النص والسلطة والإرهاب(1)

“كتاب الأمان”  

كتابة الوهم..و”ديموقراطية التأويل”

١

   تضع ” كتاب الأمان”، الرواية الثانية لياسرعبد الحافظ ، من خلال نهايتها الدالة ، الأفلام الهندية (إحدى أهم أيقونات التسعينيات)  كأقصى نقيض ممكن لها. يذهب “خالد مأمون” مع “لطفى زاده” إلى سينما “شبرا بالاس” بناْءً على رغبة الأخيرالشديدة فى رؤية ” التحفة البوليدية الأروع.. الحقيقة النهائية”، وينجحا فى الدخول إلى صالة العرض رغم الزحام الشديد بفضل مساعدة الجمهور وإفساحهم الطريق بدافع الشفقة على ” لطفى زادة” الجالس على كرسيه المتحرك. يحمل الفيلم الهندى نفس عنوان الكتاب الذى تسعى “حسناء” إلى إنجازه، والذى سيحتوى على الخلاصة النهائية للمعرفة البشرية: “الحقيقة النهائية”. تستدعى المطابقة- بين الفيلم الهندى والرواية- السخرية المريرة: اليقين المستقر النهائى، الرؤية الواثقة المستوعبة للعالم، أنساق القيم القارة الثابتة، الخير والشر، البنية التقليدية للفن، فى مواجهة الشك والنسبية والقلق، غياب أية دعائم منطقية للعلاقات الإنسانية، والتطويرات الشكلية للبنية الفنية. الحياة كحقيقة مبتذلة فى مواجهة الوهم كحقيقة للحياة.

     يمنح النص الروائى الوهم شكلا وبنية ً، يحوله من تجربة ايديولوجية مألوفة للبشر إلى شىء مختلف، الخيال ربما، حيث يبنى النص صورة روائية كابوسية، فى غالبية أجزائها، وعند إحالتها/مطابقتها للواقع لا نتبين أيهما أكثر اكتمالا.

     عند قدوم “مصطفى اسماعيل” إلى “قصرالاعترافات”، جهة التحقيق السيادية الغامضة، للتحقيق معه فى تهم السرقة التى ارتكبها وفق نهجه الخاص، وبمعية تنظيم قام بتكوينه عنقوديا، تترك اعترافاته وكلماته أثرا كبيرا فى نفس “مصطفى اسماعيل ” مدون التحقيقات فى القصر.  يصفه خالد مأمون قائلا: ” ومثلما هم الأبطال الأسطوريون فإن شيئا فى وجهه يترك الانطباع بحزن غائر. أدركت ساعتها أن الوصف الذى يرد فى الملاحم البشرية عن سمات البطل لم يكن تكاسلا من مدونيها كما ظننت،إنما، الوجوه تُنحت على حسب الدور المقرر لها لعبه.” ﺻ26

    لكن الفن الروائى يخلق مغايرا أساسيا عن الدراما أو الملحمة من حيث الفعل أوالقدرة عليه، فداخل المحكى الملحمى – ويمكن اعتبار الفيلم الهندى تغير أو تطور مبتذل للملحمة- يصبح لفعل البطل دلالة عامة أكيدة، وموقفه الايديولوجى له دلالة بالنسبة للعالم الملحمى، ولا يتفرد خطابه، بل يختلط بخطاب الكاتب. أما “مصطفى اسماعيل” ،وكذلك الشخصيات القادرة على الفعل بشكل ما مثل “سوسن ” و ” لطفى زادة”، لا يغدو لأفعالهم تلك الدلالة العامة الأكيدة، ولا تصبح مقبولة داخل العالم ، أو ذات دلالة لدى الجميع، لذلك تختلف دلالة أفعال “مصطفى اسماعيل” من شخصية لأخرى، فيراه البعض بطلا قوميا، وتراه ابنته “حسناء” و “نبيل العدل” ( رئيس خالد مأمون المباشر) مجرد لص، بينما يراه “خالد مأمون” يحاول إحياء أسطورة روبن هود، تلك الأسطورة التى يحاول “مأمون” خلقها من الحكاية فى طبعته الأولى من “كتاب الأمان” ، ثم لا يلبث أن ينقضها فى طبعته الثانية، نحو رؤية أكثر واقعية. فى الرواية، الشخصيات متكلمة، وفى الغالب إما عاجزة عن الفعل أو مستاءة منه، محكوما عليها بالكلام العارى(بتعبير باختين):         بأحلام اليقظة ، وبالمواعظ غير الفاعلة، وبالنزعة التعليمية( كما فى نسخة مصطفى اسماعيل من كتاب الأمان)، والتأملات المجدِبة (كما فى حالة حسناء). ولأنه ليس للرواية منظور واحد وحيد (كالمحكى الملحمى)، بل تشتمل على عدد كبير من المنظورات، لا تصبح مواقف الشخصيات “الإيديولوجية” المواقف الوحيدة الممكنة، لذلك فهى عرضة للمناهضة من قِبل السلطة أو المجتمع.. أو القارئ.

     تتعدد اللسانية الاجتماعية للذوات المتحدثة داخل الرواية، لكنها تعددية مختلفة عن “تعدد الأصوات” بالمعنى الباختينى المألوف. فبالرغم من الهيراركية الظاهرة لصوت راوى واحد، نتبين هشاشة هيمنة هذا الراوى المتخيل، والذى يتحدث بضمير المتكلم، للمؤلف الضمنى أو المفترض “خالد مأمون”، فكلام الشخصيات أو خطابها غير خاضع لصوت “خالد مأمون” ، فلا تذعن الشخصيات لوجهة نظره، ولايمتزج وعيها به، كما تباعد البنية السردية للرواية بين خطابها وأى تراتب هرمى صارم، عن الطريق الكاتب الفعلى/ الحقيقى الذى يتقنع خلف كاتبه المفترض/الضمنى، فينطمس صوته تماما، دافعا ﺒ”النسبية المنتشية” إلى حدودها القصوى.

      تحدد الرواية العلاقة بين البنية السردية للنص وخطابها، فالمضمون صار شكلا، حيث تنتج الرواية شكلها الفنى والذى يتشكل عبر رؤيتها للعالم، رؤية تتطلب خطابا حيث لا يكون أى موقف أيديولوجى أو أخلاقى معصوما من الطعن فيه ومخالفته، وتطويرا شكليا للبنية الفنية يناسب الرؤية الجديدة والتى تسائل “النسبية” ذاتها. 

٢

  يقوم المخرج الأمريكى ” كوينتن تارانتينو” بلعبة تبادل الأدوار فى أغلب أفلامه، تصير الضحية جلادا، والجلاد ضحية أو مُطاردا: الشرطة والجناة، اليهود والنازيون، العبد الزنجى والرجل الأبيض، وهى لعبة ترتكز على مفهوم مابعد حداثى عن الحقيقة والمعنى والسلطة، إذا سنحت الفرصة للضحية لكى ينتقم، سيفعل مثلما فعل جلاده، بل وأكثر من ذلك، لا وجود للخير والشر،فقط، التموضع التاريخى . ويبدو سؤال الرواية أو مفهومها عن الحقيقة مقاربا لذلك الفهم، ليوتاريا فى بعض ملامحه،وكما يذكر”آلن هاو”: “تتقوّض شرعية التصورات الحداثية عن”الحقيقة”و “العقل”و “التقدم”… يقول مصطفى اسماعيل: “لا فارق بيننا وبين رجال الأمن سوى أنهم صنعوا لأنفسهم زيا”ﺻ241 .. لكن النص الروائى يلوح مقيدا بما لا يقوله، لا بما قاله بالفعل، عبرالتعارض المستمر والتباين بين المعانى، “يتكلم” النص فى لحظات صمته، أو بالأحرى تجعله “القراءة” “يتكلم”.

    تتصادم وجهات النظر داخل الرواية، من خلال حواريتها الساكنة. يورد النص فقرات متواترة من نسخة  “مصطفى اسماعيل” الأصلية لكتاب الأمان، كما يقدم النص صوت “خالد مأمون”، والذى يفترض أنه صوت المؤلف الضمنى ذاته، فى سرده وتأملاته:

  “لعنة الله على الثمانينيات وما ورثناه منها، لا فن، لا موضة، انتهى عهد السياسة والثقافة وبدأ التدين والتقاليد، نفعل ما نريد شرط البسملة والحوقلة” ﺻ165

   ” عندما سلموه أدوات الثورة، بعض الكتب السلفية وجنزيرا، قلت له إن الموضوع تعدى مجرد اكتشاف أفكار مختلفة…”ﺻ177    

   “لكن بعد قليل بدأت الصورة تتضح، كلمات متناثرة يتبادلها الركاب فى عرباتهم عن حادث وقع، انفجرت قنبلة فى أحد الأتوبيسات، الإصابات ليست خطيرة لكنها موجعة ، سببتها المسامير التى تم تزويد القنبلة بدائية الصنع بها، اخترقت أجساد الضحايا تاركة لهم هدايا باسم زمن التسعينيات.” ﺻ233

” لم تعد مفردات مثل “إرهابى” و “تطرف” و”الحكومة الكافرة” بغريبةعلى الأذن.. “ﺻ259

“رجال الثورة الآتين للحكم عطشى وجوعى عُرف عنهم الولع بثلاثة: النساء، الغناء، الشطرنج. وفى المقابل يكرهون ثلاثة: الملك، ورجاله، والحرية.”ﺻ 251

أو يقول على لسان الأستاذ فخرى: “المرأة مثل شعوبنا تعشق الديكتاتور” ﺻ166

لكن تلك التأملات تكشف- بشكل ضئيل- عن الحدود التى يكتب المؤلف الحقيقى من داخلها، بسبب لغتها ذات الكثافة الضمنية، والسرد الذى يورد التباين ( مثل وجهتى نظر “حسناء” و”خالد مأمون” المتناقتضين فى رواية “الحب فى زمن الكوليرا”)،والأهم، الطبعة الثانية من كتاب “كتاب الأمان” ،التى ينوى “خالد مأمون” كتابتها مستندا إلى رؤية حسناء ابنة مصطفى اسماعيل،والتى تقوض كتابته أو طبعته الأولى :

 ” كيف لم انتبه إلى أنى كنت أسير وفق ما تنتظره مخيلة الكثيرين، صنعت بطولة وهمية لرجل قد لا يكون كذلك على الإطلاق. فى الطبعة الثانية سأكتب قصة حسناء و معها الحقيقة المطلقة.سأعترف وأطلب العفو..  كنت مغفلا صنعت من لص بطلا قوميا، منحته بطولة لا يستحقها، كنت أبحث عن وسيلة للاعتراض، لشق الصمت الذى وجدت نفسى مقيدا به..” ﺻ209

 فى شكل فريد من “الميتا سرد”، لايستبق الانتقاد أو يدرج النقد المحتمل فى سياقه فقط، وإنما يؤكد ” ديموقراطية الشكل الأدبى للرواية”، بتعبير “ديفيد لودج”، الذى يناهض الشمولية،   والذى ينتج مفهوما عن الحقيقة والأخلاق، عبر تصارع النصوص، خاضعا هو الآخر    ﻟ”ديموقراطية التأويل”، على حد وصف خالد مأمون: “.. وأنا لا اقول شيئا، ألوذ بديموقراطية التأويل، وحق النص فى الحياة بعيدا عن صاحبه.” ﺻ 176   

يتبع..