المستلبة

عبد الرحمن أقريش

الزمن، صيف 1999.

المكان، آسفي، شارع الرباط.

الأصيل، تميل الشمس نحو المغيب، تتوارى، تختفي خلف الأسوار، وتغرق تدريجيا في المحيط، ترسم خيوطها الذهبية أفقا لغسق جميل وحزين.

وبالمقابل، تستيقظ المدينة من قيلولتها، وتستعيد ضجيجها المسائي المحموم.

تتعالى أصوات الباعة، تمتزج بأصوات المتسولين، يعرض الباعة بضائعهم الملونة والكاسدة، ويعرض المتسولون عاهاتهم الحقيقية والمزيفة.

– أزيدو، كل شي درهم…

– ها الهمزة جات…لا غلاء على مسكين!!

– تاعت الله في حق الله…الله يرحم الوالدين!!

– أهبش…أعزل وتخير…درهم، درهم، درهم، صدق أو لا تصدق، كل شيء درهم!!

– أزيدي ألالة…ريكلام…ريكلام…ها هو العروبي جا وجاب…أزيدو !!

مثل مجذوب تائه، أمشي، أجوب المدينة على غير هدى، أنظر للوجوه العابرة، وجوه مغبرة، شاحبة، متعبة، أراها وكأنني لا أراها، تتناغم خطواتي على وقع الهواجس التي تموج بداخلي، تسرع، تتباطأ، أكلم ذاتي.

– هذه ليست مدينتي، إنها مجرد قلعة مهجورة خاوية على عروشها، والناس هنا مجرد أشباح وظلال لأرواح فقدت أرواحها من زمان!!

أخرج من زقاق، أدخل آخر، تلك عادتي عندما تضيق بي الأرض ويتملكني القلق، أتيه، أهرب من الناس ومن نفسي، أطلق العنان لذاتي الأخرى، أراني مسافرا بعيدا، أشعر وكأن بوابات خلفية تنفتح بداخلي، أطل منها على الأفق، ثم في نقطة ما، في لحظة ما، أتحرر أخيرا من كآبتي، تنتعش روحي، أشعر بالهدوء، وأستعيد توازني.

في الطرف الآخر من الشارع، وقفت هي على الرصيف، وقفت تنظر جهتي، ترتسم على وجهها الخطوط الأولى لابتسامة غامضة، تبدو متحفزة، ولسبب ما، بدت لي ابتسامتها متعمدة، أحسست أنها تقصدني!!

نظرت إليها، اتسعت ابتسامتها أكثر، ثم انمحت، تلاشت.

للحظة، تخيلت أن ما رأيته لم يكن حقيقيا، وأن الأمر كله مجرد طيف أو خاطرة.

ولكن ابتسامتها عادت وارتسمت ثانية، فبدت واضحة وأكثر جرأة.

آنذاك، انتبهت للتفاصيل.

فتاة شابة في حدود العشرين أو تزيد قليلا، جسم رشيق، لباس صيفي ملون مكون من قطعتين، حذاء أسود أنيق، وجه جميل، خجول وباسم، عينان جميلتان بلون العسل، يشع منهما تعبير غامض، شيء يشبه الفرح أو الرجاء، كحل يرسم سهاما رفيعة شديدة السواد حول المقلتين، وشفتين شهيتين، مصبوغتين بلون قرمزي لامع…

بدا لي وجهها هادئا ومألوفا، فافترضت منذ البداية، أنها ربما كانت من معارفي القدامى، فصداقاتي القديمة هنا كثيرة، وهي أكبر من أن تختزنها ذاكرتي المتعبة.

ولأنني ضعيف وأفقد مناعتي عندما يتعلق الأمر بالإناث، ولأنني لا أحب أن أبدو فظا، فقد قررت أن أرد على ابتسامتها بأخرى مشجعة.

هل تعرفني؟ هل أعرفها؟

لا أدري.

نظرت إليها، تأملتها ثانية، وجهها الطفولي البريء، نظرتها الحالمة، حاولت أن أسترجع شريط الذكريات، أعصر ذاكرتي، أضغط عليها، ولكن بدون جدوى.

كانت ابتسامتها ما تزال مرسومة، عندما أدركت متأخرا، أنها تعاني اضطرابا في شخصيتها، ثم انتبهت فجأة لأمر عجيب، كانت ابتسامتها غريبة، مستلبة، ميتة وبدون روح، ثم هذا الضوء الهارب من عينيها الجميلتين، انتبهت أخيرا أنه تعبير عن شخصية معطوبة، ممزقة، مشروخة ومغتربة.

ورحت أفكر…

فكرت فيها، فكرت في نفسي، وفي بؤس الحياة وضعف البشر، تملكتني مشاعر معقدة وغامضة، مزيج من الحرج والحزن والألم.

– نحن جميعا معطوبون، مستلبون، مهددون…ما الحياة لولا فسحة الوهم والأمل!!

انهيت جولتي في نقطتها المعهودة عند (تلة الخزف) وقفلت راجعا، كانت واقفة هناك، تنتظرني، تعمدت ألا أنظر ناحيتها، تجنبا لمزيد من الحرج، ولكنها بدت مصرة، مصممة، وقفت تنظر جهتي مباشرة، تقدمت نحوي حتى أصبحت على بعد خطوة أو خطوتين، تجاهلتها، أطرقت ببصري إلى الأرض، وواصلت سيري وأنا أمثل البراءة والهدوء والعفوية.

وبحس الأنثى الذي لا يخطئ، أدركت هي الموقف، انفتحت جراحها، نكأت، فبدت مكلومة ومنكسرة.

كانت قريبة جدا، ثم اقتربت مني أكثر، كنت أسمع أنفاسها، وقفت تنظر جهتي، تنظر إلي، تابعت أنا سيري مبتعدا، تنهدت هي بعمق، بحرقة، خاطبتني بصوت مجروح، صوت تمتزج فيه نغمة الحزن بنبرة العتاب.

– ياك الزين، ميكتي!!

…………………………….

ملاحظة: ميك، ميكة، ميكتي، تعبير معناه في لغة الشارع المغربي التجاهل.