المثلية في سينما يوسف شاهين

المثلية في سينما يوسف شاهين

المثلية في سينما يوسف شاهين

المثلية في سينما يوسف شاهين

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 48
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

محمد العبادي

من أهم نقاط القوة والتميز عند المبدع هي قدرته على طرح رؤية طازجة مختلفة عن المعتاد والمألوف، قدرته على ارتياد مناطق فنية وفكرية جديدة غير مطروقة من قبل،وربما هذا فقط هو الفرق بين الفنان الحقيقي العبقري.. وبين العادي الملتزم بالمعروف والمعتاد.

وإذا أردنا أن نبحث عن هذه المناطق الجديدة والمختلفة في سينما يوسف شاهين.. نجد منطقة هامة كان له السبق في طرحها في السينما المصرية والعربية.. لكن نظرا لحساسية هذه المنطقة تم تجاهلها.. واكتُفي بالتعامل معها فقط بين السطور.. أو في مقالات البحث عن الفضائح.

المثلية الجنسية هي هذه المنطقة المظلومة في سينما شاهين.. ومن الواجب علينا أن نقدر مجهوده في اختراق هذه المنطقة المحرمة.. لهذا سأحاول هنا أن أقوم بتحليل المثلية في سينما شاهين من منطلق فني.. وليس أخلاقياً كما حاول كثيرون.

كاميرا شاهين ثنائية التوجه:

من الظلم أن نكتفي بالرؤية “السطحية” للمثلية في سينما يوسف شاهين.. فالأمر أكثر عمقا من “السرد” المرتبط بالمثلية في عدد من أفلامه.. بل الأهم هو تحليل “الرؤية” المثلية على مستوى الصورة والتعامل الفني، حتى إن لم يظهر أثر هذه الرؤية في “أحداث” الفيلم بشكل مباشر.

فلنصطلح على تسمية الرؤية الفنية للمخرج بـ”كاميرا” المخرج.. وعلى مستوى التوجه الجنسي سنجد أن انجذاب الكاميرا لجنس معين يختلف من مخرج لآخر.. وإن كان المعتاد أكثر أن تكون الكاميرا “غيرية” الانجذاب الجنسي.. تركز على إظهار مفاتن المرأة من وجهة نظر الرجل (هل نقول عليها كاميرا ذكورية؟).. لكن في بعض الأفلام نجد أن نظرة مختلفة للكاميرا.. فقد نجد الكاميرا ذات نظرة مثلية موجهة للرجل.. أو نجد أيضا كاميرا ذات إعجاب أنثوي..

أما كاميرا يوسف شاهين فنستطيع أن نصفها بكونها ثنائية التوجه.. فحتى إن لم تكن المثلية من المواضيع المطروحة في الفيلم.. نجد أن كاميرا يوسف شاهين تتعامل بإعجاب يصل إلى حد الوله مع الجمال الذكوري.. حيث يظهر هذا واضحا في عدد من اللقطات التي نجد أن الهدف منها فقط هو استعراض تفاصيل وسامة الممثلين الرجال.. يمكن أن نجد أثرا لهذا في سينما شاهين منذ البدايات.. مثل الطريقة التي ظهر بها عمر الشريف في بداية “صراع في الوادي”.. كذلك عدد من اللقطات في نفس الفيلم وفي “صراع في الميناء”.. وربما نجد هذا الإعجاب موجودا في كل المراحل التالية.. حتى في الأفلام التي لم تعرض لفكرة المثلية.. فنجد ذلك مع محسن محيي الدين منذ “الإسكندرية” وحتى “بونابرت”.. ربما مع أحمد محرز وهشام سليم في “عودة الابن الضال”.. بالطبع “عمرو عبد الجليل” في “إسكندرية كمان وكمان”.. وتطول القائمة حتى تصل لأحمد وفيق وأحمد يحيى.

ربما يعود بنا هذا الحديث لـمقال سابق عن كيفية اختيار يوسف شاهين لممثليه، فقد يكون تفسير التشابه الشكلي بين ممثليه هو في اختيارهم على أساس “جمالي”.. أي أن اختيارهم يتم بناء على أفضليات كاميرا شاهين الباحثة عن نموذج معين للجمال الذكوري.

لكن ليس معنى هذا أن توجه كاميرا شاهين كان للذكور فقط.. يبدو أن شاهين تعلم من أساتذته الأمريكان كيف يظهر الفتنة الأنثوية في أبهى صورة.. من منا ينسى الجمال الأنثوي الشبق والمتفجر لهند رستم في دور هنومة، وفاتن حمامة ذات الفتنة الأرستقراطية تارة في صراع الوادي، والبلدية تارة أخرى في صراع الميناء.. كذلك ظهرت سعاد حسني معه في واحدة من أكثر صورها بهاءً في “الاختيار”.. و”قالوا لنا” أنها كانت أيضا في أفضل حالاتها في النسخة الأصلية الضائعة من “الناس والنيل”.

نخلص من هذا أن الرؤية العامة في أفلام شاهين كانت في صالح التوجه الجنسي المزدوج، بكاميرا تبحث عن الجمال الجسدي في أي مستقر له، دون التحيز لجنس على حساب الآخر.

لكن طرح المثلية في سينما شاهين ليس مرتبطا فقط بالرؤية العامة للفيلم، بل نجدها مطروحة بين أحداث عدد من الأفلام.

ربما الآن بعد أن عرضنا للأثر المثلي في الرؤية العامة لأفلام شاهين.. يجدر بنا أن نعود ونعرض لـ”السرد” المثلي في أفلامه…

الناس والنيل 1964:

فيلم يوسف شاهين تعس الحظ الذي اغتالته الرقابة والتدخلات الإنتاجية.. من الممكن اعتباره الفيلم الأول الذي يعرض فيه شاهين علاقة مثلية، وإن كان قد قدم هذا بالتعريض وليس بالتصريح.. في الفيلم ذو الانتاج المصري/السوفييتي عرض يوسف شاهين للعلاقة بين عامل نوبي “براق” وآخر روسي “نيكولاي” من العاملين في مشروع السد العالي، ظهرت العلاقة بينهما أكثر تلاصقا من المعتاد والطبيعي، يظهر ذلك بالذات في مشهد “تحويل مجرى النيل” حين يقوم الصديقان بالقفز عاريين للسباحة في مياه النيل.

اسكندرية.. ليه 1979:

الفيلم الذي حقق ليوسف شاهين الاعتراف العالمي.. نجد فيه عرضاً أكثر وضوحا للمثلية.. عبر عرض العلاقة العاطفية بين عادل الارستقراطي الثوري المصري والجندي الاسترالي الذي اختطفه ليقتله، فإذا به يقع في هواه ويبكيه حين يموت في العلمين.

حدوتة مصرية 1982:

في قسمه الأول يعرض الفيلم بشكل سريع لعلاقة عابرة بين البطل “يحيى” وبين سائق إنجليزي قام بتوصيله بعد سهرة مع أصدقائه.. ربما لو تم تنفيذ هذا التتابع بشكل مختلف لكان من الممكن أن نعتبره مجرد حديث “برسئ” بين يحيى وشخص لا يعرفه.. يأتنس به من خوفه من الوحدة والموت، لكن تنفيذ التتابع كان بعيدا عن البراءة.. على مستوى الصورة يكفي أن نلاحظ النظرات المتبادلة بين الاثنين.. والعلاقة البصرية بينهما في الجلوس في السيارة أو في البار بعد ذلك.. كذلك الحوار بشكله الإيحائي:

يحيى: هل أنت متزوج؟

أندرو(ينظر له عبر مرآة السيارة): كنت أعيش مع إحداهن.. وقد رحلت الآن…

يحيى: كنت تضربها؟…

أندرو: ربما لو فعلت لكانت بقت…

(يضحكان)

لكن كعادة شاهين في تناوله للمثلية استطاع هنا أن يبقى الوضع في دائرة التلميح…

المشهد بدءا من 18.20

اسكندرية كمان وكمان 1990:

ربما يحتاج هذا الفيلم لمقال مستقل لعرض الطرح المثلي فيه، هنا ليس الأمر مشهدا عابرا أو لقطة مستترة، بل تظهر المثلية في قلب خط رئيسي من أحداث الفيلم.

تبدو العلاقة بين المخرج “يحيى” والممثل “عمرو” أقرب لنسخة مثلية من “بيجماليون”.. المخرج الفنان الذي صنع من ممثله نجما وهام به حبا.. لكن يختار الممثل أن يهرب من هوس “التملك” الذي حاصره به المخرج.

يمكننا أن نلاحظ هنا قدر من اللوم، أو قد نقول “التجني” على الممثل “عمرو”، فيظهره الفيلم بمظهر الممثل محدود الثقافة قصير النظر، الذي اختار نقود التلفزيون والابتذال الفني ورفض الإبداع الطليعي الذي تمثله أفلام مكتشفه “يحيى”، مثلما يظهر في مقولة عمرو:

  • الشغل أكل عيش.. مش عبقرية على بطون فاضية.

مثلية عند شاهين.. شذوذ عند الآخرين:

ربما كانت نقطة السبق في تعامل شاهين مع المثلية ليست في تناول المثلية في حد ذاتها – فهو ليس الوحيد ولا الأول- بل السبق في “طريقة” التناول.

فقد دأبت السينما المصرية على تبني نظرة “الشذوذ”، باعتبار المثلية مرضا نفسيا واجتماعيا وشذوذا عن الطبيعة البشرية، فتظهر الشخصيات المثلية مريضة، شريرة أو مشوهة نفسيا، ودوما ما تعاقَب هذه الشخصيات بنهايات سيئة، غالبا القتل أو الانتحار. كذلك طورت السينما المصرية الصورة النمطية “Stereotype الأبرز للمثلي: نموذج الرجل المخنث: صبي العالمة…

أما سينما شاهين فتناولت المثلية بشكل مغاير، فالمثلية بين طيات أفلامه ليست انعكاسا لمرض. يمكن أن نصف شخصياته المثلية بالـ”سوية”. وتبدو العلاقات بينها طبيعية بدون نظرة تجريم… بالطبع احتاج الأمر لكثير من الحرفية والذكاء الفني لبناء هذه الرؤية المغايرة لرؤية المجتمع. خصوصا مع وجود قوانين الرقابة التي تحرم حتى ذكر هذا النوع من العلاقات.

إذا نحينا الأخلاقيات جانبا، يمكننا أن نعتبر أن من علامات تميز شاهين قدرته على اقتحام هذه المنطقة المحرمة مرارا، بالتصريح حينا.. وبالتلميح أحيانا.. ولم يكتف فقط بهذا الاقتحام.. بل استطاع تقديمها عبر رؤية أكثر إنسانية ونضجا بشكل غير مسبوق في السينما المصرية.. بل والعربية.

………………………

المراجع:

  • Lesbian, Gay& Queer Representations in the 1970s Egyptian Cinema. Radwa Fouda. Cynthia Nelson Institute for Gender and Women’s Studies – American University in Cairo.
  • المثلية في السينما المصرية.. كثير من السواد قليل من قوس قزع. شريف حسن. مدونة الكاتب. نقلا عن موقع رصيف 22. 2015
  • سيرة اللذة والجنس في مصر. د. ياسر ثابت. دار أكتب. القاهرة. 2017

أفلام:

  • صراع في الوادي. 1954
  • صراع في الميناء. 1956
  • النيل والحياة. بدون تاريخ.
  • الناس والنيل. 1972.
  • اسكندرية ليه. 1979.
  • حدوتة مصرية. 1982.
  • اسكندرية كمان وكمان. 1990.
  • سكوت ح نصور. 2001
  • اسكندرية – نيويورك. 2004
السيرة الذاتية

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:282. Generation time:11.026 sec. Memory consumption:46.37 mb