، وينبغى فهمه على أساس أن هذه المواجهة مركزه ” ( [1] )، المواجهة المبشرة بوجهة نظر الكاتب مبثوثة عبر شخصياته، يرى بوريس أوسبنسكى  .” تكون وجهة نظر الراوى، فى بعض الحالات، أكثر أو اقل تحديدا من الناحية الزمانية أو المكانية، فنكون قادرين على معرفة موقعه من خلال الإحداثيات المكانية أو الزمانية، التى يدار من خلالها السرد، من ذلك مثلا، أن موقع الراوى فى العمل الأدبى، قد يتطابق مع موقع شخصية من الشخصيات وكأنه هو الذى يقوم بالسرد من النقطة التى تقف فيها الشخصية “([2] ). تنشغل هذه الورقة بتقديم نوع من أنواع التجريب فى القراءة معتمدة آلية التداخل الروائى، ذلك التداخل المعتمد على مستويين .

  • المستوى الأول . مستوى التداخل بين نصوص من نوع واحد ( الرواية ).
  • المستوى الثانى . التداخل بين الأنواع الأدبية المختلفة ( الرواية وغيرها من الأنواع ).

ومستعينة بأفكار الأدب المقارن فى محاولته قراءة خطوط سير الأفكار، وتداولها بين العقول اعتمادا على مرجعيتها الواحدة.

وتقيم الورقة جهدها على خمسة نصوص روائية عربية كتبها خمسة كتاب لا علاقة بينهم فى الواقع، وعلى الرغم من ذلك تداخلت نصوصهم عندما توقفت عند مجموعة من العناصر ذات الاهتمام المشترك، تلك العناصر التى كشفت عن مرجعية تتداخل عناصرها فى وعى كتابها الذى تسلل بدوره إلى وعى النص متجليا فى وعى الشخوص أولا، والمتلقى ثانيا.

لا تنشغل الورقة بالمقارنة بين النصوص غير ما يمكن أن يبدو كذلك بغية توضيح أمر ما أو استجلاء تفاصيله، دون أن تكون المقارنة أساسا وإنما التكامل بين النصوص عبر تداخلها أو اشتباكها من أكثر من زاوية فى مقدمتها ما يمكن أن يوصف بالمرجعية التى تبدو هناك محركة بعض التفاصيل و الخلفية التى تتشكل هناك فى المشهد الجامع للنصوص عبر تشابكها الدال.

الروايات الخمسة تنويع على موضوع مركزى، الإنسان العربى فى الألفية الثالثة، ذلك الإنسان وقد أورثه التاريخ العربى إرثا حضاريا مشاكله ومعوقاته أكبر بكثير مما يحتمل إنسان العصر الحديث لذا فإنها تنشغل بالواقع العربى فى مساحة قوامها عشر سنوات، بافتراض أن الروايات الخمسة  كتبت فى بداية الألفية الثالثة، ونشرت على التوالى فى  العقد الأول من الألفية، استدلالا بوعى النصوص بواقعها، ومساحة الواقع العربى التى يمكن رصدها عبر خطوط أربعة أساسية تفرض نفسها بقوة الواقع .

  • القضية الفلسطينية الحاضرة فى كل النصوص.
  • القضية العراقية.
  • الخلاف المذهبى فى صيغته العربية.
  • قضية الإنسان العربى عامة، والمرأة خاصة.

ولا تنفرد رواية من بين الروايات بقضية من هذه القضايا وإنما تشترك فى سياق رسم مشهد عربى شبه متكامل أو هو متكامل إلى حين

الروايات مرتبة حسب سنة صدورها .

  • (الأولى)نعمات البحيرى: أشجار قليلة عند المنحنى – دار الهلال – القاهرة 2000.
  • ( الثانية ) صبحى فحماوى . حرمتان ومحرم – دار الهلال – القاهرة 2007.
  • (الثالثة ) محمود الوروارى . حالة سقوط – وعد للنشر والتوزيع – القاهرة 2007.
  • (الرابعة) إنعام كجه جى . الحفيدة الأمريكية – دار الجديد – بيروت 2008.
  • (الخامسة ) ريم بسيونى . الحب على الطريقة العربية – دار الهلال – القاهرة 2009، ([3] ).

أولا . الخروج

ثمة عناصر مشتركة بين الكتاب الخمسة تعتمد على  ملاحظات قد لا يعتمد عليها القارئ ( لعدم درايته بها ) ولكنها فى حاجة للتوضيح لحاجة التأويل إليها ولإضافتها فى سياق المرجعية الكاشفة عن التداخل بين الروايات فالكتاب الخمسة يمتلكون ثقافة السفر والانتقال بين ثقافات مختلفة داخل الثقافة العربية أو خارجها، وجميعهم مروا بتجربة الخروج، الخروج من بلادهم، والانفصال عن مسقط الرأس، تتعدد ظروف الإقامة بعيدا عن الوطن، وتختلف أسبابها ولكن يظل العامل المشترك هو الاغتراب بدرجة ما ( تختلف بين  حالة الإقامة الإجبارية لظروف سياسية أو الإقامة لظروف العمل وهى إقامة ليست بعيدة تماما عن الظروف السياسية أو الاقتصادية )، والشخصيات الفاعلة فى الروايات الخمسة محكومة بحركتها فى المكان، بمحاولتها الصمود فى غربتها ومجابهة تحديات الغربة والقهر، تتعدد أسباب الغربة ولكنها تظل سمة عربية، والخروج الذى مارسته شخصيات الرواية يربطها بكتابها حيث الشخوص فى معظمها تلتقى مع الكتاب عبر رابط الخروج، وممارسة السفر ويمكن لقراءة النص باعتماد منطق السيرة الذاتية أن تكشف عن كثير من الوشائج الرابطة بين الكتاب وأبطالهم  .

  • نعمات البحيرى، مصرية عاشت تجربة الحياة فى العراق ([4]) وبطلتها أشجان تغادر مصر زوجة لعائد العراقى وتكون بمثابة المصور الذى ينتقل فى مهمة متعددة الأبعاد لاكتشاف واقع عربى أوسع، وفى الغربة تلتقى أشجان بعدد من مواطنيها، وحين احتاجت أنبوبة الغاز وجدت عامل الأنابيب مصريا .” لم تكن مصادفة أن يكون العالم مصريا، فقد كان الزبال كذلك، وبائع الخضروات وبائع الفاكهة، حتى آدم السودانى يحسبه عائد من المصريين ” ( [5]).
  • صبحى فحماوى فلسطينى يعيش فى الأردن ( [6] ) وبطلتاه ماجدة وجهاد تغادران فلسطين زوجتين على الأوراق إلى ولاية الرمال.
  • محمود الوروارى مصرى يعيش فى الإمارات العربية المتحدة ([7] )وبطله محمود يغادر مصر إلى الأردن أولا ومنها إلى الخليج ثم إيران فالعراق.
  • إنعام كجه جى عراقية تعيش فى فرنسا ([8])وبطلتها زينة تغادر موطنها الأمريكى بالتجنس عائدة إلى غربتها فى وطنها الأصلى ( العراق ).
  • ريم بسيونى مصرية تعيش فى أمريكا ( [9] ) وبطلتها صفاء تغادر مصر إلى أمريكا مختلقة معركة تعتقد انها معركتها القادمة .” ومادامت قد كسبت الكثير من المال فى القضية فلابد أن تبدأ معركتها العالمية، معركتها ضد أمريكا العظمى، وفى الحقيقة معركتها ضد أمريكا تنحصر فى  شخص واحد إرهابى متعصب مستفز قليل الأصل طماع، ويعمل مع أكثر من جهة وحركة وطائفة وحزب وكتلة، وهذا الشخص الذى تطلق عليه صفاء اسم حركة أمل اللى مفيهاش أمل هى زوجة أخيها المهندس فى أمريكا ” ( [10]).

إضافة إلى أن شخصيات الرواية من العرب فى أمريكا يمثلون وجها آخر من الانتقال ( زينة الأردنية، وأحمد المصرى شقيق صفاء، ونبيل اللبنانى، وعمير الفلسطينى ).

والشخصيات فى خروجها لا تكشف عن خلل المجتمعات الجديدة التى استقرت فيها بقدر ما هى تكشف عن خلل الواقع الذى خرجت منه، وهو ما تطرحه الرواية الأولى بداية تشتبك الروايات مع الواقع العربى مستجلية جانبا يقترب من التاريخية، وتكاد مسألة الخروج تكون واحدة من دوافع حركة السرد فى الروايات الخمسة، تصرح بها الرواية الخامسة .” و كان الخروج صعباً جدّاً. فلا هي تعرف تعويذة تخرجها ولا هي متأكدة من أنها تريد الخروج.  و التعاويذ صعبة هذه الأيام و مكلًفة جدّاً. و العشق يُذهب العقول، والخوف يُرجف الحدود، و الأماني القليلة تغرق الحواجز كلها.

عندما دخلت صفاء الخريطة، بدأت الحكاية.

خريطة الأمة..

خريطة العرب” ( [11] ).

والخروج هنا فى مستواه الأول حركة بين واقعين تهرب الشخصيات من الأول إلى الثانى، مرة مدفوعة بالحلم، ومرة مدفوعة بالحب، وفى كل مرة قد تكون الحركة غير محسوبة العواقب ولكنه الواقع  الذى ترصده الرواية  فى رصدها  مساحة زمنية لها طبيعتها الخاصة، حتى أنه يمكنك أن تتدرج فى إدراك فعل الواقع العربى عبر الإشارات المتسمة  بالخفاء كما فى الرواية الأولى حيث تفتح الرواية زاوية الرؤية على عالم يبدو غير مألوف للمتلقى ولكنه فى حقيقة الأمر ليس بعيدا عن واقعنا العربى، أو الإشارات الجامعة بين الخفاء والتجلى كما فى الرواية الثانية حيث السرد يطرح نوعين أساسيين من الواقع . الواقع الفلسطينى الأضيق المصرح به، والواقع العربى الأكثر اتساعا ولكنه غير مصرح به تعبر عنه ولاية الرمال ، حتى نصل إلى الروايات الثلاثة وهى تصرح بالواقع العربى فى إفراد مساحة السرد له كما فى الرواية الثالثة، أو عبر صورته فى حالة  وضعه فى إطار أوسع يشمل الواقع العربى إلى جانب الواقع الغربى، وحيث الثانى يلعب وظيفة لها طابعها الإعلامى حيث الواقع الغربى يقوم بدور الكاشف عن الواقع العربى، وهو ما يتأكد فى وضعية زينة القادمة من الغرب إلى الشرق، وصفاء فى رحلتها المعاكسة من الشرق إلى الغرب.

لقد حاولت الروايات أن تعيد صياغة عالمها وشيج الصلة بالواقع المتعين على مستويين .

  • الواقع المنفتح الدلالة من حيث قدرة النص على أن يشير إلى عالم مرموز إليه ليس خاصا بواقع محدد التضاريس بقدر ماهو يؤسس لرمز الوطن العربى بصورة عامة.
  • الواقع البينى ( الشبيه بالأعراف بين النقيضين أو المنطقتين المتمايزتين ) فحركة السرد تمتد زمنيا ومكانيا، والنص يفتح زاوية الرؤية المكانية منذ البداية ” طريق الأسفلت على الجانب الآخر أكثر لمعانا. ربما لتلك المفارقة التى تشبه مأساة أو ملهاة الشهور والأيام والأحلام والكوابيس  التى عشتها هناك. فى البيت الصغير الكائن فى نهاية الطريق ” ( [12]) .والمفارقة قائمة بين العالمين تماما كما هى قائمة بين جانبى الطريق اللذين لايفصل بينهما إلا مسافة قصيرة  هى الفاصل الوهمى بين عالمين يلتقيان بقدر مايبتعدان ويتنافران، ويتشابهان بقدر ما يختلفان، فالأنظمة فى اختلافها تتشابه والقوانين فى اختلافها الظاهر يكمن التطابق والتماثل.  

وأشجان تتحرك بين العالمين  حركة المحاول الحفاظ على عالمه بالاندماج – أو السعى نحو الاندماج  – فى الآخرين ومعهم،دون خسارة عالمه الأصيل الذى يمثل جذوره العريقة ( ويمكن التدليل على ذلك بحفاظها على منديلها الأبيض الذى تغمسه فى دم الجندى المصاب ).

     عندما يقف المتلقى على حافة التأويل محيلا سمات الوطن الجديد إلى بلد عربى بعينه ( العراق ) فإنه يقف عند حد حضارتين تتحاوران عبر مفرداتهما ( البشر: سلوكهم ووعيهم بعالمهم – المكان .طبيعته وما يشى به من سمات اللحظة التاريخية الراهنة – الزمان . تفاصيله ووعى الأفراد به  ). والصراع الذى يطرحه النص صراع متدرج، متعدد الزوايا لايتوقف عند إحساس أشجان بالغربة فى بلد ظنته وطنها الثانى أو البديل الزمنى والتاريخى لقهر الماضى ( سطوة الأب والمجتمع الذكورى ) فإذا بهذا البلد يشكل مع الزوج قوة أكثر طغيانا فأصبح البلد غير مفهوم والزوج الحبيب غير متفاهم  مما أضاف لأسئلتها التاريخية معضلات أكثر غموضا ”  كيف أجزم الآن بأنه يفهمنى، حين عمق فى نفسى هو وبلده ذلك  الإحساس المرير بالغربة…… صرت أواجه العديد من تناقضات ” عائد ” وغابات سوء الفهم والتقدير والمفارقات التى تجعل فهمى للحياة صعبا وربما أشد صعوبة، ثم تراودنى الأفكار.. كيف أطالبه  بالفهم وأنا لاأفهم نفسى حق الفهم ” ( [13] )

     هنا نحن إزاء مشكلة لها جانبها  النفسى الذى يكاد يكون عاما، متكررا رغم خصوصيته . السعى وراء حلم تكشفت وهميته، وسراب لا يملك صاحبه إلا الندم على ما مضى دون عودة. وفلها جانبها الحضارى . مدنية بحضارتها السابقة تهرول نحو الزوال، ولها بعدها السياسى .حرب تدخلها الأمة العربية دون مبرر أو عائد ليس لها من نتيجته السياسية إلا كل سلبى وضار، ولها بعدها الاقتصادى الخالق لظروف إنسانية تكشف عن الأبعاد الإنسانية ( الأفراد المصريون العاملون فى البلد العربى والذين يمتهنون أقل الأعمال . بائع الروبابيكيا، السباك وغيرهم ممن يمثلون قطيعة مع حضارة عريقة تتشابه مع الحضارة المشار إليها سالفا فى كونهما يمثلان شكلا من أشكال ماوصلت إليه الشخصية العربية فى انحدارها الإنسانى نتيجة العوامل المختلفة.ومن جهة أخرى يحتفظ هؤلاء – رغم حالتهم – بالقدر الحضارى و الإنسانى الذى يجعل أشجان تتعاطف معهم أوتلتقى معهم إنسانيا بالقدر الذى يدفع (عائد) الزوج  لطردهم من بيته  وهو مايزيد من هوة الخلاف و يضيف إلى جبال الجليد التى راحت ترتفع بين” أشجان المصرية” و”عائد العراقى ” اللذين يمثلان حضارتين لاتلتقيان،وماكان بينهما من التقاء ظاهر لم يكن من العمق للدرجة التى  تجعله مثمرا، وأشجان بحكم تمثيلها للجانب الواعى أو ظهورها فى صورة الوعى الذى لاتعيقه ظروف اللحظة وهى تصرح بأن جسدها أكثر قدرة على المقاومة  ( يساندها فى ذلك مصريتها وأنوثتها وثقافتها أيضا) وتتكشف قدرة الجسد هذه فى رفضه أن يحمل مايعبر عن ثمرة الإلتقاء الحضارى رغم تأكيد الطب على انعدام الموانع: ” أكثر من طبيبة أكدت له بأنه ليس لدى أية موانع، وحين أحدثها على جانب تهمس لى وهى تتجنب أن يسمع “عائد”.. – جسمك رافض…. بتحبيه ؟ ” ( [14] ).

إن التشابه  بين الحضارتين يأخذ بعدا جديدا يتساوى  فى ذلك  خروج ممثلى الحضارة الأولى( أشجان والعمال المصريين )  عن وطنهم وشعورهم بأن حضارتهم لم تستطع حمايتهم مما آلوا إليه من إحساس بالغربة، وهو ماتجسده تفسيرات الطبيبة لرفض جسد أشجان الحمل .” أسمعها تؤكد له .

  • ربما يكون شعورها الحاد بالغربة له تأثيره.. “( [15]). يتساوى ذلك مع شعور عائد وبنى وطنه بالخوف وانتظار الموت الذى يحمله الصاروخ المنتظر دائما.

 فى ( حرمتان ومحرم ) يقدم الروائى فضاءين أساسيين .

 – فضاء معلن يشير إلى منطقة بعينها ( فلسطين ).

  • فضاء خفى يكتفى بالإشارة إليه رغم اتساع مساحته ( ولاية الرمال ) تلك الولاية التى من الممكن للمتلقى أن يحيلها إلى بلد عربى بذاته وقد ينجح الراوى فى إخفاء معالمها فيكون من الصعب التعامل معها بوصفها بلدا عربيا بعينه ولكنها من المؤكد تطرح دلالة تقوم على التأكيد على عروبة المكان التى يطرحها عنوان الرواية عبر ثقافة عربية خاصة ( فكرة المحرم فى صيغتها العربية أو كما يفهمها العقل العربى المعاصر إضافة إلى مفردة الحرمة فى خصوصيتها أو فى خصوصية الثقافة العربية فى التعامل معها).
  • ترسم ” حالة سقوط ” لوحة تشكيلية مساحتها ما يقرب من ثلث الوطن العربى، بداية من مصر حيث بداية رحلة البطل / الراوى، وانتهاء بالعراق مرورا بالخليج العربى وإيران وبريطانيا وأفغانستان والأردن ، راسمة دائرة تكاد تشبه حلقة تضيق وتتسع حسب معطيات حالة السقوط التى تنتجها الرواية عبر مجموعة الدوال.
  • يقوم السرد فى ” الحفيدة الأمريكية ” على رسم خط شبه مستقيم من أمريكا إلى العراق، حيث يكون على زينة العراقية الأصل الأمريكية الجنسية أن تعمل مترجمة للجيش الأمريكى فى العراق، موزعة بين عروبتها وجنسيتها، تحاول إخفاء حقيقتها على جدتها ولكنها ليست قادرة على إخفاء حقيقتها على نفسها وتظل فى صراعها الداخلى الذى تعجز عن التعبير عنه فالتعبير تصريح بما تحاول إخفاءه، وتستعين بمن يكشف لها ما تخفيه .” كلب أبو بيتين هكذا وصفت طاووس حالتى بعد عودتى من ديترويت، لا أنا قادرة على استرجاع حياتى السابقة، ولا على التآلف مع حياتى فى الخضراء”([16]).
  • تعتمد ” الحب على الطريقة العربية ” على تشكيل مثلث مكانى تتوالى زواياه فى الظهور مع حركة السرد، زاويته الأولى فى مصر، والثانية رأس المثلث  فى أمريكا، والثالثة فى لبنان ( تخرج صفاء من مصر قاصدة أمريكا لغرض شخصى يتمثل فى دحر قوة زوجة أخيها التى تستولى عليه وعلى ممتلكاته، ومن أمريكا تنطلق إلى النقطة الثالثة فى المثلث جنوب لبنان فى صحبة زوجها نبيل ).

من النص إلى العنوان

يطرح العنوان الروائى دلالته عبر قراءتين أساسيتين . قراءة العنوان ماقبل النص بوصفه عتبة أولى، وقراءة العنوان بعد النص بوصفه نصا موازيا يطرح نفسه ضمن شفرات النص سواء ظهر فى المتن تصريحا أو إيحاء ([17])، العنوان بعد القراءة هنا يطرح نوعا من التماسك النصى أو التعالق الاجتماعى الذى يفرض نوعا من أنواع التماسك النصى، و يمنح بدوره متلقى النصوص الخمسة  الفرصة لقراءة تجمع النصوص كلها فى سياق واحد  بوصفها نصا واحدا ممتدا، متكاملا سواء اعتمد قراءة التوالى ( بترتيب النصوص بشكل متوال حسب ظهورها ) أو قراءة التوازى ( بترتيب النصوص فى سياق واحد يربطها السياق العربى دون النظر لسنوات النشر )، وفى سياق التوالى ( وهو القراءة الأقرب للمنطق ولا تستدعى استبعاد عنصر الزمن ) تأتى ” أشجار قليلة عند المنحنى ” لتضع حجر الزاوية فى رسم خارطة العالم العربى لتكون شكلا من أشكال التمهيد، والحالة التى ترسمها الرواية لبلد يرسف فى أغلال الديكتاتورية هى حالة وطن كان لابد أن ينتهى به الحال فى الروايتين . الثالثة والرابعة، حيث رسمت الرواية الأولى بعض تفاصيل المشهد الذى لم يكتمل إلا فى الرواية الثانية، وهو ما يجعل اللوحة تتشكل على مدار قرابة سبع سنوات فاصلة بين أشجار قليلة (2000)، وحرمتان ومحرم (2007) تطرح الأولى الحرب العراقية الإيرانية وويلاتها وسطوة الديكتاتور العراقى ( لا تصرح الراوية بذلك وإنما تؤكده  تجربة الكاتبة الواقعية وملامح المكان الدالة على بلد بعينه تكشف مظاهر الحياة فيه عن خلل اجتماعى  )، وتعمم الرواية الثانية تجربة الخلل على مساحة أكبر من الوطن العربى، تلك المساحة التى تتسع رقعتها عبر الرواية الثالثة فى تصريحها بحالة السقوط التى تبدأ من مصر وتنتهى فى العراق الذى يكون المشهد الأخير فى ” حالة سقوط ” تعبر عنه زهوة فى كلماتها الأخيرة الرافضة للطبيب الأمريكى لعلاجها .” ضحكت بسخرية شديدة المرارة والألم .

  • ممكن تسأل ذلك الطبيب إن كان سيكون قادرا على إجراء عملية تجميل لمحسن، أو إعادة كفك، أو إرجاع وجد لنا، أو إرجاع أبى الذى قتل وسط مسجد فى الفالوجة…..([18] )، وتكشف زهوة هنا عن رفض أصيل للطبيب الأمريكى تمتد مرجعيته إلى الجدة ” رحمة “، وهو ما تكشف عنه ” الحفيدة الأمريكية ” لتقوم الرواية الرابعة بدور المفسر لما قد لا نراه فى منطقه الصحيح، تقول زينة عن الجدة .” فكرت أن أبعث لها طبيبا من المعسكر. لكنى خفت أن تخيلقه وتسحته. تطرده وتلم عليه أهل المروة. تموت ولا تدع عسكريا أمريكيا يكشف عليها. أما أنا فيمكنها أن تطردنى وأن تشتمنى، وأبقى واقفة أتلقى الخلوقات. متدثرة بحبها لى ” ( [19] )

وما طرحته أشجان المصرية من خلل عبر رؤيتها للوطن العربى، كانت نتيجته المنطقية أن يتطلب الأمر تدخلا للعلاج أو للقيام بدور المخلص وهو ما تصرح به ” حالة سقوط “، وتظل زهوة فى رمزيتها للعراق والوطن العربى الحالم بمخلص ينتمى لهذا الوطن .” أما أنا فسأنتظر طبيبا عراقيا يعيد ذلك الوجه المشوه إلى سيرته الأولى ” ([20])، بعدها سيكون على زينة العراقية القادمة على دبابة أمريكية أن تقوم بدور الطبيب عبر الكشف عن كثير من مواطن الخلل بعيون عراقية لها منطق أمريكى، أو تستنير بثقافة الغرب تماما كالذين تلقوا تعليمهم فى الغرب فى بداية رحلة التنوير العربية وعادوا مرة أخرى لبث رؤية إصلاحية.

وتتدرج التفاصيل حتى نصل إلى عمق المأساة العربية فى لوحة صريحة ثلاثية ترسمها الروايات الثلاثة ( الثالثة والرابعة والخامسة ) حيث تتخلص الروايات من الإيحاء معتمدة التصريح حتى نصل إلى لغة غير مواربة تتخلص من المجاز لتصرخ برؤيتها بعيدة عن أى طابع مجازى .” ماذا نعرف أيضاً عن العالم العربي؟ تاريخ مشترك من الظلم و القهر و الدم الذي يسيل أحياناً بأيدينا و كثيراً بأيدي الآخرين.  دائماً قاسم مشترك في كل الحروب و الصراعات..البطل الأساسي للموت و الدمار.

و كأن العالم يستأجرنا كدرع بشري في كل معركة، و مهما جرحنا و سالت الدماء لا يرحمنا، ويستأجرنا من جديد!  ماذا نعرف عن العرب؟، و ما علاقتنا بالبكاء على الأطلال، و الذم و المدح، و وصف السيف و الخيل و البيداء، و الانتقال من مكان إلى مكان بحصان أو جمل؟

ماذا نعرف عن صائدي اللؤلؤ الذين وجدوا كنوز سليمان في الأعماق!  لم نكن نصطاد لؤلؤاً و لا وجدنا كنوز سليمان!  و لا أي كنوز!      نعمل كالدابة في يد رجل سكير قاس لا يريحها و لا يرحمها لنكسب قوت يومنا بالكاد.  لا نجد لا كنزاً و لا ماساً و لا ذهباً. 

يكتظ بنا العالم و يسير بعضنا فوق بعض..و يبقى بيننا تاريخ من الظلم و الشقاء..و يبقى شيء مشترك يصعب فهمه. اليوم و هي بين كلِّ هؤلاء بالتاريخ المختلف، و الجغرافيا التي لا تفهمها، و العادات و الملابس والموسيقى و المأكولات، شعرت بشيء غريب” ( [21]).

يعتمد الروائى كثيرا من الأمكنة، متصالحا معها تصالحا فنيا بغية توظيفها لصالح إنتاج الدلالة الخاصة لعمله، ومع تعدد الأمكنة والفضاءات وتنوعها تكون هناك فرصة لأن يكون المكان الواحد أمكنة متعددة ويكون المكان الواحد قادرا على الانفتاح، والمقصود بالمكان الواحد هنا مكان الرواية الواحدة بما يحققه من وحدة عضوية مع النص، ولكن المكان الواحد فى ظاهره هو أمكنة متحاورة، متجاورة، تتصارع بقدر ما تتحاور، وتتحاور بقدر ما تتصارع.

يفرض الواقع العربى نفسه على الروايات الخمسة  لا بوصفه موضوعا فقط أو عنصرا داخلا فى صميم القضايا التى يثيرها كل نص على حدة، إنما للدرجة التى يبدو فيها الواقع العربى قناعا فاعلا يتداخل فى آلية إنتاج النص، ويدفع إلى إظهاره بالأساس.

والواقع هنا يتجلى عبر طريقيتن أساسيتين . أولاهما . تكشف عن طبيعة الظروف والملابسات التى يعيشها الواقع العربى بوصفه مجتمعا إنسانيا له مشكلاته الخاصة، وثانيتهما . تكشف عن موقف المجتمع العربى عامة وحكوماته خاصة من هذه القضايا ذات التأثير الواضح على مقدرات المجتمع العربى فى الفضاءات التى تتحرك فيها الشخصيات الروائية بشكل دال لا على هذه الفضاءات خاصة وإنما على الواقع العربى من حيث هو مصير إنسانى عام.

فالكتاب الخمسة على اختلاف أنواعهم ( رجلان وثلاث سيدات) استلهموا الثقافة العربية فى حالة المواجهة، سواء كانت المواجهة الداخلية بين عناصر ثقافة يبدو الصراع سمة من أظهر سماتها وهو ما يبدو فى أربعة  من الروايات الخمسة ( كما يتجلى فى ” أشجار قليلة عند المنحنى ” ثم فى ” حرمتان ومحرم”  ثم فى  ” حالة سقوط ” بوصفهما روايتين تتحركان فى فضاء عربى، و” الحب على الطريقة العربية بوصفها رواية تتحرك فى فضاء مغاير ولكنها تطرح الصراع نفسه بين الثقافة العربية )  أو على مستوى المواجهة بين الثقافة العربية من ناحية، والثقافة الغربية من ناحية أخرى ( كما فى رواية ” الحفيدة الأمريكية ).

 تتحرك  ” حرمتان ومحرم ” من منطقة مشتعلة ( فلسطين ) ، منطلقة إلى مناطق أكثر اشتعالا، المنطقة الأولى مشتعلة بصورة علنية، والمناطق الثانية تشعلها الرواية بما تكشفه عنها، لذا تعتمد الرواية نقطة البداية مجالا من السخرية أكثر من غيرها، وتميل الثانية إلى توصيف ماهو كائن بوصفه حقائق يؤسسها النص فى مقابل ما أسسته أحداث الواقع المتعين فى منطقة الانطلاق الأولى، تلك المنطقة التى ستبقى على واقعيتها دونما تحويلها إلى رمز فنى فى مقابل المناطق الأخرى التى تعتمدها الرواية بوصفها رموزا لأشخاص وبشر، فالرواية تقسم فضاءاتها إلى نوعين أساسيين .

  • الأول . مخيم صلاح الدين الفلسطينى بوصفها بؤرة لمجال حيوى فى الرواية، ويضم معه الأمكنة ذات الوجود الواقعى المتعين.
  • الثانى . فضاءات تميل إلى الحضور الرمزى، وهى وإن اشتبكت مع الواقع بما يمكن للمتلقى اكتشاف العناصر الرابطة بينها وبين الواقع فإنها تظل فضاءات تتحرك فى مجال واسع من الرمز ويظل المتلقى – على تعدده – لا يستقر بها على فضاء بعينه إذ هى تدخل فى نطاق الفضاءات المتحررة من قيود التأويل الأحادى، وتعد ولاية الرمال هى النموذج الأوفى فى دلالته على هذا النوع وتمثيله لطاقات الرمز فيه.

ويطرح  الاستهلال مشهدا دالا ليس مقصودا لذاته بقدر ماهو مقصود لإنتاج دلالة أوسع . ” فى معسكر الحصار، يتوسط حى ” سلام الشجعان ” سوق شعبى تقليدى يغص بمحلات تجارية عديدة ، وفى الزاوية البعيدة تقبع محددة العودة، التى تلفت الانتباه إليها بأصوات طرقاتها والرائحة المنبعثة الخانقة من أشعة لحام الأكسجين، والشرر المتطاير من جسد حديدى يتم تقطيعه من الوريد إلى الوريد، والمحددة تحشر أنفها بين عدد من الدكاكين التى تجاورها ذات اليمين وذات الشمال، فمن هنا متجر أبو ريالة، وبقالة غظب، ومستودع البطل لمواد الحديد ومن هناك مستودع الفار للبلاط، ومحل ألبان الثور، ومحلات المهلبى للأسمنت، ومغسلة السلطة للسيارات، وبجوارها محل بناشر العذراء، وميكانيكى الضبع تخصص جميع أنواع السيارات……….. ” ( [22] ).

تجاوزا للمستوى الأول الذى يتشكل عبر صورة المكان بوصفه مجرد مسرح للأحداث يعده السارد ليكون مكان التقائه مع متلقيه، تجاوزا لهذا الطرح تتكشف الكثير من الدلالات التى تجعل من مجموعة العناصر المشكلة للمشهد قادرة على طرح دلالة مغايرة أو هى تعمد إلى إنتاج هذه الدلالة، فالسوق الشعبى الضاج يتخذ صورة المجتمع العربى فى واقعه الراهن، وهو ما يتأكد من مراقبة مجموعة المحال والمتاجر فى مستوياتها الدالة، وجمعها بين أسماء تراثية وأسماء حديثة، وأسماء تقيم شكلا من أشكال المفارقة ( ألبان الثور، وهل ينتج الثور لبنا ؟ )، تلك المفارقة المنتجة بدورها للسخرية، والراسمة صورة تعانى الخلل لهذا المجتمع الذى تنزوى فيه محددة ( ورشة للحدادة ) ليست بعيدة فى سياق الصورة عن كونها فلسطين بكل ما تموج به من اشتعالات، فلسطين المنزوية أو المجبرة على الانزواء جغرافيا على الخارطة العربية، وعلى الانزواء معنويا بانشغال العرب عنها بتجاراتهم الخاصة، ومشاغلهم الدنيوية وقضاياهم الفرعية.

الرحلة / طرائق السرد

تتعدد طرائق السرد، وتفرض كل رواية طريقة سردها أو بالمعنى الأدق يفرض كل واقع نصى طريقته فى السرد، وتجتمع النصوص كلها لصالح نص واحد هو ذلك الواقع العربى المحرك، المنتج، الفاعل، الدال.

جامعة بين الرحلة والريبورتاج والحكاية تتحرك رواية ” حالة سقوط ” ، تعتمد الرحلة على حركة فى المكان، وتقوم الحكاية على الحركة فى الزمان، وتهتم عملية السرد بالوقوف على حالة من الرؤية بعيدة المدى للواقع العربى فى ذاته، وفى علاقته بعدد من الدوائر العالمية.

فى الروايات الخمسة  تتعدد الرموز الدالة المنتجة لطاقات التأويل معتمدة عددا من العناصر ( الشخصيات – الفضاءات – الأشياء – التيمات السردية المتكررة أو ما يمكن تسميته باللازمة السردية ).

فى المقدمة تأتى الشخصيات بوصفها رموزا تلعب دورين أساسيين . أولهما خاص بها من حيث هى رموز لها دلالتها من حيث هى تحيل إلى ذاتها، إلى الإنسان من حيث هو دال سرديا، وثانيهما يحيل إلى عدد من الرموز التى يحيل إليها الإنسان، ويوجه طاقتها، فالشخصية الرامزة فى الرواية توجه عملية الرمز وتجعل من العناصر الأخرى مجالا رمزيا يتجاوز مساحة الرؤية الأحادية التى قد يوجهها المتلقى أو يوجه النص إلى تأكيدها.

على مستوى الشخصيات تطرح الرواية مجموعة  من الشخصيات التى تجبر متلقيها على تقسيمها،أو أن المتلقى يجد نفسه مدفوعا – إجرائيا – لتقسيمها بغية التفسير والتأويل وصولا للكشف، الكشف عن الرسالة النصية أو ما تطرحه الرسالة من قضايا ينتجها النص أو يتوصل إليها المتلقى عبر النص أو بتأثير مباشر منه،وهى تقسيمات تميل إلى تخصيص مساحات لرؤية العالم، ويتأسس التقسيم على .

  • شخصيات الداخل (مخيم صلاح الدين )-الخارج(ولاية الرمال،وما حولها ).
  • شخصيات نسائية – شخصيات ذكورية.
  • شخصيات حاضرة – شخصيات غائبة.
  • شخصيات مقيمة – شخصيات مهاجرة.

فى الأولى يقف المتلقى عند شخصيتى المقدمة ( نعنى مقدمة الشخصيات ) تغريد وماجدة بوصفهما نموذجين للشخصية الرامزة بقوة إلى عدد من مستويات الرمز التى تبدأ من كونهما نموذجا للمرأة فى محاولتها الخروج عن تقليدية المجتمع والانعتاق مما يكبلها به من قيود اجتماعية وهى هنا قيود جبرية يفرض المجتمع فى ظل الاحتلال أولا والمجتمع العربى فى ظل مواضعاته الاجتماعية التقليدية التى ليس للمجتمع أن يتخلص منها لما لها من سطوة اجتماعية، وتستمر المستويات الرمزية ذاتها مرورا بمستوى كونهما شخصيتين إنسانيتين تمثلان محاولة الانعتاق من الظروف الاجتماعية([23]) ، وقد كان خروجهما موظفا فى السياق الروائى فإذا كان الخروج على المستوى الاجتماعى لحاجة اقتصادية فإن الخروج ذاته كان لغاية فنية على مستوى الكشف ( فما كان يحدث لو لم تخرج ماجدة وتغريد من فلسطين وصولا إلى ولاية الرمال ؟ ) ومن ثم كان الخروج لحاجة فنية اعتمدها الروائى للكشف عبر رحلة مباشرة على المستوى الجغرافى ( يضاف نموذج للرحلة رحلة الخروج حتى الوصول إلى ولاية الرمال )، ورحلة غير مباشرة للكشف عن طبيعة المجتمع فى الولاية حيث تمكن الروائى من خلالهما إضافة إلى شخصية أبو ميهوب الذى تحرك فى منطقة أخرى لم يكن غيره ليتحرك فيها، حيث التزم كل منهما حسب جنسه بمنطقة تؤهله لها نوعية جنسية، أبو ميهوب يكتشف عالم الرجال، وعالم الخارج الممثل فى المؤسسات الحكومية والرسمية بوصفه رجلا قادرا على الحركة فى وسطه ( دليل على مساحات الحركة لإنهاء الأوراق وتغيير مكان العمل ([24])، فيما كان على ماجدة وتغريد أن يكشفا عن عالم الداخل، عالم المرأة وعالم الرجل فى رؤيته للمرأة.

فى ” أشجار قلية عند المنحنى ” اعتمدت الروائية على أشجان لتكون وسيلتها الإعلامية للكشف عن طبيعة المجتمع العربى بداية من مصر وصولا إلى بلد ترسمه الرواية ليتخذ صفات مجتمع أوسع ما ظهر فيه يدلل على ما يخفى منه.

وفى ” حرمتان ومحرم ” اعتمد الروائى على ماجدة وتغريد فى الكشف عن مساحات حركة المرأة الضيقة، تلك الحركة التى تعنى الكثير لتشكيل صورة المرأة التى قد لا تكون مقصودة لذاتها تماما بقدر ما تكون مقصودة لغيرها فهى فى الوقت الذى تكشف فيه عن رؤية المجتمع لها تكشف فى الآن نفسه وبالقدر نفسه عن طبيعة المجتمع بشكل ما وهو ما يشير بشكل قوى إلى مدى إصرار المجتمع على البقاء جامدة دون التخلص مما يقيدها عن التقدم والتطور مما يوقع المجتمع فى بؤرة التناقض .” يرفض قانون ولاية الرمال قيادة المرأة للسيارة، ولكنه يقبل تواجدها مع سائق  أجنبى فلبينى، ليس أمينا عليها وليست مأمونة معه” ( [25])، وقد أنهى الراوى مشهد زيارة  أم شيخة (زوجة صاحب العمارة ) بمشهد صارخ رغم هدوئه، فالزائرة التى أرادت التعبير عن سطوتها على السائق الهندى الشاب فانتهزت فرصة تأخره عليها فراحت تعاقبه بلطمه على وجهه مما استفزه للطمها لطمة معنوية كشفت عن طبيعة العلاقة بينهما وهو ما يحطم الكثير من قشور المجتمع التى يتزيا بالكثير من القيم الزائفة .” – أين كنت كل هذه المدة…………وانطلقت السيارة بهما “( [26] ).

وفى ” حالة سقوط ” تتعدد وظائف المرأة فى مجتمعها الذكورى وتطرح أسئلتها الجريئة، والروائى يعتمد عددا من الشخصيات النسائية الكاشفة ( منى المصرية – زهوة العراقية – رولا  اللبنانية ) ويربط بين سقوط المرأة وسقوط المدن  فى تعبير محكم دال .” خلف كل سقوط امرأة سقوط مدينة وخلف كل سقوط مدينة حاكم خائن ” ([27] ).

وفى ” الحفيدة الأمريكية ” تقوم زينة والجدة وطاووس ومعهن حشد من النساء اللواتى تزدحم بهن العراق، يقمن بدور المظهر الحسى للحزن، فحيث تحل الحرب تتجسد الأحزان فى المرأة، فى النساء اللواتى يمارسن الحزن بوصفه نوعا من الحياة .” بكاء النساء هنا ليس هواية، بل طريقة حياة، رياضة يمارسنها بانتظام، فرادى وجماعات، للحفاظ على لياقتهن الروحية، تقوى الدموع عضلة القلب، وتخفف من ضغط الدم، لها أحيانا، مفعول يضاهى دوخة البيرة ” ( [28])

وفى ” الحب على الطريقة العربية ” اعتمدت الروائية على صفاء فى الكشف عن المشهد الاجتماعى المصرى أولا ثم العربى ثانيا، بتداخلها مع زينة و عزة  فى أمريكا، ومع أم نبيل فى جنوب لبنان.

الأشياء فى عروبتها

تمثل الأشياء واقعا ما تحتاجه الراوية فى سعيها  لاستكشاف المكان أولا وإشباع حاجاتها من هذه الأشياء ثانيا، وللكشف عن طبيعة ما كامنة فى الإنسان ثالثا، فالرواية تجمع بين فاعلية عنصرين أساسيين . الإنسان، والأشياء ، كتابة الرواية .” لا تقوم على الجمع بين أعمال بشرية وحسب، بل كذلك على الجمع بين أشياء مرتبطة جميعها – بالضرورة – بأشخاص ارتباطا بعيدا أو قريبا، فنحن نستطيع أن نأتى فى الرواية على ذكر أشياء غير بشرية، كالصخور مثلا التى لم يصنعها الإنسان، والتى هى على وجه ما تنكر الإنسان، ولكنها لم تذكر فى الرواية إلا بالنسبة له ” ( [29] ).

وفى مستوى أكثر عمقا يمكن إدراك العلاقة القائمة بين البشر والأشياء لا بوصفها كاشفة فحسب لطبيعة العلاقة وإنما لأنها قادرة على توسيع دائرة الرمز .” فمع الأشياء تتسع مساحة الرمز، عندما يكون على المتلقى بذل الجهد التخييلى لملء المسافة الفاصلة بين الإنسان والشيء، من حيث دلالة الأشياء على الإنسان، أو بعبارة أخرى يكون على المتلقى إدراك العلاقة القائمة هناك فى العمق بين الشيئ من حيث هو رمز يحيل إلى الإنسان فى النهاية فالإنسان فى النص يحيل إلى نفسه، مقصود لذاته قد يجسد قيمة ولكنه فى النهاية أنانى يحيل إلى نفسه، فى مقابل الأشياء التى لا تحيل إلى ذاتها بقدر إحالتها إلى الإنسان، تساعده على تجسيد القيمة ولا يساعدها على تجسيد قيمها الخاصة أو حتى قيمه هو الخاصة إذ هى فى طريقها إلى ذلك ” ( [30] )

 لقد جعلتنا الأشياء نرى الساردة وهى تتوافق مع أهل المدينة هؤلاء اللذين يمكن استكشافهم عبر تحليل الأشياء وملاحظة الحاضر والغائب وما هو صناعة محلية أو غير ذلك ولأن الساردة لا تنسي أنوثتها فإنها عندما تدرك الأشياء بعد تفحصها تروح تمارس عملية الانتقاء وتسلط الكاميرا على التفاصيل الأكثر وضوحا وتؤكد فى الوقت نفسه معنى إشباع الحاجات .

“راق لى طاقم فناجين قهوة “صينى” منقوش بصور روميو وجولييت ونظرات الحب بينهما”( [31]).

تتأكد ههنا قدرة الأشياء على أن تعبر عن الحالة النفسية للسارد وأن رؤية الأشياء جميعها تتم عبر عالم الباطن له، وفى عمق العلاقة الناشئة بين الساردة وطاقم الفناجين يمكننا بسهولة إدراك الإسقاط الذي تحدثه فى الخلفية فهى تعيش فى بلد غير بلدها انتقلت إليه مع زوجها الذي تحبه وهى عندما ترى روميو وجولييت فإنها تسعى إلى ترسيخ الحالة التى تعيشها أو تحلم بها وحالتها تشبه بدرجة ما قصة العاشقين الشهيرين فقد خالفتها أسرتها إلى حين عندما أعلنت رغبتها فى الزواج من رجل ليس مصريا ولا يقيم فى مصر أنها ترغب فى اقتناء الطاقم لاستخدامه بغرض إحداث التواصل مع الآخرين من جهة ومن جهة أخرى ترى نفسها فى النقوش على الطاقم مصرحة “بنظرات الحب بينهما” وهى تحل لنفسها ما فعلت من خلال اعلانها أنها ليست الحالة المتفردة الشاذة كما أن روميو وجولييت ليسا حالة واحدة فتكرار الحالة يجعلها القاعدة وغيرها الشاذ وليس العكس، لذا لم يكن إيراد كلمة (صور) الدالة على التعدد مجانيا والتعدد قائم على مستويين .

  • مستوي اعتبار الصورة واحدة متكررة على كل قطعة من الطاقم مما يؤكد الحالة ويرسخها لقدرتها على التكرار ومحاصرة الإدراك والتعدد أمام بصره ومن ثم أمام بصيرتها وتفكيره.
  • مستوى تغير الصورة وأنها ليست صورة واحدة متكررة وأن كل قطعة لها استقلاليتها مهما تشابهت، مما يجعل من الحالة نموذجا يحق له أن يتكرر ولو لم يكن تكرره بالسيمترية نفسها.

ويمكن للمؤول أن يغوص قليلا ليدرك اختزال الأشياء/ الطاقم لبيئات ثلاثة رئيسية اجتمعت إزاء القارئ .

  • الشرق الأقصى (الصين) الذي ينسب إليه المنتج ولو لم يكن مصنوعاً فيه الآن (وما زلت عقلية المستهلك العربى منحازة نحو المصنوع فى الصين بحثا عن الأصالة التى يفترض بوجودها توفر الجودة تماما كالسجاد القارس والصوف الانجليزي وغيرهما).
  • الغرب وفيه دارت أحداث قصة الحب الشهيرة.
  • البيئة العربية التى تضم بشكل فرعى مجتمعين . مصر بلد الساردة والعاصمة العربية التى انتقلت إليها.

لقد صنع الغرب القانون قانون الحب وخلد كتابه القصة ونقشها الشرق المفتقر للقانون الإنسانى واسقطت الساردة الحالمة بتكرار النموذج وتطبيق القانون ذلك على حالتها. فإذا ما عرفنا أن الساردة تراجعت عن الشراء تساءلنا معها .

“تراجعت فى شراء طاقم فناجين القهوة وأخبرت البائعة أن الشراء سيحدث فى نهاية اليوم حتى لا أحمل نفسى عبء التحرك به فى شوارع وسط المدينة. أحيانا تأخذنى اللهفة لاقتناء أشياء محببة إلى نفسى. ثم أتراجع عنها دون فهم سر التردد” ص 43.

ولكن اعتماد النظرة السابقة للساردة بإمكانه أن يكشف سر التردد فقد حققت ذاتها من خلال النقش / الأثر الثابت (فى لسان العرب النفس الأثر فى الأرض والنمنمة) وأشبعت حاجتها المفتقدة الممثلة فى:

1- إحداث التواصل مع الآخرين وهى الوحيدة فى مدينة تدخلها للمرة الأولى وتختبر الآخرين لإحداث علاقات معهم وهو ما يتم عبر استخدام الطاقم فى توثيق العلاقة الاجتماعية مع ضيوفها وزوجها، وقد تحقق التواصل مع البائعة التى ذهبت إليها لمعاينة الطاقم .

“وبعد أن منحت نفسها فرصة للارتياح راحت تثنى على ثوبى وتسألنى عن مكان شرائه. بش وجهها وكانت عابسة ثم دعتنى لكوب شاى، وهى تخبرنى أنها تحب مصر والمصريين. أخبرتها أننى أحب القهوة أكثر من الشاى، ربما لتلك المرارة المحببة فنادت عاملة البوفيه، كانت مصرية ورقص قلبى حين رأيتها حتى ظننت أننى أعرفها” ص42.

وكما أن هذا المقطع يكشف عن إسقاط جديد لسر العلاقة بين الساردة والقهوة التى تناسب مرارتها حالة المرأة التى تعيشها المرارة المحببة لغربتها عن أهلها ووطنها ولكنها تعيش مع حبيبها مما يجعلها بالفعل مرارة محببة، فإن المقطع نفسه يكشف بوضوح عن الجانب الآخر من سر التردد فقد تذوقت الساردة القهوة وحققت التواصل مع البائعة مواطنة بلد الغربة وعاملة البوفيه مواطنة الساردة المصرية لذا لم تعد فى حاجة لأن تشترى أو تقتنى أداة التواصل وقد تحقق أو أداة الإثبات وإشعار النفس بصحة المسلك وقد تحقق ذلك

تصل أزمة أشجان مع الأشياء ذروتها عند صورة السيد الرئيس .

” التى ملأت الشوارع والمبانى وكل مكان فى المدينة، واجهات مستشفى القلب والصدر والأمراض المزمنة ومصحات الأمراض النفسية ومصانع الأسلحة ومعامل الطاقة الذرية والمحاكم والسجون، حتى جدران دورات المياه العامة، هذا غير واجهات الجرائد والمجلات. وقد بدت المسألة مثل مفارقة لاذعة السخرية حين أمسكت مرة بمجلة للطهى وثانية للحكاية وغيرها للتطريز لأجد صورة السيد الرئيس تتصدر اغلفتها وحين سبقتنى دهشتى تجاهل “عائد” الأمر بالدخول سريعا فى حديث آخر” ص 102.

إن صورة السيد الرئيس لا يتوقف دورها عند اختزال المظهر السلطوى الذي يمارسه على أهل البلاد وإنما يتعداه إلى كونه ممثلا لصورة اجتماعية مغيرة لم تألفها الساردة ولم يكن لها نظير فى مصر مما يجعلها تصاب بالدهشة ونحن معها كذلك، يضاف لذلك ما يمكن عقده من مقارنة بين الصورتين .

  • نقش روميو وجولييت وكونه نقشا يمثل أثرا محافظا عليه بطبيعته الفنية والجمالية ويشير إلى طبيعة عميقة للعلاقات الإنسانية والتواصل الإنسانى عبر الزمان والمكان (عبور القصة إلى بيئة أخرى واجتيازها حدود الزمان والمكان واللغة).
  • صورة السيد الرئيس المسطحة والموزعة بفعل ليس جماليا وإنما بفعل سياسى سلطوى ديكتاتورى يجعل من السيد الرئيس نموذجا للقهر والرواية تقدم – عبر مساحة واسعة – مشهدا لعملية التخلص من صورة السيد الرئيس التى وظفتها الساردة وظائف متعددة منها كشف حالة الاختلاف أشجان المصرية وعائد زوجها الذي أظهر حالة من الرعب لتورط زوجته فى إلقاء صحيفة تحمل صورة السيد الرئيس فى سلة المهملات .

كانت نظراته تنتفض بشرر لا تطفئه إجاباتى اللامبالية كما تبدو له، وكنت ما أزال أحتفظ ببعض من وداعتى فى استقبال هوس الآخرين، وولعهم بتفاصيل غريبة، أخبرنى بصوت مبحوح أن صورة السيد الرئيس تتصدر صفحة الجريدة.

– لم أقصد شيئا مما تخشاه.

مسح الزجاج بالجرائد طريقة أكثر شيوعا بين الناس فى بلدى، وبلاد أخرى.

بدا “عائد” وكأن حشدا من كوابيس اليقظة يداهمه.. صفوف من الخوف والرعب والفزع، فراح يفرد لى الصفحة لأرى صورة السيد الرئيس المبلولة والمخدوشة مثل وجه مكرمش ومشوه” ( [32] ).

لقد كانت سطوة الشئ / الصورة أكبر مما تتصور “أشجان” القادمة من بلد شأنها شأن الكثير من البلدان تملي عليها ثقافتها الشعبية أن تستخدم الصحف فى تنظيف الزجاج، وما يبدو عاديا فى غير المكان بات غريبا فى هذه البلد التى يجعلها رئيسها تحترم أشياءه أو تخاف أشياءه خوفها منه، فقد حلت الصورة / الشئ محل الذات صاحبة السلطة التى أكسبته نوعا من القدسية وقدرا من الإكراه على الاحترام:

“جرى كالممسوس إلى باب البيت، يفتحه وينظر يمينا ويسارا. ثم النافذة ليفتح خلفيتها ويتبصص فى كل الاتجاهات ثم يرفع سماعة التليفون، يحدق فيها ويضعها، حدث هذا أكثر من مرة وكأنه يرغب فى التأكد من شىء ما.

“بدا الخوف نابضا فوق ملامح وجه “عائد” وحركته المشدودة إلى كل أرجاء البيت لم أكن بحاجة لأن أستعطفه أن يهدأ ويرتد عن مخاوفه وكوابيسه هذه مكتفيا بإلقاء الورقة فى سلة قمامتنا أو قمامة الشارع، وليختتم هذا العرض الكابوس من مهزلة قاتمة” ([33] )

عائد – عبر تعامله مع أشياء المكان وخاصة صورة السيد الرئيس – يعد نموذجا لثقافة شعب بأكمله، شعب يخاف الأشياء قدر خوفه من أصحابها، وتبدو أدوات العصر كائنة فى بيته لا لاستخدامه لها ولكن لاستخدام الآخرين. فالتليفون يبدو وجوده – كما يراه عائد – وسيلة للتجسس عليه لا لاتصاله أو تواصله بالآخرين”.

لقد حركت صورة السيد الرئيس الصيغة السردية واستنهضت الأشياء للظهور والعمل (الباب – النافذة – سماعة التليفون – سلة القمامة – أعواد الكبريت – النار – الرماد) ولم يعد البشر فقط هم الذين يدورون فى فلك الشئ / الصورة وإنما أصبحت الأشياء أيضا يمكن تفسيرها أو استكشاف فاعليتها عبر التصور الجديد.

لقد عاينت أشجان واقعها داخليا وخارجيا  وحملت أشجانها وأشجان الآخرين تجاه حضارة متوحشة تنجح فى ارتداء أقنعة جميلة وناعمة – على حد تعبيرها – وليتحول الواقع إلى مساحة من المنع والقهر .” صرت أكره البقاء فى هذا البلد، ربما خوفا من موت مباغت أو موت منظم بصواريخهم، دقيقة المواعيد، حضارة متوحشة تنجح فى ارتداء أقنعة جميلة وناعمة ” ( [34]).

فى ” حالة سقوط ” يوظف السارد عددا من الأشياء الدالة، من أظهرها لوحات محسن بوصفها مشهدا يختزل الرموز العربية، كما تمثل رسالة حاملة لشفرات السرد إضافة إلى شفرات العلاقة بين محسن وزهوة، وعندما يقوم محمود بتوصيل رسالة محسن، كانت هى تنتظر اللوحة .” أعطيتها الخطاب،..قالت لك:

– لا،  أريد أولا اللوحة فهذه اللغة التى لا يفهمها سوانا.

حينما فردتها باتجاه النور وكأنها طبيب يفتح صدر لإجراء عملية قلب مفتوح أو مجروح، كانت اللوحة غارقة فى اللون الأحمر التى انتهت أطرافها باخضرار داكن، تقلبها تقرؤها بكل الاتجاهات، تشمها..تتحسس أصابعها الألوان، وكأنها تسألها عن ملمس أصابعها، تركتها تتعبد بشكل مؤقت لتتفقد المكان المطل على نهر دجلة ” ( [35]).

وفى ” الحب على الطريقة العربية ” يوظف السارد الخريطة العربية بوصفها رمزا للفضاء العربى، يظهره بصورة مجازية فى البداية بإشارته لدخول صفاء إلى عالم نبيل .” دخلت صفاء بسيقان سحرية في أعماق الخريطة……………………………………………

عندما دخلت صفاء الخريطة، بدأت الحكاية.

خريطة الأمة..

خريطة العرب.” ( [36])، ثم يطرحه بوصفه  عنصرا أساسيا فى عالم نبيل .” أمامه على الحائط. على كل الحائط رأت خريطة كبيرة بحجم الزاوية.

خريطة للوطن العربي!

حدَّد هو أبعادها..و رسم كلمات أو رموزاً عند كل موقع على الخريطة، و كأنه يذاكرها منذ سنين.

قلمه الأسود الحبرالغالي كان يعلم و يسيطر على الخريطة الكبيرة..و كانت تشم رائحة الحبر الطازج، و كأنه فرغ للتو من تحديد معالم الأمة و ذبح كل الثوار!

نظرت إلى مكتبه من جديد..كان هناك خريطة أخرى صغيرة يحتفظ بها على الجانب الأيمن من المكتب أمامه..يسند عليها ذراعه و يضع قلمه و يشرب قهوته و يضع خده لينام في سلام عندما يكون متعباً!” ( [37] )، تتعدد الخرائط وتختلف أحجامها وألوانها ولكنها جميعا تشترك فى رسم ملامح الوطن العربى، تلك الملامح التى تتغير وتتبدل وتضيق وتتسع وتتغير ألوانها هناك فى أمريكا (لاحظ أهمية ذلك ودلالته ) فالعرب فى أمريكا ممثلين فى نبيل أو بوصف نبيل رمزا للعربى فى أمريكا يساهم فى تشكيل هذه الخريطة فهو المحدد أبعادها، وصفاء تستكشف الحالة العربية من خلال النظر للخريطة .” بقيت هي جالسة في مكانها تحملق في الخريطة الكبيرة في قلق فاللون الأزرق و الأخضر عندما يطغيان على المكان تشعر بالقلق الشديد” ( [38] ).

أشكال من التناص

تعتمد الروايات كلها على التناص منتجة شكلا من أشكال رؤية العالم، فالتناص يعتمد منظوراته الخاصة التى تعمد إلى تشكيل رؤية ما للعالم وفق قدراته (التناص ) على اتخاذ رؤية للعالم، والتناص بوصفه تعالقا بين النصوص وتداخلا بين سياقاتها المختلفة بغية إنتاج سياق جديد، يمنح منتجه قدرة على الاختيار، والانتقاء، تشكل بدورها بذور رؤيته للعالم فهو ممتلك لحرية الاختيار من المتعدد، ومن ثم يكون فى وضعية القادر على اجتلاب المواد القادرة على التعبير عن رؤيته للوجود والكون والحياة. 

المتناص ينجز تواصلا أو قطيعة معرفية مع التراث، أو مع المنجز السابق عليه مما يجعل فعله شكلا من أشكال رؤية العالم، فهو فى تواصله أو قطيعته يقوم برفض أو قبول النص / النصوص السابقة عليه وذلك عبر واحدة من اثنتين .

  • التواصل بما يعنى القبول والاعتراف، والتواصل يكون بواحدة من الطرق التالية:
  • التناص الإيجابى ( إدخال النص فى النص لإنتاج وظيفة جديدة تشير إلى قبول النص السابق والاعتراف به بما يعنى الاتكاء عليه ).
  • التناص السلبى، السخرية من النص القديم.
  • القطيعة أو الصمت عن النص السابق وهو ما ليس كائنا اعتمادا على أن الكتابة لا تبدأ من الصفر بالأساس.

وكلها مظاهر لرؤيته للعالم تشى بكثير من مرجعيات الدلالة النصية المتشكلة عبر السرد، كما أنها تكشف عن علاقة السارد بثقافته ومدى قدرتها على استيعاب بعض تفاصيل والدراية بما هو مكنون فى هذه التفاصيل من دلالات قابلة لإعادة التوظيف،  وقد اعتمدت الروايات الخمسة التناص بصيغتيه . الإيجابية والسلبية، معتمدة أشكالا متعددة من التناص مع كثير من معطيات الثقافة العربية عامة والشعر خاصة.

فى الرواية الأولى تعتمد نعمات البحيرى على التناص مع الشعر، معتمدة على عدد من الشعراء ، منهم بدر شاكر السياب وأبو فرات (محمد مهدى  الجواهرى ) ، الذى لا تكتفى الساردة بإدراج بعض أبياته وإنما تجعله واحدا من شخصيات النص، تستحضره وتقيم حوارا معه، وتراه نموذجا للشاعر الإنسان .” مازلت ارى أبا فرات شاعرى الحالم، شاعر شبه جائع شبه حاف شبه عريان لكنه إنسان”([39])، وباختيارها أبياته عن حورية البحر .”….عبثا تجوالك عبر الأرصفة ” ( [40] ) تبث فى النص دلالة  جديدة عبر إسقاط الصورة على عنصرين سرديين:

  • هى نفسها حين ترى نفسها فى صورة الحورية معتقدة أن الشاعر فى حضوره قد ربط بينها وبين حورية البحر فى قصيدته .

” كان صوت أبو فرات ونظراته وإيماءاته  تشى بأن حورية البحر قريبة الشبه منى…” ( [41])، كما أن الصورة المعبر عنها بالتشبيه فى المقطع الثانى من القصيدة، حيث يأتى فعل الأمر داعيا أشجان / الحورية إلى الانعتاق من حالتها بالتطهر .

لنمض في اتجاه المراكب

وسيغسل عنك البحر هذي الفضلات

أسلمت رأسها لرمال وصدف
كالمريضة كالسكري ([42] )

و يأتى التشبيه فى نهاية الصورة توصيفا لحالة تبدو عليها أشجان من وجهة نظر الشاعر وهو ما يتطابق مع وجهة نظرها هى للوضع الذى آلت إليه.

ويجئ التناص مع الشاعرين العراقيين دليلا يؤكد ما يذهب إليه المتلقى من أن العراق هى البلد الذى تدور فيه أحداث الرواية.

  • فى حرمتان ومحرم تتعدد التعالقات النصية، وتكاد الرواية تنفرد بمساحات متعددة من التناصات، ومن أظهرها التناص السلبى عبر صيغة السخرية التى تتشكل عبر التناص فى اعتماد السارد عليه لإنتاج هذه الدلالة، ومن أكثر الأشكال التناصية، التناص مع مسرحية ثورة الزنج للشاعر معين بسيسو فى تصدير الرواية ( [43] )، بعدها تعتمد الرواية تناصاتها الخاصة مع الواقع العربى وحوادثه اليومية، وتتجاوزها إلى لغة الشعر عبر التناص مع نصوص مطولة لشعراء فلسطينيين وعرب، من أظهرهم، نزار قبانى ـ وتوفيق زياد، والسارد يورد له مقطعا مطولا من قصيدته الشهيرة .” أناديكم، أشد على أياديكم… أبو الأرض تحت نعالكم ” ( [44] ).
  • فى ” الحفيدة الأمريكية ” يعتمد النص صيغة التناص مع السينما مستخدما صيغة تتكرر فى نهايات الفصول والمشاهد السردية . ” كنا نصل دائما بعد أن يتركوا المكان. نسخة من فيلم ” الهارب ” بإنتاج عراقى ” ([45] )، ” حلم أراه وأنا مفتوحة العينين فينشف ريقى وتتيبس كفاى، فيلم هندى لم أحضره بعد “([46] )، لكن أبو غريب كان بعيدا عن ” جسر على نهر كواى ” لم يعد قضية رجال فحسب بل نساء أيضا………….السجون أماكن لا تصلح للسينما ” ( [47] ) والمشاهد السينمائية المختزلة تفتح ممرا بين الذاكرة والضمير على حد تعبير النص نفسه ( [48] ).

 إن قدرا  من التعاطف يتسرب بالتأكيد إلى القارئ الذى  يجد نفسه مدفوعا للتداخل مع امرأة تحمل عالمها المفعم بالمشاكل هاربة إلى رجل أفقدته الحرب كل إمكانات الحياة ( الرواية الأولى ) ومع فتاتين تحاولان تقرير المصير فتكونان صورة لبلد مرت عشرات السنوات فى محاولة يائسة للتخلص من الاحتلال ( الرواية الثانية )، ومع فنان عراقى فقد الكثير دون أن يحقق حلم العودة ( الرواية الثالثة )، ومع فتاة عربية انقسمت حياتها مرتين مرة بالخروج من العراق ومرة بالعودة إليه (الرواية الرابعة )، ومع فتاة مصرية ترحل لأحلامها الصغيرة فتجد نفسها فى عمق المشهد العربى ( الرواية الخامسة )، والجميع يشكلون مشهدا لواقع عربى ولمجتمع عربى تتعدد الأعمال الروائية التى تبدو منفصلة عن بعضها البعض ولكنها تعود لتجتمع بفعل القراءة التى يمكن لمستوياتها أن تجمع شتات المشهد الخفى.

………………

هــــــــــوامش وإشارات

[1] – روللو ماى .شجاعة الإبداع– ترجمة . فؤاد كامل – دار سعاد الصباح – القاهرة 1992، ص 91.

[2] – بوريس أوسبنسكى . شعرية التأليف، بنية النص الفنى وأنماط الشكل التأليفى، ترجمة . سعيد الغانمى وناصر حلاوى – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 1999، ص 69.

[3] – سنعتمد هذا الترتيب فى سياق الدراسة فعند كل ذكر للرواية الأولى نعنى ” أشجار قليلة عند المنحنى “، والثانية نعنى ” حرمتان ومحرم “، والثالثة نعنى ” حالة سقوط “، والرابعة نعنى ” الحفيدة الأمريكية “، والخامسة نعنى ” الحب على الطريقة العربية “.

[4] – نعمات البحيرى ( 1953- 2008) صاحبة تجربة متميزة من بين كاتبات جيلها، صدر لها أربع مجموعات قصصية .

– نصف امرأة – دار الحرية –  القاهرة  1984.

–  العاشقون” – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة  1989.

–  إرتحالات اللؤلؤ” – الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1996.

– ضلع أعوج – الهيئة المصرية للكتاب- القاهرة  1997.

– شاي القمر- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة  2005.

و رواية “أشجار قليلة عند المنحنى” – دار الهلال – القاهرة  2000.

[5] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 48.

[6] – صبحى فحماوى . روائى وقاص، صدر له خمس روايات .

– عذبة – دار الفارابى – بيروت 2005.

– الحب فى زمن العولمة – دار الهلال – القاهرة 2006.

– حرمتان ومحرم – دار الهلال – القاهرة 2007.

– قصة حب كنعانية – دار الفارابى – بيروت 2009.

– الإسكندرية 2050 – دار الهلال – القاهرة 2009.

وله أربع مجموعات قصصية .

  • موسم الحصاد – دار الكرمل – عمان 1987.
  • رجل غير قابل للتعقيد – عمان 1997.
  • صبايا فى العشرينيات – مدبولى الصغير – القاهرة 2006.
  • الرجل المومياء – دار الفارابى – بيروت 2006.

[7] – محمود الوروارى، مذيع بقناة العربية الإخبارية، قاص وروائى ومسرحى، له روايتان .

– رد اعتبار – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة.

– حالة سقوط – وعد للنشر والتوزيع – القاهرة 2007.

وله مجموعتان قصصيتان .

  • اختزال فى المسافة والسفر – مركز الحضارة العربية – القاهرة.
  • اجتياح – دار الآداب – بيروت 2002.

[8] – إنعام كجه جى، روائية عراقية، صدر لها .

– لورنا، سنواتها مع جواد سليم، سيرة روائية – دار الجديد – بيروت 1998.

– العراق بأقلامهن، محنة العراق بأقلام نسائه، نصوص من الأدب العراقى ( بالفرنسية ) – دار لوسيربان بلوم – باريس 2003.

– سواقى القلوب – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2005.

– الحفيدة الأمريكية – دار الجديد – بيروت 2008.

[9] – ريم بسيونى، روائية مصرية تعمل أستاذة اللغويات بجامعة جورج تاون الأمريكية، صدر لها أربع روايات .

– رائحة البحر – دار البستانى – القاهرة 2005.

– بائع الفستق – مكتبة مدبولى  – القاهرة 2006.

– الدكتورة هناء – مكتبة مدبولى – القاهرة 2007.

– الحب على الطريقة العربية – دار الهلال – القاهرة 2009.

[10] – الحب على الطريقة العربية ص 10.

[11] – الحب على الطريقة العربية ص 12.

[12] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 6.

[13] – أشجار قليلة عند المنحنى ص  51.

[14] – أشجار قليلة عند المنحنى، ص 52.

[15] – أشجار قليلة عند المنحنى، ص 52.

[16] – الحفيدة الأمريكية ص 162.

[17] – نعنى بالتصريح أن تظهر بنية العنوان فى سياق المتن كما يتجلى فى رواية:” الحب على الطريقة العربية ” حيث تتكرر الصيغة أكثر من مرة فى سياق الرواية . ” هل تحبه إذن… لن تفكر فى هذا الآن. ما أجمل الوحدة العربية، والحب على الطريقة العربية ” الرواية ص 86.، والإيحاء كما فى “حالة سقوط “، و” الحفيدة الأمريكية “.

[18] – حالة سقوط ص 282.

[19] – الحفيدة الأمريكية ص 181.

[20] – حالة سقوط ص 283.

[21] – الحب على الطريقة العربية  ص 86.

[22] – حرمتان ومحرم ص 5.

[23] – حرمتان ومحرم ص 120.

[24] – حرمتان ومحرم  ص 67.

[25] – حرمتان ومحرم ص186.

[26] – حرمتان ومحرم ص 188.

[27] – حالة سقوط ص 129.

[28] – الحفيدة الأمريكية ص 191.

[29] – ميشال بوتور . بحوث فى الرواية الجديدة – ترجمة . فريد أنطونيوس – منشورات عويدات  – بيروت – ط 3، 1986 ص 59.

[30] – د. مصطفى الضبع . الأشياء وبلاغتها فى القصة القصيرة – مؤتمر نادى القصة الأول – القاهرة 2007.

[31] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 41.

[32] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 101.

[33] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 101.

[34] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 130.

[35] – حالة سقوط ص 72.

[36] – الحب على الطريقة العربية ص 12.

[37] – الحب على الطريقة العربية 43.

[38] – الحب على الطريقة العربية ص 44، وتتكرر الإشارات الدالة للخريطة العربية بالصورة التى تشى بطبيعة الرمز، وقدرة السارد على توظيفه لصالح السرد، ولصالح الدلالة الكلية للنص ( راجع على سبيل المثال لا الحصر صفحات 56، 57، 59، 221، 222،223).

[39] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 27.

[40] –  – أشجار قليلة عند المنحنى ص 26. والأبيات الواردة .”

عبثا تجوالك عبر الأرصفة
ابتعــــــــــــدي
عن أضواء المطاعم
عن رخام المصارف والصرافين
عن العربات الفارهة المتراكضة
هي ذي في المخزن في الضوء الضيق
تختار قلائد زائفة وأثوابا   ” راجع ص 26، والمقطع الثانى فى الصفحة التالية 27.

والقصيدة مطلعها .

تعال انظر إليَّ.
تعال.. ما زلت حيةَ، متألمةَ.
لا أحد يبعث الدفء في هاتين اليدين
وهاتان الشفتان قالتا: كفى !
هي ذي الجميلة في طرقات المرفأ
وقد اجتذبتها أضواء الشاطئ العكرة
تتجول كالسائر في رقاده
بغدائرها الذهبية مرخاة كحبال الأشرعة
وبزرقة عينيها الغرقية
ما الذي تفعل حوريه البحر
في هذا العـــــــــــــالم ؟
ما الذي تفعلين
يا حورية البحار الجميلـــــــــــــــة؟
أمريضة حبا تتسكـــــــــــــــــعين ؟
أي فتى أدمي أشعل فيك الرغبة والتنهد ؟ ( يمكن مراجعة القصيدة بكاملها على الرابط التالى .

http://forum.e7s.com/t832.html

[41] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 21.

[42] – أشجار قليلة عند المنحنى ص 27.

[43] – حرمتان ومحرم ص 3.

[44] – حرمتان ومحرم ص 94.

[45] – الحفيدة الأمريكية ص 101.

[46] – الحفيدة الأمريكية ص 139.

[47] – الحفيدة الأمريكية ص 154.

[48] – الحفيدة الأمريكية ص 103.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:194. Generation time:2.857 sec. Memory consumption:44.47 mb