موقع الكتابة الثقافي uncategorized 42
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

طه سويدي

وحدي أقف أمام السرير الأسود، حيث يرقد خالد، صديقي المختفي منذ زمن في شقته المجهولة. راسلني طيلة أسبوع، طالبًا للزيارة، شغلني العمل عن القدوم مبكرًا ، ولما جئت بالأمس كان الأوان قد فات.

أتأمل وجهه الشاحب، لا تبدو عليه سنوات عمره الطاعن، منبسطًا كما اعتدته بعد كل جدال حامي الوطيس تكرر على مدار سنين العمر والصداقة التي ظلت تخبو إلى أن أفضت إلى مكالمات متناثرة.

’’شفت يا فقري‘‘.

أردد وأنا أعض الشفاه على مرارة صواب رأيي في النهاية. هو اعتزل كل شيء منذ زمن، فضّل أن يعيش وحيدًا في مكان رأيته متواضعًا، وظننتُ أن صاحبي المجنون يستحق أفضل من ذلك.

ـ جرب مرة تسمع كلامنا يا خالد وتعيش زي الناس.

ـ ومين قالك إني مش عايش؟

ـ وهي دي عيشة يا بني آدم؟!

يباشر المُغسل عمله، أنظر إلى المنضدة الصغيرة، تتناثر عليها القصاصات الملونة متباينة الحجم، خطها بيده، الأرضية خلاء إلا من قطعة سجاد قديمة باهتة نظيفة، انطفأت إحدى لمبات الصالة، ولم تأت الشمس أمام الشباك هذا الصباح، ولازالت الكتب مصفوفة بعناية فوق الرفين الخشبيين.

ـ أنت مش أول واحد يغلط، ليه عاوز تقاوم الحياة يا أخي؟

ـ أنا مش بقاومها، أنا عاوز أرتاح.

ـ فين الراحة وأنت سايب كل حاجة وقاعد في جحرك ده؟

ـ زي ما أنت مبسوط في دنيتك أنا كمان مبسوط في جحري.

ـ العمر هيسرقك وهتموت لوحدك.

ـ بكرة هتفتكر إني يوم ما هموت هتلاقي حواليّ ناس كتير.

سعل المغسل، جلستُ على كرسيه الخيزران الواثر.

تزاملنا في الجامعة، لم يعمل بمؤهله أبدًا، سافرتُ للخارج، أفلست مشاريعه، تزوجت وأنجبت، فشل زواجه، داومتُ السفر، داوم الفشل، عشتُ وسط الصخب، اعتزل غريبًا، وصف حياتي بالمملة، حذرته من نهايته، تراهنّا،  خسر، والفوز فادح.

انتهى المغسّل، أشار إليّ، قمتُ من مقعده، ألقيتُ النظرة الأخيرة، قبلت رأسه البارد، أغلق الكفن.

قضي الأمر، سأنزل إلى الشارع سائلا المساعدة في حمل النعش حتى ننقله إلى سيارة الدفن.

فتحت باب الشقة، نزلت، وجدت أمام البيت جماعة من الناس، ألقيت السلام، قلت: هستأذنكم بس تساعدوني، في حالة وفاة فى الدور التالت وأنا لوحدي.

 أجابوا: الدور التالت؟ دي شقة الأستاذ خالد،لا حول ولا قوة الا بالله.

ـ البقاء لله، انتم تعرفوه؟

ـ طبعا يا أستاذ، ده ساكن عندنا من زمن، راجل في حاله من يوم ما جه، متسمعش منه غير صباح الخير، ومساء الخير.

ـ شكله كان دكتور على فكرة، أنا فاكر انه لحقني على السلم وكانت كريزة الكلى هتموتني، وأدانى حقنة مسكنة، ووداني المستشفى.

ـ دكتور؟ ده بتاع انشا يا عم، كان بيسلف الواد ابنى كتب الجدع اللى اسمه نجيب محفوظ.

ـ لا يا جدع، ده باين عليه كان مزيكاتي قديم، صوت المزيكا كان دايما طالع من شقته، وكان إدى الواد علي عود.

ـ يا إخوانا كان مهندس… أنا شايف بنفسي المساطر، واللوح بتاعته!

ـ الشهادة لله، كان غريب، وإتم، ومبيكلمش حد.

ـ خلاص يا اهل الله وحدوا الله الجدع مبقاش يجوز عليه غير الرحمة.

غلبتنى الدموع، وقلت: كان زميلى، وصاحبى، الله يكرمكم، ايديكو معايا، مفيش حد معاه الوقتى غير أنتم و… أنا.

تقدمتهم الى الشقة، وكنت أسمع كلامهم’’معقول ملوش حد؟!‘‘ ’’وزميله ده كان فينه مأصلناش شوفناه؟!‘‘ ’’مات لوحده… ده موته وحشة قوى… ربنا يرحمه ويحسن اليه، بقاله معانا سنين، عمره ما أذى حد‘‘

نزلت الدموع بحلاوة خسارتي للرهان، وددت لو أرفع غطاء النعش، أحمل رأسه، أهمس فى أذنيه : كسبت يا فقري!

حملناه، خرجنا الى الشارع، رأيت بعض النساء، ينظرن من الشرفات، يتابعن النعش الأسود المتحرك على الاكتاف، تساقطت قطرات من المطر الخفيف، حفت أوراق شجرة، وأطلت الشمس برأسها من وراء غيوم، تطايرت قصاصات ورقية من نافذة شقته المفتوحة، أخذت تجول فى الهواء فوق رؤوسنا، وأمام النعش، تجمع الصبية على جانبينا، ثم أخذوا يركضون وراء القصاصات، يحاولون القفز والإمساك بها فى الهواء، وقد نجحوا فى الظفر ببعضها، ولم نعبر وسط الشارع حتى بصرت مجموعة تقبل علينا، لم أتعرف على أي منهم ، كانوا خليطًا من الأعمار، يرتدون الأسود، منتفخي العيون، اصطفوا جميعا تحت النعش، و سمعت صبيًا يسأل صاحبه: هما شايلين مين؟

ـ بيقولوا انهم شايلين عمو بتاع الحواديت.