موقع الكتابة الثقافي

 

في مشهد معبر قبل نهاية الفيلم يتوقف احد الشباب المهاجرين من مصر بعد ان اجتاز بوابات السفر ليسعل بشدة ثم يبصق في منديله ويلقي المنديل بكل قرف في الزبالة!هنا يجب أن نتوقف معتبرين ان تلك البصقة هي الذروة الدرامية الاساسية بالنسبة لاحداث بنتين من مصر او كما يقول العنوان الأنجليزي للفيلم (الجنون المصري) والجنون هنا ليس بمعنى الجنون العقلي ولكنه اللوثة المجتمعية التي نعيشها في هذا البلد الفاسد..فهذا الشاب يبصق بشدة على كل شئ "هنا". يجرب امين في هذا الفيلم المعالجة التراجيدية لمجموعة من القضايا الأجتماعية اهمها مشكلة العنوسة لكنه منذ التيترات يطالعنا بمشهد حجرة المحركات باحد السفن والتي يوشك خزانها على الأنفجار من شدة الضغط وعلى هذه اللقطة تدخل لقطة مزجية عن الواقع السياسي في الشارع المصري المتمثل في عشرات الاضطرابات والمظاهرات ليضعنا منذ الوهلة الاولى أمام السبب الذي يراه وراء كل المشاكل التي تعاني منها شخصيات الفيلم وهو فقدان المجتمع لادارة سياسية وحالة الفوضى والفساد التي نعيشها..و

ي مشهد معبر قبل نهاية الفيلم يتوقف احد الشباب المهاجرين من مصر بعد ان اجتاز بوابات السفر ليسعل بشدة ثم يبصق في منديله ويلقي المنديل بكل قرف في الزبالة!هنا يجب أن نتوقف معتبرين ان تلك البصقة هي الذروة الدرامية الاساسية بالنسبة لاحداث بنتين من مصر او كما يقول العنوان الأنجليزي للفيلم (الجنون المصري) والجنون هنا ليس بمعنى الجنون العقلي ولكنه اللوثة المجتمعية التي نعيشها في هذا البلد الفاسد..فهذا الشاب يبصق بشدة على كل شئ “هنا”. يجرب امين في هذا الفيلم المعالجة التراجيدية لمجموعة من القضايا الأجتماعية اهمها مشكلة العنوسة لكنه منذ التيترات يطالعنا بمشهد حجرة المحركات باحد السفن والتي يوشك خزانها على الأنفجار من شدة الضغط وعلى هذه اللقطة تدخل لقطة مزجية عن الواقع السياسي في الشارع المصري المتمثل في عشرات الاضطرابات والمظاهرات ليضعنا منذ الوهلة الاولى أمام السبب الذي يراه وراء كل المشاكل التي تعاني منها شخصيات الفيلم وهو فقدان المجتمع لادارة سياسية وحالة الفوضى والفساد التي نعيشها..و

بمجرد ان يبدا الفيلم يدخلنا في عملية تلقين بصري مباشرة جدا لواقع الشخصيات الرئيسية داليا/ صبا وحنان/زينة ويتسع السرد بصريا ودراميا في البداية ليشمل دائرة معارفهم التي تمثل فتيات اخريات يعانين من نفس ما تعاني منه داليا وحنان ويعتمد امين على صراع ساكن يتطور ببطء ربما نتيجة ان السيناريو محاولة لاخراج ما في باطن الشخصيات من انفعالات خاصة وهو اصعب أنواع الصراع حيث اننا لا نتابع حبكة رئيسية تقليدية وصراع متصاعد بين اطراف واضحة ولكننا نتورط في مراقبة حبكات صغيرة منسوجة من الواقع الحياتي والانفعالي لهؤلاء الفتيات وتتفتت الذورة الرئيسية في ذرا متعددة فحنان تدخل في أكثر من قصة مع اكثر من شاب تحاول في المرة الاولى ان تنسج حوله خيوطا انثوية رقيقة تناسب المزاج الشرقي للرجل المصري لكنها تكتشف أنه يريد فتاة صغيرة في السن لانه لم يتمكن من عيش شبابه ولا يريد فتاة تجاوزت الثلاثين مثله وفي المرة الثانية حتى بعد خطبتها تكتشف ان خطيبها مصاب بعقدة من الفتيات نتيجة حالات الأنحراف العديدة التي اصبحت سمة اساسية صار معها التدين والشرف استثناء او حالة عابرة وليس حال داليا باحسن منها فهي مرة تكتشف ان حبيبها خائن للقضية التي يدافع عنها ومرة تدخل في علاقة على الانترنت مع شاب سوداوي المزاج – يبدو كانه الصوت الشخصي للمؤلف- ومرة مع شاب يتضطر للهرب خارج مصر نتيجة مشكلة قرض بنكي..هذه القصة هي التي اعطت امين الفرصة لتفتيت الحبكة وصياغة اكبر قدر من النقد الاجتماعي المباشر والحانق جدا على المجتمع ولكنه للأسف لم يتمكن من تجاوز المباشرة التي فرضتها قوة الموضوع بالاضافة إلى تراجيدية المعالجة وهي المرة الأولى التي يقدم فيها تراجيديا صريحة بعد الكوميديا الأجتماعية في فيلم ثقافي والفانتازيا السياسية في سقوط بغداد وامين سيناريست قوي لكنه ليس مخرجا بنفس القوة وكنا نتصور ان زخم هذه المادة الدرامية يحتاج إلى مخرج يروض السيناريست الذي يعمل معه لكن أمين ترك للسيناريست مساحة اوسع من الازم طغت على الصورة في معظم الاحيان فجاءت الكادرات تفتقد إلى جمل بصرية معبرة او تكوينات مميزة كما أن وجود اثنين من مديري التصوير لم يفلح في التعبير بالأضاءة عن كثير من المواقف بل بدت الأضاءة أحيانا زائدة عن الحاجة الدارمية والبصرية كما في مشاهد الليل في حجرات الفتيات بينما فلتت مشاهد قليلة وقدمت لمحات جمالية مثل مشهد جلوس حنان وزميلها في ملعب المعسكر ليلا وهي تحاول ان تستدرجه ليفاتحها في الأرتباط حيث بدا المكان مضاءا بينما هم مجرد شبحين مظللين بنية كل منهم الخفية..كما أن هناك مقاطع حوار طويلة وجلسات حوارية متعددة اثقلت ايقاع الفيلم الطويل اساسا رغم أن أمين حاول أن يخلق جو مناسب احيانا لتلك المقاطع مثل جلسات الفضفضة النفسية التي تحضرها حنان وهو حل درامي منطقي وتطور واقعي لكنه ظل غير مريح بصريا حيث يختنق المتفرج لفترة طويلة في مكان ضيق مثقل بمشاعر كئيبة لفتيات حزينات..ولكن هذا لا يمنع من ان اختيار مجموعة الممثلين جاء ناضجا جدا وفي كل الأدوار تقريبا وقدمت زينة واحد من أجمل الشخصيات النسائية في السينما خلال الفترة الأخيرة وبدت مسيطرة انفعاليا وجسمانيا وملامحيا على شخصية حنان دون اغفال توجيه أمين بالطبع اما صبا فتأرجح ادائها بين الانفعال السينمائي مثل مشهد ارتعاشها وهي تمارس حالة زوجية متخيلة مع صديقها أحمد وفيق على النت وبين الأداء المسرحي في مشاهد أخرى وهو ايضا أمر يحاسب عليه امين ولو جزئيا اما احمد وفيق فقد استطاع أن يمتعنا بحالة كوميديا سوداء في مشاهده القليلة رغم ما شابها من مباشرة درامية وبصرية..حيث بدا بيته الخالي من الأثاث والمزين بلوحات غريبة دلالة خارجه عن اسلوب الفيلم الواقعي على غرابة اطواره..تماما مثل التوازي المونتاجي بين ما يحدث للفتيات وبين “مرجل” العبارة الذي ينفجر في النهاية كاستعارة بصرية واضحة لمبدأ الضغط الذي يولد الأنفجار وهي استعاره حاولت أن تتخذ دلالة واقعية عندما نكتشف أنها عبارة الموت التي كان يسافر عليها اخو داليا وصديقه..هذا الصديق الذي ارتدى بدلة عريس وهو مغادر وكأن يوم مغادرته للبلد هو يوم فرحه..ويمكن اعتبار بنتين من مصر الوجه الأخر لفيلم ثقافي خاصة مع تركيزه على قضية اضرار الكبت الجنسي الناجم عن تأخر سن الزواج ولكن الرؤيا هنا أوسع رغم فجاجة المباشرة في الحديث عن (حزب الحكومة)مثلا ولكن في مقابل هذه المباشرة نجد الجرأة في الوصول بالمتفرج إلى ذورة واقعية جدا -لم يصل إليها فيلم عسل اسود مثلا رغم انه يعالج قضية شبيهه- وهي بصقة الشاب المسافر على الواقع “العفن” – كما وصفه الفيلم- وتعلق بصر حنان وداليا في المطار بالطائرة المغادرة التي تجسد حلم الرحيل للتخلص من مستقبل مظلم ينتظرهم طالما اصيبت احداهن باورام في الرحم من قبل ان تتزوج والثانية فشلت في توظيف طاقتها العلمية لخدمة البلد بسبب مشاكلها العاطفية والجسدية .

تأليف وإخراج : محمد أمين

إنتاج : الشركة العربية

بطولة : زينة – صبا مبارك

مدة الفيلم : 130 دقيقة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ناقد سينمائي مصري

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:206. Generation time:3.011 sec. Memory consumption:44.22 mb