موقع الكتابة الثقافي uncategorized 23

د. مصطفى عطية جمعة

(دهليز فسيح [ ساحة [ يتوسط بيت شعبي قديم في مصر، تطل عليه أبواب لغرف مغلقة، وهناك بعض النوافذ الخشبية المطلة عليه، حيطانه مقشرة الصبغ تشي بقدم البيت، ونشاهد – في ركن قصي – الباب الخشبي الكبير للبيت، وفيه مزلاج حديدي. في ركن آخر، هناك مقاعد من الخوص، وبعض الشجيرات الذابلة. تغدو ” هند ” وسط الدهليز، مرتدية جلابية منزلية، وهي سيدة في أواخر الثلاثينيات، ذات جمال، وفي يدها بعض الأساور الذهبية، وقد علت وجهها علامات القرف والضيق. تقف وسط الدهليز، متلفتة يمينا ويسارا، وهي تنادي على خادمتها بعصبية، وبصوت عال، هو المعتاد في كلامها)

-” تفيدة “، ” تفيدة “، يا بنت يا تفيدة، آه من الخدامة لما الدنيا ترفعها ! وتجرّي الفلوس في يديها، وتُلبسها الذهب أقراطا، وتجعلها تشتري الجديد الجاهز، الله يرحم أيام عباءاتي التي لبستْها حتى تمزقتْ خيوطها على جثتها، وهي التي كانت تشتكي لطوب الأرض فقرَها، وضربَ زوجها لها، وتحلف وتقول: لولا المعلم “خليفة ” – أبي – كان عيالي جاعوا.

   (ترفع كفيها) الله يرحمك يا أبي، ويرحم أيامك، كل من عاشرك أو خدمك أو اشتغل معك ؛ تنعّم بخيرك، وتمرغ في كرمك.

 (تنظر لنفسها ولعودها الممتلئ)

   أنا هند بنت المعلم خليفة، سيد الجزارين كلهم، وأكبر تاجر للحم الممتاز فيكِ يا بلد، ولكنه الزمن، دار دورانه، مات أبي، وتفرق إخوتي الرجال الستة، كل واحد في جزارته أو تجارته، مشغول بعمارته وامرأته، وأنا هنا، في البيت القديم، مع أمي العجوز، ننتظر الست ” تفيدة “، تأتي لخدمتنا حسب مزاجها، ولو اعترضتُ عليها، تقلب وجهها، وتغيب أسبوعا، حتى يرجعها أخي الكبير الحاج حسنين.

    أقول لكم، الدنيا دارت، بل تشقلبت، وتشقلبت بي أنا..، ولما أعترض على أخي، وأقول له إنها في النهاية خدّامة، نأتي بمئة غيرها، ينظر لي ” حسنين ” ويسألني: من تتحمل أمك؟ لا تنسي أنها عجوز، تحتاج من يسندها لدورة المياه، ويغير ثيابها، وأنت نفسك يا ” هند ” لا تطيقين خدمة أمك، وتزعقين فينا أن نحضر واحدة من نسواننا لخدمتها، رغم أنك ابنتها الوحيدة.

(تضحك عاليا، وتضرب بيدها الهواء، وتكمل)

 يُزيد أخي أجرة تفيدة، ويراضي خاطرها، ويقسم لها أن من غيرها البيت يكون ظلمة، فترجع المرأة، وتسير الأيام.

(تبتسم، وإن لم يغادر الضيق محيّاها)

   آه منك يا حسنين، طيب، ولكن كلامك أشواك، ولما أعترض عليك، تضحك وتقول لي: طول عمرك يا هند دلوعة أبيك المعلم خليفة، وضعكِ على رؤوسنا كلنا نحن أولاده الذكور، وكان الناس في الحارة يضربون كفوفهم، عندما يرونك تسيرين بجانبه، ونحن نسير خلفه، ولما يسألونه: البنت في البيت يا معلم خليفة، وليست تسير معك وبجانبك. كان يضحك ويقول: لو عندكم بنت مثل ” هند ” ستعذروني، ويضحك وهو يقول: أنا أسميها ” ست أبوها ” و ” قمر الزمان “.

 (تعود للنداء) يا تفيدة، يا تفيدة..، آه يا بنت الـ..، لاداعي للشتيمة.

(تتطلع إلى باب البيت والحيطان)، العمارات حولنا، والنسوان والبنات ما بين الحكايات عن الناس، والفرجة على المسلسلات، وكل الحريم مرتاحة في الشقق، تنتظر أي كلمة تسمعها، حتى يعجنوا حكاياتهم اليومية بها. آه، لو سمعوني وأنا أشتم ” تفيدة “، لا يأتي الليل، إلا والحارة كلها تتحدث، النساء رؤوسهن في الشبابيك، يسترجعن حكايتي، وكأنهن لا شغلة عندهم إلا أنا.

  (تشير بفخر لها وصوتها يرنّ)

   وهن يعرفن جيدا ” هند “، ولما كانت أي بنت أو امرأة تسقط تحت يدي ؛ والله أشرشحها في الحارة، وكما يقولون في الأمثال ” أخلّي اللي ما يشتري يتفرج “، كل هذا، وأنا أحافظ على طرحتي على رأسي، فلا أكشف شعري، ولا أحد يشوف ذراعي، ومصيبة المصائب لو رجل وقع تحت لساني، يا داهية عليه وعلى من يفزع معه.  

(تتذكر وابتسامة ظفر تتخاتل على شفتيها)

    والحارة كلها شهدت خناقتي مع فتحي، ابن بيت الصاوي، الوقح، ظن أن المعلم خليفة قد مات، وعياله هجروا الحارة، وأن الحريم فقط في البيت، فجعل الساحة قدام بيتنا موقفا لعربته و ” موتوسيكلات ” عياله، كلمناه بالذوق، ونصحه أخي ياسين، بدون فائدة، قلت في نفسي: هذا يحتاجني أنا.

(تضحك وهي مستلذة بالاسترجاع، وتواصل)

وكانت ساعة العصرية، كل الناس في الحارة صحت على صوتي، وفتحي نفسه نزل من قيلولة الظهيرة، ” عرقه مرقه “، يلحق ابنه مني، حاول يرد عليّ، وهو واقف في وسط الشارع، وواضع ذراعيه في وسطه، وقال: عشنا وشفنا النسوان ترد على الرجال، هاتوا الرجالة من عندكم، نتكلم معهم.

   (تضرب بكفيها) قلت له: نعم يا ” شنبه “، رجالنا لو جاءوك ستزحف على بطنك، أنت وعيالك، نسيت أننا بيت المعلم خليفة، تذكر أن صبيانه كانوا طوابير وراءه، وعياله الواحد منهم بمئة من عائلتك، وهذه المرة لم يطلع لك رجل من عياله، ولكن بنته ” هند ” التي تصدرت لك.

   (تضرب على صدرها)  أنا هند، يا ليتك تعرفني من الآن (تحكي)، وكانت فرصة لي، لأنّي كنت لمحت نظرات غير طبيعية منه ناحيتي أكثر من مرة، أعرفها أنا بخبرتي مع الرجال، فقلت في نفسي: فرصة يا هند، يتأدب من كل ناحية، ويعرف أني أنا بنت الجزار، الذين يتحاكون بجمالي وعنادي.

(يشتد ضحكها) والله سمعت بأذني – التي سيأكلها الدود – النسوان يمصمصن شفايفهن تحسرا على الرجولة الواطية، وأنا ألعب بالرجل لعبا بكلامي، وأمسح به أرض الحارة: عاليها وواطيها، وأجبرته أن يحرك عربته وموتوسيكلات عياله، ويركنها بعيدا في آخر الحارة، وكل الرجال مشت وهي تقول: الله يرحمك يا معلم خليفة، عزيز في حياتك ومماتك.

(تواصل وهي تتمشى ببطء)

   ولما حضر إخوتي، كانت الخناقة منتهية، ولم يستطع فتحي أن يرفع عينه فيهم، وكل الناس المتجمعة، حكمت لصالحي، لأني لم أنزل من بيتنا، ولم أتحرك من شرفة منزلنا. بعدها، أغلق فتحي وعياله بيتهم عليهم، وكل واحد منهم قفاه طوله شبر و “يقمّر العيش ” عليه.

دخل إخوتي، وجلسوا، وشربوا الشاي، وسمعوا مني، وضحكوا، وقال أخي ياسين: والله يا هند، أنت بألف رجل، ولا نخاف عليك أبدا.    أنتِ حافظت على بيت العائلة، وجعلت الناس كلها تسترجع ذكرى والدنا. أكملتُ أنا عليه: وجعلتُ كل واحد في الحارة يلزم حدوده، ويعرف أن بيت المعلم خليفة عامر، وما عاش من يظن أنه ينقفل أي يوم.

(تصمت، وتعود إلى حديثها الأول ذي الشجون)

    آه، كانت أياما، وكنت عارفة لماذا يطلب مني أبي أن أسير بجانبه وأنا رائحة للمدرسة أو خارجة أتسوّق، لأن عينيه طوال مشيه على الشباب، فقط لو يلمح واحدا ينظر لي، يكون يوما أغبر عليه وعلى كل من يتشدد له في الشارع، ورغم أن أبي طيب، ولكن لو شاب رمش لي، ينقلب أبي كالوحش، ويضربه بنفسه، بعكازه الأبنوسي، حتى يتعلم الأدب.

    وصرت أنا بنت الجزار، الحلوة الدلوعة، وعلى رأي أبي: مهرك يا هند لمن يزنك ذهبا. كنت أضحك، وتضحك أمي بجانبه، وتقول له: لا تبالغ يا معلم، ” الله يخليك “، هند مغرورة بطبعها، ودلالك لها زائد عن الحد، بأطقم الذهب، وأغلى الفساتين.

    يرد أبي ضاحكا ومصمما: وأنا متمسك بشرطي، من يتزوجها لابد أن يزنها بالذهب، ولن أتراجع يا أم حسنين. ثم ينظر لي، ولجمالي، ولشعري الطويل إلى منتصف ظهري، ويقول: أنت تشبهين أمي – الله يرحمها – يا هند، لذا، أسميتك على اسمها.

    تعود أمي وتحلف: والله يا معلم كوب الشاي لا تعرف تعمله، كيف ستخدم زوجها وعيالها؟ يرد عليها أبي: وهذا شرط آخر على العريس، ألا يتزوجها إلا وخادمتها في بيته، أنا ابنتي تتنعم بالتبر والحرير.

    (تنتبه، وتصرخ على الخدامة)

أين أنت يا تفيدة يا أم الشؤم؟ كنت تنتظريني على باب المدرسة الإعدادية، ساعة خروجي منها، حتى تحملين الشنطة عني، وتمشين خلفي، وزميلاتي معي، والحسد طافح من عيونهن، فأغيظهن أكثر وأخبرهن أن وراءنا واحد من صبيان أبي في المحل، يحرسني من المعاكسات، فتهمس لي زميلتي وجارتي ” آمنة “: ارحمي نفسك يا هند، كل بنات المدرسة يضعنك في ألسنتهن حسدا.

    فأضحك أكثر، وأُسمعها بصوت عال: ربنا أعطاني الجمال والمال، ماذا أفعل؟ أرفض النعمة. وأحكي لها عما عن شروط أبي لمن يتزوجني. فتتعجب “آمنة ” و تقول: وكأنك السفيرة عزيزة ! التي سمعنا عنها حكايات، ولم نرها.

فأرد بكل قوة: أنا لا سفيرة ولا عزيزة، أنا هند خليفة، الله يطول عمر أبي، وتحكي كل البلد عن عرسي.

(تنبسط سحنتها)

   آمنة الآن تسكن في حي قريب، مع زوجها وعيالها، تبتسم من قلبها لي إذا قابلتها في الشارع وهي راجعة من سوق الخضار أو خرجت مع واحد من عيالها، وتحلف أن أزورها، فأنظر إلى أكياس الخضار، وإلى وجهها الحنطي الطيب، وأتعجب من الدنيا،وأقول: الجميلات مائلات البخت، والحظ معاندهن.

 تسمعني أمي وترد عليّ: عقلك السبب.

(تبتسم وتتساءل)

عقلي هو السبب؟ أنا لم أختر زوجي، أبي اختاره، لما كثر الخطّاب، وتزاحموا على الباب، ترك أبي الجميع، كان منهم المهندسون والدكاترة والمحامون..، أشكال وألوان، وعائلات ومراكز، والغريب أن أبي تنازل عن شروطه، وخالف توقعاتي أن يأخذ من يزنني بالذهب أو بالماس، و فوجئت به يقبل ” صلاح ” ابن عمنا، الموظف بالحكومة، أين يشتغل؟ (تحاول أن تتذكر) تخّيلي يا بنت يا هند أنني لا أعرف اسم مصلحة زوجي، أقصد طليقي، كل هذه السنين وأنا لا أعرف مكان شغله، والله أنا عبيطة، أتزوج الرجل وأنجب منه ثلاثة، ويطلقني وأنا لا أعرف شغله.

(تضحك، وهي تتمايل وتجلس على أحد كراسي الخوص)

    ولا يهمك يا هند، المهم جمالك ودلالك، الواحدة منّا ماذا تريد من الرجل؟  المال والستر (تتنهد) آه منك يا صلاح، ومن أيامك، صحيح رجل، تملأ العين، ولما كنت أمشي معك في الشارع، كل العيون تبسمل، وتصلي على النبي، فأنا الجمال، وهو سيد الرجال، ونحن الاثنين من عائلة واحدة، يعني النسب الكريم. (تنقلب سحنتها) لكنه في النهاية موظف، عيّشني حياة الموظفين، بحبوحة في أول الشهر، وتقتير في آخره، ولما العيّل يطلب منه شيئا للمدرس في المدرسة  كلامه واحد لا يتغير (تقلّد صوت زوجها الأجش): اصبر يا بني أنت ومدرّسك لأول الشهر، أو الشهر القادم مع علاوات الموظفين.

(تنفخ وتزعق)

    نشّفت حياتي معك يا صلاح. حياة مملة، يومنا مثل البارحة مثل باكر، والشهور متشابهة بطيئة. ولما كنت أغضب، وأرجع لأبي وإخوتي، وأصرخ فيهم، ينقلبون كلهم عليّ، ما عدا أبي، ويقولون: صلاح زينة شباب العائلة والحارة، وأنتِ مجنونة، هو المتعلم وخريج الجامعة، وأنت لم تكملي الثانوية. حتى أمي صوتها يرتفع عليّ، وبدلا من أن تقف معي، تعاندني، وتقول لي: عندك ولدان قمران، والبنت شمس، احمدي ربك وربيهم، هؤلاء أمانة في عنقك. تتركيهم لزوجك والرجل من طيبته يخدمهم، وأنت هنا غضبانة عندنا. المشكلة في أبيك وطيبته معك، وهو السبب في دلعك الماسخ، وكل ما تغضبي، يحتضنك، ويحلف أنك ما ترجعي له إلا أن يأتي ويطيب خاطرك، وفعلا صلاح كان يأتي بضغط من أبي، ومعه الهدايا التي يشتريها أبي، ويقسم عليه أنه يقدمها بنفسه لي.

(تغير صوتها بغضب متذكرة) أين وعودك يا أبي عن الخدامة؟

(تعود وتضحك) الله يرحمك يا معلم خليفة، فعلا أحضرت الخدامة لي، ولكن صلاح ما تحمّلها، وكان يقول لي: أنا موظف على قدر حالي. أقول له: هذه على حساب أبي، يرفض، ويقول: أبوكِ على رأسي، ولكن هذا بيتي.

أحكي لأبي فيتظاهر بالغضب، ويرد: هو قال لك هذا؟  غلطان طبعا، أنت ابنتي الوحيدة وأنا أريحك والخير في النهاية لك.

(يتغير وجهها)

آه منك يا أبي، كنت تحب ” صلاح ” وتحترمه، وتقول لأمي: هو الوحيد الذي احتوى ابنتنا. وتعجبك تصرفاته، وتقول: الرجل الشهم لا يقبل أن ينفق أحد على بيته، وكانت أمي تحبك أيضا يا صلاح.

   (تنظر إلى غرفة أمها وتشير إليها) لم أرَ أمّا في الدنيا تنصر زوج ابنتها على ابنتها، وكانت تقول له: ابنتنا هي زوجتك وفي عصمتك، وأنت رجلها وسترها، والله لا نراجعك ولا نردك. ويكفي أنك علمتها الطبيخ، وكيف تقوم بشغل البيت، وترعى العيال، وهي التي كانت تنام بعد الفجر، وتصحو العصر، وتظل قدام المرآة إلى العشاء.

(تعود لضحكها الذي لا نعرف منه فخرا أم قرفا، ثم تتوقف وتبتسم بصفاء، فقد تذكرت أولادها، حيث تمسك عقدا به مصحف متدل، فتفتحه وتخرج صورة صغيرة، وتشرع في مناجاة الصورة)

  حبايب قلبي: حاتم، وطارق، وغادة، زهوري التي تفتحت بهم دنياي (تقبل الصورة مرات)، حاتم صورة من أبيه: الطول والملامح والشعر، وطارق وسط بيني وبين صلاح، قمحي خفيف، ووسيم، أما حبيبة قلبي، البنوتة غادة، صورة طبق الأصل مني، وكما يقول الناس عنها: استنساخ لي، نفس المشية والنظرات، والصوت الناعم، والدم الخفيف.

  (تصمت قليلا) وأيضا نفس الطباع، تعشق المرايا، وتحب الغالي (تدعو) ربنا ما يميل بختك يا بنتي مثل أمك، (كأنها تتذكر شيئا، فتؤكد) نعم، نفس طباعي، وستكون مثلي، تجنن شباب البلد كلهم، يتسابقون عليها، والغريب أن صلاح تمسّك بالبنت، لأنها أكبر عيالي، ورفض أن يعطيها لي، وقال لإخوتي: إلا غادة، تأخذ الولدين، وتترك لي غادة، متفوقة في مدرستها، والحضانة حقي (تهتف بعناد مسترجعة الموقف) أنا صرخت فيهم، وقلت بعناد، ساعة الطلاق، والله العظيم إما أن آخذ كل عيالي، أو تأخذهم أنت، وتطلع عيونك في تربيتهم، غادة قبل الولدين. (باعتراف) بصراحة إخوتي صمتوا، لا أعلم أهم احتقروني أم احترموني، ولكن العناد ركب رأسي، وأنا فعلا عنيدة. قال صلاح ساعتها: أنت تمسكت بالطلاق وهذا حقك، وأنا متمسك بغادة وهذا حقي، والولدان كما تشائين، لا يزالان في حضانتك. صرخت فيه: لا أريدهم كلهم..، قال: براحتك، هم في عيوني، وخدمتهم مسؤوليتي، ولكن اكتبي أوراقا بالتنازل. (بأسى) كتبت، ووقعت، وإخوتي صامتون، وهم يرون أختهم الوحيدة مطلقة، بل هي المرأة الوحيدة في العائلة المطلقة، وعندما رجعت الحارة اكتشفت أن الوحيدة أيضا المطلقة، فإذا مشيت في الشارع، أغلقت النساء الشبابيك، ومنعت رجالهم من النزول أو المشي..

  (تضحك) خائفات من جمالي، (تقسم) والله جمالي الحقيقي لو طلع، لجعل رجال البلد الكبار، وكل من عنده شارب، يركع قدامي، ولكن السترة التي أمرنا بها ربنا، وحفظي لكرامة أبي الله يرحمه، وإخواني الله يحفظهم.

(وكأنها تعبت، فبح صوتها وهدأت نبرته)

    افترقنا، تزوج صلاح من زميلته في الشغل، كانت أرملة ترعى ولدا من زوجها الأول، فوافقت على شرط صلاح، أن تخدم عياله وهو يرعى ابنها.. بصراحة عيالي لما حكوا لي عن طيبتها، أحسست أنها تشبه ” صلاح ”  ما صدقت.

   رأيتها مرة، في عرس أحد أبناء عمي، جاءت مع صلاح، جمالها بسيط، تذكرني ببنات المدرسة، المتشابهات في ملامحهن، الحالمات بأي رجل يكون زوجا طيبا، يعشن معه تحت سقف وأربعة حيطان تسترهن، ويدفعن الأيام حتى يربين عيالهن. ساعتها، تعمدت أن يشاهدني صلاح، ويقارن بيني وبينها من جديد، وفعلا جاء، وسلم علي، وعرّفني بها، كانت وملامحه عادية، وهي كذلك.. ومرت الليلة..، مثلها مثل كل ليلة، أنا عدت لسكون بيتنا، والريح تصفر في سقفه العالي، وهم عادوا لبيتهم.

   (تسترجع بمرارة)

   لما تطلقت، تحديت أمي وإخوتي، وقلت لهم: سيأتيني ألف عريس.

    جاءني الخطّاب واصطفوا على الباب، ورجعت سنين للوراء، عندما كنت بنتا بضفائر، قررت أن أختار أنا، على مزاجي، فكرت في نقيض صلاح، يكون تحت يدي، وينفذ كلامي، وتركت المَعلمين الكبار، كلهم أرادوني زوجة ثانية أو ثالثة، أسكن شقة فخمة، ويزورني الرجل لما يشعله الشوق، وكل طلباتي مجابة، والشقة نفسها بكل ما فيها باسمي..، لكن أنا هند خليفة، أكون زوجة ثانية، والله لا يحدث أبدا، اشترطت أن أكون زوجة واحدة فقط، لا أقبل شريكة معي، كلهم تراجعوا، حتى إخواني زهقوا مني، وتركوني لدماغي، وأنا متأكدة أن العرسان لن تنقطع أرجلهم عني، حتى حدث وتزوجت..

(يعلو ضحكها الساخر)

   تزوجت من؟ تخيلوا؟!

   ” سيّد ” المحروس، أقصد ” الموكوس “، أخذته بعدما حلف لي أنه لم يتزوج قبلي، وأنني حلم حياته، وأنه تفرغ لتربية إخوته بعد وفاة أبيه، وسألنا عنه وتطمنّا منه وتأكدنا من كلامه.

     وآه منك يا سيد، طلعت ” السيد قشطة “، كلها ثلاثة شهور، وتطلقت، الموكوس تزوج واحدة مثلي كالقمر، وكما يقولون في الأمثال ” تحلّ من على حبل المشنقة “، وعرفت لماذا أخّر زواجه حتى تخطى الأربعين، فهو أستاذ في السرية والتكتم، لكن العيون الزائغة أعرفها من بعيد، فما بالكم لو كانت قريبة.

 (تمطّ شفتيها مستهزئة) أنه لم يترك واحدة من نسوان الحي أو حتى العمارة التي سكنّا فيها إلا وبصبص لها، لدرجة أنه طمع في تفيدة. تفيدة يا غبي يا موكوس؟

   ولما واجهته وصارحته مثل الأفلام العربية بالعقل والحكمة، أخبرني أنه طبع فيه واعتذر وترجّاني، وقال: الطبع لا ينفع معه جمال ولا تطبع..، رددت عليه بأن الطبع مثل الكلب له ذيل، وأنا لا أقول لك يا ” سيد ” إن ذيل الكلب لا ينعدل ولو علقت به حجر، ولكنني أقول لك أنك في النهاية كلب، تحتاج حجارة نرجمك بها..

 أوجعه كلامي، ورفع يده ليضربني.. يضربني أنا هند، ونسى نفسه، وظن أنني مكسورة الجناح، فكانت ساعة سوداء عليه ؛ تفرّج فيها سكان العمارة كلهم على “سيد ” الذي صار ” سيدة “، وهو يتدحرج على السلالم، ويجمع ملابسه التي ألقيتها له، وهو عريان يستر نفسه، ولكم أن تتخيلوا نهاية القصة.

(تتنهد، وتبتسم، وتتثاءب)

كلها ثلاثة أيام، ويأتي حبايبي لي، يتغذون معي، ويقضون اليوم، الله يحفظهم.

   أعلم أنني كنت قاسية، لكنهم عذروني وعذروا أباهم العاقل، الذي وعّاهم أن الزواج – مثل الدنيا – نصيب، مهما تتقلب بنا، فكله موكول بقدر ربنا..