موقع الكتابة الثقافي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

قراءة: محمد عبد النبي

مع اكتشافنا للعالم نتلمّس أيضاً ملامحنا الخاصة، فتكون دهشة الخطوات الأولى دوماً لها الطعم العذب نفسه، وربما المعذِّب أيضاً.

في أولى قصص مجموعة خارج الكادر، [والتي صدرت قبل سنوات عن الهيئة العامة لقصور الثقافة]، للقاص المبدع تامر الصبّاغ، يتحدث الفتى إلى فتاته عن الناس فيتوافد البشر والسيارات والبنات المراهقات، ولا يمرّ أحد عندما يحدّثها عن نفسه: هل هي الطاقة السحرية الكامنة – من زمان – في الكلمة، بقدرتها على إعادة إنتاج العالم، بل اللعب به أيضاً؟ أم يظل النص (القصص هنا) جسر الاشتباك بين الذات والعالم، في معركة لا تنتهي مع اللغة، جسر للانفصال وللاتصال معاً؟ لذا كان لا بدّ أن يتأكّد الفتى – في القصة ذاتها – أن ما يحدث فانتازيا، فانتزايا مجنونة، هي الكتابة، التي تجعل ابتسامة الحبيبة تملأ ما بين قصر ثقافة بنها وحجرة الدور الثاني في قرية سنديون.

لعلّ أهم ما يلفت النظر في قصص المجموعة، إذا وضعنا جانباً الرسم المشهدي الدقيق في بعض القصص والحكي الدافئ الدافق في بعضها الآخر، هو أن أياً منها لا يرشّح معنى واحداً خالصاً منتهياً ومستقراً – كما تصرّ على ذلك بعض النصوص التي تغلق الباب أمام القارئ مع كلمة النهاية – فمثلاً، في قصة بعنوان من أعلى، يصعد أحدهم كل مساء إلى سطح داره، بعد أن يغلق دكّانه ويبدأ في إحصاء المتعلمين من أبناء جيله في البلدة، مرّة يحصيهم على أساس المكان ومرّة على أساس الشهادة. لكن لماذا يفعل ذلك، ولماذا يكون واثقاً أنه في كل مرة قد نسى واحداً منهم؟ هل يريد التماهي معهم، هو الذي لم يكمل تعليمه على ما يبدو؟ هل يريد أن ينظر إليهم “من أعلى” لأنه “صعد” اجتماعياً وأصبح لديه بيت ودكّان؟ هل المسألة مجرد حنين إلى ما قبل الإعدادية، قبل أن يتركهم ويبتعد؟ كل هذه الأسئلة وغيرها ترشّحها القصة، دون أن تؤكد إجابة واحدة لأي منها. وهذا في ظني ميزة نادرة، لأنه ما أسهل طرح الإجابات الجاهزة وتقديم المواقف المسبقة من العالم، لكن الصعب والجميل هو رسم علامات ساتفهام، تجعلنا نتردد ونتشكك، ونستمتع أيضاً.

اللغة عالم موازٍ وليس انعكاساً في مرآة لمفردات العالم الخارجي “المفترض”، اللغة تطارد الصور والأصوات والروائح والألوان والظلال، تحاول الإمساك بكل تفصيل وتثبيته، ولكن تظل اللحظة دخاناً يتطاير حول الرؤوس في قصة “خلف نافذة”، هل يجعلنا التصفّح في هذه لهذه الوجوه والصور القديمة للعائلة، بمعزل عن حركة الزمن، في قصة “المولد”، هل يضعنا الفن، خارج التيّار الهائل للحظات المنفلتة أبداً؟ أم أن اعتراف الكتابة بالعابر والمؤقت هو طموحها المتبقي في خلودٍ آخر؟

اقترب معظم قصص المجموعة من بورتريه لشخصٍ واحد تقريباً، فلعبت على المشهد البصري والحوارات الموحية، لكن قصصاً أخرى سعت إلى الناس وحكاياتهم وأغنياتهم الأسيانة فجاء السرد ناضجاً وهو يشكّل لوحات حية لشخصيات غامضة، مثل الأختين مريم وأنيسة في عزلتهما مع الأرواح والذكريات، ومثل انشراح التي ظل صوتها الحلو يتردد بين البيوت حتى بعد أن ماتت، زوجها رشاد عود البوص الذي لم تفلح معه كل أوراق الجوافة طول السنين في إيقاف سعاله وتعبه.

ها نحن أمام قاصٍ آخر يعدنا بكتابة جميلة، رغم بعده – في المكان – عن مراكز النشر والترويج، فإنه بمجموعته القصصية الأولى، وضع نفسه داخل الكادر السردي الإبداعي، دون أن يخضع لموضة سائدة أو خطابات رنانة، قدر ما أنصت لصوت قلبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*[كتب هذا المقال ونُشر في فبراير 2002 بعد شهور قليلة من صدور مجموعة: خارج الكادر لتامر الصباغ]

*حاولنا العثور على صورة لتامر الصباغ، أو لغلاف الكتاب، لكننا  لم نجد، وهذا هو الدليل:

http://shaaaf.blogspot.ae/2008/07/blog-post.html