المحكي والمتخيل في قصص “مدينة الحوائط اللانهائية” لطارق إمام

عبد القادر كعبان

ينطلق المبدع المصري طارق إمام في نسج قصصه من منطلق تجربته الخاصة في مجموعته الموسومة “مدينة الحوائط اللانهائية”، وكأنه يهمس في أذن القارئ بصوت يغلفه التواضع أنه لم يتعلم فن القص من شهرزاد في “ألف ليلة وليلة” بل يتمرد على فن السرد ليستعرض لنا شيئا من مرويات مخيلته كي ينقذها من الضياع والنسيان.

وسنحاول ههنا، الوقوف أمام قصتين كنموذج من نفس المجموعة، الأولى جاءت تحت عنوان “حكاية المرأة ذات العين الواحدة” حيث يحيلنا عنوانها إلى رمزية النص الذي وجدناه بسيط اللغة مشحونا بالدلالات كغيره من بعض قصص “مدينة الحوائط اللانهائية”، لنجد أنفسنا أمام البطلة وهي امرأة حكيمة ولكنها غريبة الأطوار، حيث نقرأ على لسان السارد ما يلي: (كانت عينها تلك سرا كبيرا غامضا، كوجودها ذاته. ورغم أنها لم تكن جميلة، فضل أن جسدها كان ضئيلا متيبسا مثل فرع شجرة عتيقة منكفئ على نفسه، إلا أن جميع نساء المدينة الآخذة في التكون كنا يحسدنها في سرهن، لجمال الكحل الذي يتوج عينها الكبيرة) ص 16.

كانت البطلة بمثابة الحصن لمدينتهم العتيقة فهي الوحيدة التي تشهد تاريخ المدينة القديمة والتي دافعت عنها بأغلى شيء كانت تملكه، كما نقرأ ذلك في المشهد السردي الموالي: (…كانت تملأ كفيها بحفنات من الكحل وتقذف بها في عيون الأعداء فتصيبهم بالعمى. تمر السنين لا المرأة تشيخ ولا جبل الكحل يتناقص.) ص 17-18.

منذ بداية القصة إلى نهايتها يحاول القارئ عبثا اكتشاف سر الكحل وعين المرأة الوحيدة بين شحنة دلالية تارة تمتد خلالها عملية السرد وتارة تتقلص، وكأنه أمام لغز يسعى لاكتشافه دون جدوى إلا من خلال قراءة القصة مرة أخرى: (فشلت كل المحاولات في بناء أسوار حول عين الماء الهادرة، فقد كان اندفاع الماء دائما أقوى من كل الحواجز، قادرا على إذابة الطوب والحجارة والفولاذ وجميع المواد الأخرى التي جربها الأهالي ليتفادوا الغرق.) ص 19.

يقدم طارق إمام حكاياته على شكل مغاير برؤية حكائية فذة تتجاوز أفق الحدث ذاته وتكسو ملامحها الغواية، وهذا يعيد إلى أذهاننا بشكل أو بآخر حكايات الساحرة الشيلية إيزابيل الليندي في العديد من أعمالها الأدبية لتكون حكايات بطعم النوم بما يمثله من رمزية عجائبية غرائبية في آن واحد.

ففي القصة الثانية التي جاءت تحت عنوان “حكاية القرصانة” بطلة القصة امرأة من نوع آخر على خلاف القصة الأولى فقد انتهت حياتها بالغرق: (استيقظوا ذات صباح ليجدوها غريقة نومها في غرفتها التي غمرت بالماء. كانت الدهشة بنفس قوة رعب الاكتشاف الذي لا يصدق، فالبحر بعيد عن البيت، ويستحيل لأي موجة فيه مهما بلغ عنفوانها أن تصل إليه.) ص 33.

كثرت الأقاويل في نفس المدينة التي جمعت البطلتين (بطلة القصة الأولى والثانية)، نفس المكان هو بعينه مدينة الحوائط كما يسميها القاص إمام ليلقي بما تحمله جعبته من حصيلته المعرفية وجهده البحثي عن عوالم قد وجدها في كتب التراث والأساطير ثم عاد لينسجها في حكايات غير تقليدية.

أحبت بطلة “حكاية القرصانة” شابا ولكن لعبة القدر كانت حاجزا أما حبها فهي كما كان يقال في المدينة أنها فتاة من أسرة غنية وهي بدورها تمردت على قوانين هذه الأخيرة: (ذات يوم، وكانت الحكاية قد التصقت بجميع الألسنة، اكتشف الأهل أن ابنتهم حبلى. حبسوها في غرفتها إلى أن يتخذوا قرارا بشأن طريقة الموت التي سيختارونها لها، ولكنها لم تمنحهم الفرصة حتى لاختيار شكل الانتقام.) ص 32.

يعود الفضول ليسيطر على مشاعر القارئ بشكل عام ليفهم حكاية البطلة الغريقة المجهضة ولكن لا يجد لذلك بابا مفتوحا إلا من خلال قراءة ثانية لأن المبدع طارق إمام قناص ماهر للحكي لا تخلو أجواء مجموعته القصصية “مدينة الحوائط اللانهائية” في العموم من الرمزية الفائضة وبالإيماء، كما أنها لا تخلو كذلك من المراوغة والتحايل.

نهاية البطلتين تختلف من قصة إلى أخرى ولكن الحزن يلف ملامحهما رغم صلابة وتمرد كل واحدة منهما، فالأولى اختفت وصار وجودها مجرد ذكرى بعدما اكتشفت النساء لغز جبل الكحل أما الثانية اختفت بعد غرقها لتعود على شكل قرصانة تهاجم السفن يتحدث عنها الجميع في المدينة ولكنها انتهت كجثة هامدة في نهاية المطاف.

…………………………………

(1) طارق إمام: قصص مدينة الحوائط اللانهائية ، الدار المصرية اللبنانية،2018.

* كاتب وناقد جزائري