موقع الكتابة الثقافي uncategorized 26
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

عبد القادر كعبان*

لطالما نجد لكل روائي كان عربيا أم عالميا عالمه السردي الخاص، أين يعمل على تقديم نص إلى المتلقي في لغة أدبية لا تخلو من جانبي الإثارة والإفادة تعكسها جملة من الشخوص والأحداث، وما يقوم بينهما من صراعات وتناقضات تشير إلى مهارة الكاتب، وهذا ما نلمسه من خلال العنوان كونه أولى عتبة نصية والذي يسطو على مخيلة القارئ منذ البداية.

إن تقنية العنوان التي يلجأ إليها أي مبدع في عرض نصه مهما كان جنسه الأدبي تعد من أهم الوسائل الفنية التي يوظفها لإنقاذ عمله من السذاجة والمباشرة، لتحقيق غايته التي يسعى إليها قد لا تكون مجرد اعتبارات فنية بل قد تصل إلى مقصد جمالي، نفسي وحتى تجاري كما هو حال الرواية في عصرنا الحالي.

لا تعكس مقصدية العنوان سوى خلفية الروائي بوصفه لصورة من صور عالمه الخاص الذي يشحنه بمصائر شخوصه ودواخلها النفسية، وخير مثال هو روايتين مختلفتين من خلال مسارهما السردي، ولكن جمعتهما ثمية “القتل” من خلال تلك اللافتة الدلالية: الأولى للبيروفي ماريو فارغاس يوسا “من قتل بالومينو موليرو؟” (1)، والثانية للمصري طارق إمام “هدوء القتلة” (2).

 

إن السارد والذي قد يلبس جلباب الكاتب في كثير من الأحيان، قد يكون على دراية بكل الأمور داخل النص الروائي، كما أنه قد يسيطر على سير الأحداث وتتابعها أو انقطاعها، وهذا لا يعني أنه قد يكشف بالضرورة عن كل شيء، ولكنه قد يجذب المتلقي تلميحا لا تصريحا من خلال ثيمة جوهرية تؤثث النص بشكل عام من خلال عنوانه الرئيسي كما جاء في رواية فارغاس يوسا وطارق إمام.

تأخذ ثيمة “القتل” في المعنى اللغوي إزهاق الروح والفتك بصاحبها وقد يتعمد فاعلها ذلك كما أنه قد يفعل ذلك عن غير قصد، وهو سؤال يطرحه يوسا من خلال عنوان روايته بشكل مباشر بحثا عن السبب، على خلاف طارق إمام الذي يتعمد إخفاء التفاصيل ويكتفي بإظهار حالة يلفها السكون، وهذا يستدعي فضول القراء في كلتا الحالتين.

جاء استخدام السرد لتقنية الراوي بضمير الغائب في رواية “من قتل بالومينو موليرو؟” ليتمكن يوسا من ممارسة لعبة فنية تخوله فضح المؤسسة العسكرية في بلده حتى يدفع الشبهة عن شخصه كروائي وصحافي معروف: “في موقع حراسة القاعدة، تفحصهما ضابط الخدمة من أعلى إلى أسفل، وكأنه لا يعرفهما. وجعلهما ينتظران تحت الشمس الحارقة، دون أن يفكر بإدخالهما إلى الظل في المكتب. وبينما هما ينتظران، ألقى ليتوما نظرة حوله. يا لأبناء العاهرة، كم هم منعمون!” (ص 34).

أما طارق إمام فقد وظف المنولوج كتقنية أساسية في سرد حيثيات قصة البطل وشخصيات “هدوء القتلة” بالانتقال من عالمهم الخارجي إلى عالمهم الداخلي، ويظهر ذلك في الاستشهاد التالي: “سأكون أنا القتيل تقتلني اليمنى وتكتب اليسرى بدمي. اتفاق ممتاز. بدلا من الشجار اليومي. لعلهما ستشعران ذات يوم أنني أب يفرق بين ابنتيه. وأن الحل كان أمامهما طيلة ثلاثين عاما وأدارتا وجهيهما عنه بنبل غير مبرر.” (ص 74).

تبرز ثيمة القتل من خلال نص فارغاس يوسا واضحة متجلية، حيث تعكس ملامح انتقام القتلة البادية على جثة البطل، وجملة التناقضات التي تظهر من خلال

الصفحات الأولى للرواية بشأن مقتله أين نقرأ الآتي: “الناس هنا يقتتلون كما يشاء الله، في مشاجرات متكافئة، رجلا لرجل. أما هكذا، بالصلب والتعذيب، فلم يحدث قط. وأنتم لا تفعلون شيئا، يا للعار.” (ص 32).

كما تحتفي رواية طارق إمام هي الأخرى بهذه الثيمة. ففي “هدوء القتلة” يخاطب البطل سالم “أناه” الضائعة وسط تفاصيل الحياة، يجد نفسه ضائعا في شيء لا يعرفه أو يفتقده كالكثير من الناس:  “يدي اليمنى خشنة، ليس بفعل القتل بالطبع، ولكنها اليد التي أعمل بها في الحقل.. أحمل بها الفأس دون أن أجرؤ على دعوة اليسرى للمشاركة. أجعلها مصيدة للأشواك لتستريح الوردة بلا نصل في اليد اليسرى، الناعمة، المرصعة بالخواتم، البذخة، المترفة، التي أخشى على يتمها من بعدي.” (ص17).

يتيه البطلين “سالم” و”بالومينو” في متاهة الحب التي تجعلهما ضحيتين في هذا العالم: الأول يصبح قاتلا أما الثاني فمقتولا في زمن ضاعت فيه مقاييس السعادة وضاعت من بين يديه الأخلاق والروح الأنسانية، وبهذا تصبح القضيتان هاجس القراء والنقاد من خلال صحفات نص فارغاس يوسا وطارق إمام.

قصة غرام “بالومينو موليرو” لآليسيا ابنة الكولونيل ميندرياو كشفت خفايا الصراع الطبقي داخل المجتمع الواحد وهذا موضوع متداول بين الأجيال إلى يومنا هذا، فالبطل اختار التطوع في صفوف الخدمة العسكرية ليظل قريبا من حبيبته رغم حصوله على الإعفاء، كما جاء على لسان السارد: “- مسكينة أم ذلك الفتى. الكولونيل ميندرياو يظن نفسه ملك روما. تكفي رؤيته حين يأتي إلى البلدة وابنته ممسكة بذارعه. إنه لا يحيي ولا ينظر إلى أحد. وهي أسوأ منه. يا للخسة!” (ص 32).

أما آليسيا فتحدثت عن بالومينو بعد قتله بجدية قاتلة وكأن شيئا لم يحدث، حيث أن السارد يبحث من خلال هذا المشهد عن الحب الحقيقي الذي لم يجده، قد يعتبره القارئ سلاحا للقتلة من نوع آخر، كونه احتمالا دفع بالبطل إلى نهايته الحتمية: “- حين دعاني للرقص قال لي إنه لم يكد يراني حتى وقع في هواي- سمعها ليتوما تتكلم. ولم تكن تبدو في صوتها رنة حزن أو كآبة حتى وهي تقول هذا.” (ص130). 

أما البطل “سالم” في رواية طارق إمام، فيرفع الستار عن مشهد قتله لسلمى حبيبته زوجة ضابط المباحث، حتى أنه يشارك المتلقي بعضا من ملامح هذه الشخصية: “سلمى تموت من الرعب بينما تجلس في سريرها عارية، ليس لأنها تعرف أن طعنتي ستنفذ في قلبها بعد قليل. ولكن خوفا من دخول غريب: لص ممن يؤرقون هدوء الحي الراقي كل فترة ويكون ضحاياهم في أغلب الأحيان – سيدات في منتصف العمر. تخاف سلمى أن يقتلها عابر ضد إرادتها، دون أن تكون اختارته.” (ص 67).

وفي طريقها الأخير إلى المقبرة يحاول البطل أن يجعلنا نرى مشهد مشاعر الزوج المخادع، الذي يسرع بإنهاء إجراءات تشريح جثة زوجته سلمى أين ضاع زمن الوفاء والحب كذلك: “هل سيكرر زوجها اليوم -بدوره- ما فعله بالأمس، بالإخلاص ذاته؟.. أم سيفتح تحقيقا واسعا هذه المرة، لتنتصر غريزة رجل الأمن التي هزمها التراب أمس..” (ص130). 

في الختام، نجد السرد الروائي في كلا العملين –رواية فارغاس يوسا وطارق إمام- جميل ومتناسق حيث لا يخلو من التناقض الساخر، أين نعيش كقراء حالة من التقلبات والحزن والانفعالات لا تخلو من لمسة عاطفية عنوانها القتل.

………………………….

*كاتب وناقد جزائري