باب سر آمال الميرغني.. بانوراما مُلوّنة للعباد والبلاد
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

قراءة: محمد عبد النبي

حينما تُكتب الرواية التاريخية جيداً فإنها تصيد أكثر من عصفور بحجرٍ واحد، تأخذنا في رحلة في الزمن والمكان وتفتح لنا أبواباً سرية كان أغلبنا يجهل ما يدور خلفها، وهكذا كان عنوان رواية باب سر، لآمال الميرغني، الصادرة قبل شهور عن دار بيت الياسمين، وبقراءتها نعرف أن باب السر المقصود في العنوان هو باب خفي كان يستعمل للهرب في البيوت القديمة إذا حاصرت سكّانه سيوف النهاية المشهرة ظلماً أو عدلاً، إنه فرصة أخرى للنجاة، تؤدي إلى دهاليز وممرات تصل بسالكيها إلى نور الفرج والنهار، لكنّه لم يكن الباب الخفي الوحيد في الرواية، فهي أبواب عديدة، تصل وتفصل بين أروقة ومتاهات الحكايات والوجوه والمصائر في تشابك معقد، وإن برزت آثار الصنعة للعيان، على براعتها، في أحيان قليلة.

آمال الميرغني لها مجموعتان قصصيتان تفصل عشر سنوات كاملة بين صدور كلٍ منهما، لتمر حوالي سبع سنوات أخرى قبل أن تصدر روايتها الأولى هذه التي تدور أحداثها عبر حقبة تاريخية لا نكاد نعرف عنها إلا عناوين مدرسية سطحية، وهي لحظة مشحونة بالإمكانيات الدرامية، إذ تبدأ أحداث الرواية منذ انقلاب محمد علي على المماليك فيما عرف بمذبحة القلعة وتنتهي بانقضاء زمنه وظهور ملامح تحديث مصر على النموذج الغربي، وتمر في الأثناء بحربه ضد الوهابيين في الحجاز، وهي منطقة أخرى غامضة من تاريخنا الحديث. أتخيّل أن الكاتبة عكفت طويلاً على مصادرها ومراجعها، تلك المراجع التي تنوعت وتعددت في السنوات الأخيرة مع جهود بعض المؤرخين الجدد، لكي تستطيع أن تنتزع هذا العالم من جفاف الوثائق والسطور وأخبار التاريخ، وتنفخ فيه بعد ذلك دبيب الحركة والضجيج حتى نخال أننا أمام مدينة النحاس وقد استعادت مخلوقاتها سخونة دم الحياة.

معضلة كل رواية تاريخية غالباً تتمثل في اضطرارها أحياناً إلى الشرح والتفسير وعرض عالمها بلهجة الإرشاد السياحي الجافة مهما كان المرشد ظريفاً وذكياً، وتقع في منطقة حائرة بين عرض محيطها الزماني والمكاني والظروف والأحوال والعادات ونحو ذلك، وبين الإخلاص للحكاية الخاصة بها، والإنصات إلى شخصياتها بما يحملون من أشواق ومباهج وذكريات، ولا تطيب ريح السرد إلّا بمزج الطموحين معاً في سبيكة تصهرهما وتوحدهما، وهو ما نجحت فيه رواية باب سر إلى حدٍ بعيد، فنحن نمضي مع سليم الأرناؤطي، المحارب المرتزق، في رحلته إلى الحجاز، نتابع بعينيه الحرب ضد الوهابيين، بأدق منعطفاتها وحوادثها، دون أن يأخذنا هذا من همومه الشخصية، وطباعه وحكاياته والفتنة التي أصابته بها الصحراء فأهلّته للجنون بعد سقوطه عن جواده في المرماح. ونحن نغوض في الحبشة وبلاد السودان، مذهولين أمام مشاهد إخصاء الصبيان وتجارة العبيد وألعاب تنكر الرجال في ثياب جواري وتسللهم إلى خدور الحريم، يصحبنا في ذلك كله أنيسة الحبشية، مبتدأ الرواية ومنتهاها، وكذلك صالح وتوأمه مساعد السودانيين الذين فرقت بينهما الغارات وتجارة العبيد صبيين يافعين، قبل أن يلتقيا في مصر المحروسة كهلين ناضجين. ومع ذلك فثمة أجزاء تندس فيها المعلومات التاريخياً دساً، خصوصاً في بعض الحوارات قرب نهاية الرواية، دون أن تكون جزءاً عضوياً من بنية العمل، أو الآراء التي تعكس اختلاف وجهات النظر بين الشرق والغرب، ومعنى التحديث وكلفته على العباد والبسطاء بدايةً من الفُرَض والضرائب حتى كان الفلاحون يفرون من أرضهم وبلادهم للمحروسة لتعيدهم السلطة إليها رغماً، ثم الموت المجاني، حيث لقى مثلاً ثلاثين ألف رجلٍ حتفهم في شق ترعة المحمودية.  

عالم يختفي وعالم آخر يُولد، البعض يشعر بتفاؤل القوانين الجديدة وقيام العمران مثل صالح والبعض مثل ليون الإنجليزي يرى في التحديث على النمط الغربي مرضاً لا علاجاً. وبين تلك المرايا يظل القارئ مفتوناً أمام بانوراما سردية تحفل بالشخصيات وقصصهم المتواشجة، وإن زاد هذا التواشج عن الحد هنا أو هناك، فلم يكن هناك داعٍ مثلاً من زواج ليون بهند بعد موت زوجها الكرديّ، في الصفحات الأخيرة من الرواية، إلّا على سبيل الرغبة المفرطة في حبك أطراف الحكاية وتربيطها أكثر من اللازم. كما كان زائداً عن حاجة السرد أيضاً، في ظني، التناص مع قصة بورخيس تقرير برودي، في مراسلات ليون مع أحد أصدقائه الرحّالة، حتى ولو على سبيل تأكيد نظرة بعض الغربيين إلى الشرق والبلاد المجهولة ككائنات غرائبية، فالرواية تحفل بالغريب والعجيب المستمد من بطون كتب التاريخ – وكله حقيقي مئة في المئة – بحيث لم تكن في حاجة إلى استعارة هذه اللمسة من عوالم الأرجنتيني الأمهر.

ذلك كله لا ينفي أننا أمام بانوراما حافلة من الشخصيات متنوعة الأعراق والألوان والمصائر، ربما أكثر قليلاً من أن نتعايش معها في تريث وأناة، متورّطة في لحظتها شديدة الخصوصية، ومرسومة بذكاء ومحبة، دون إدانة ولا تسطيح، حتى عند تناول بعض الشخصيات الثانوية مثل الغجرية تسليمة أو الجارية جابريللا. لم تستلم اللغة – كثيراً – لمحاولات محاكاة نبرة ذلك العصر كما نعهدها في المخطوطات والوثائق، بل تمسكت بسلاستها وإن تلوّنت بدرجة طفيفة بألوان ذلك الزمن واختلاف ألسنة الشخصيات، تزينت بالحلى البلاغية عند الحاجة واعتمدت المشهدية والحوار أساساً لها، وكثيراً ما انفتحت عدسة السرد لتحيط بمشاهد متسعة تصوّر مئات “المجاميع” ممن تدهسهم عجلات مراكب الحياة في كل يوم وكل زمان، كما في مشهد المذابح في مستهل الرواية أو خلال الحرب على الوهابيين في الحجاز أو عند تمرّد الجند على أفندينا وإعمالهم السلب والنهب والتقتيل في شوارع المحروسة.

ليس باباً سرياً واحداً إذن، بل أبواب عديدة بعضها في داخل الناس، مثل باب غرام أنيسة الملتبس بالتوأم السوداني صالح ومساعد، وحلمها بالانعتاق من هوان بيع جسدها، ومثل باب الشعر وكتابته بالنسبة لكلٍ من مساعد والشيخ بدر، وكذلك التأليف والكتابة وتعرّيف الشعوب ببعضها البعض عند الشيخ بدر وليون، وحتى مخاطبة الحيوانات وترويضها بالمحبة والحنان عند القرداتي صالح.

رغم مشكلات اللغة الطفيفة، ورغم المرور الخاطف على مساحات زمنية ممتدة قرب النهاية، تظل باب سر رواية واعدة بالمتعة والاستغراق مثل فيلم باذخ الإنتاج لمخرج يحلمُ أحلاماً ملونة، فيلم لا يرحل بنا فقط عبر الأزمنة والأماكن بل يأخذنا كذلك إلى داخل الإنسان، نحو ذلك السر الذي لا يُسمى وإن حضر بكل بهائه في كل لحظة.