موقع الكتابة الثقافي uncategorized 18
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

البشير الأزمي

أشعر بضجر غير محتمل..

أُطِلُّ من النافذة، غلالة من سحاب تغطي السماء وتنذر بيوم ماطر، والصباحُ ندي رطبٌ يميل إلى البرودة..

سأحتفل اليوم بعيد ميلادي. عيد ميلادي يوم فاتح مارس، مع أني ولدت في شهر ديسمبر، في يوم ماطر وعاصف لم يحدد بالضبط والدقة المطلوبين في الدفتر العائلي، ما العيب في ذلك، عائلة شُوبان كانت تحتفل بعيد ميلاده في أول مارس رغم أنه ولد في فبراير كما تشير إلى ذلك سجلات الكنيسة لمعموديته.. لكن أنا لا أنتمي إلى الكنيسة، وتاريخ ميلادي لم يكن محدداً بالدقة، وتاريخ إخوتي أيضاً. كلما سألْنا أبي عن تواريخ ميلادنا، كان يربطها بأحداث عرفتها القرية أو المنطقة، كان يقول، وملامح خيبةٍ قاتلةٍ باديةٌ على وجهه”: أنت، ويشير إليَّ بسبابته الدقيقة المضمومة إلى وسطى أصابعه الحاملتين ما تبقى من سيجارة لم ينفض رمادها، أنت ولدتَ أياماً قليلة بعد يوم عصفت فيه ريح قوية وسقطت سيولٌ جرفت القنطرة الرابطة بين مَدْشَرِنا وأقرب قرية منا، وهي الطريق الوحيدة الموصلة للمدينة.. يصمت للحظة ويمسح وجوهنا بنظرة كاشفة كأنه يحاول أن يتأكد من أننا نصغي إليه بإمعان،  ويقول:”  … كانت قطرات من المطر تتساقط، سكونٌ مُريبٌ ومُوحِشٌ يلفعُ القرية كَسَّرَهُ  لغط وصياح رجال ونساء واقفين أمام المسجد القابع فوق الربوة الواقعة خلف المدرسة،  اقتربت أستفسر عما يحدث، رأيتُ الفقيه إمام المسجد ومعلم القرآن للأطفال يمسكُ بثيابه رجل يتهمه بمراودة زوجته عن نفسها،  والفقيه يبتسم في محاولة لمحو أي ملمح خوف أو غضب قد يكون متبقياً في وجهه.. بعض رجال القرية، الذين يحتفظون بعلاقة طيبة من الفقيه، توسلوا إلى الرجل أن يخلي سبيله، وعبثاً، كادت أن تمضي توسلاتهم لولا حضور بعض النساء اللائي قدمن شهادة طيبة في حق الفقيه وطلبن التخلي من معاتبته ومتابعته. انفض الجمع، عاد الفقيه إلى داره،  جمع حاجياته القليلة، وغادر القرية. كان الفقيه رجلاً ربعاً، امتطى حماره الضامر، بدا الحمار وهو يبتعد عن أعيننا أنه ينوء  بثقل راكبه. بقيت ساكناً أراقب ما يجري أمامي.. عُدتُ إلى حال سبيلي..

اقتربتُ من البيت، رائحة الخبز المطبوخ تفوح وتنتشر في البيت. ما أن وضعتُ المفتاح في المغلاق حتى وصلني بكاء كأنه آتٍ من بعيد، وعلت زغاريد داخل البيت. دخلتُ، خرجتْ امرأتان من الغرفة التي وُلدتَ فيها، فسحتا لي المجال لأدخل، كانت أمك في السرير تضمك إلى صدرها وتلقمك ثديها. وقفتُ أمامها، أقصد أمامكما، ملأتني رؤيتكما فرحاً..

لا أثر، اليوم، لتلك القنطرة التي يؤرخُ سقوطُها ليومِ مولدي، لا أثر إلا لقطع حديد صدئة وبقايا من هيكل سيارة جرفها النهر يوماً، قال من كان حاضراً تلك اللحظة إن سائق السيارة نجا بأعجوبة من الموت، وأن من حسن حظه أن إحدى نوافذ السيارة كانت دائماً  شبه معطلة، لا تُغْلَقُ وتُفْتَحُ إلا بصعوبة، ويومها لم تكن مغلقة، مما سهل أمر خروج السائق والسباحة إلى شط النهر لينجو بحياته. وقال آخرون إن الرجل من أعيان المنطقة، ومُقَرَّبٌ من السلطة وجَشِعٌ متسلط يذل شكان القرية، لذلك فرح البعض لسقوط سيارته في النهر، لكن لم يكن باستطاعتهم التعبير عن فرحهم ذاك بشكل علني خوفاً أن يلحقهم، إن هو نجا، أذاه.

أقف، اليوم، فوق الهضبة المطلة على النهر أطل على ما تبقى من القنطرة، وإن كان ما تبقى منها شيء قليل، أو قل لا شيء، أقترب من اللوحة الإشهارية لمشروع ترميمها؛ في الحقيقة  لا وجود لقنطرة في حاجة إلى ترميم لأن لا وجود لها أصلاً، وأقرأ على اللوحة مشروع إعادة بناء قنطرة، واسم مكتب الدراسات، واسمي المهندسين المشرفين وكلفة الإنجاز. والمدة المحددة لإنجازها.

اليوم ازدادت أختي، فرحنا بازديادها. ظللنا الصباح كله إلى جانب سرير أمي نتابع صراخ الرضيعة. في الخارج علا صياح الأطفال، خرجت، لحقت بهم وعَدَوْنا نحو القنطرة. واليوم جاء وفد من المدينة في موكب سيارات. وقفوا عند اللوحة الإشهارية للمشروع القديم، أمر أحد أعضاء الوفد عمالاً لإزالتها، أزالوها ووضعوا مكانها أخرى، مكتوب عليها مشروع إعادة بناء القنطرة؛ واسم مكتب الدراسات، واسمي المهندسين المشرفين وكلفة الإنجاز، والمدة المحددة لإنجازها.

اليوم، انهيتُ الامتحانات الجامعية، وفي انتظار الإعلان عن النتائج عدتُ إلى القرية.

في طريقي إلى البيت رأيتُ فرقاً فلكلورية تغني وترقص، يشاركها أطفال صغار، وبعض الرجال غير بعيد عن مكان القنطرة يتهامسون فيما بينهم. وعمال ينصتون باهتمام لرجل يأمرهم بإزالة اللوحة الإشهارية لبناء القنطرة؛ لوحة كتب عليها مشروع إعادة بناء القنطرة؛ واسم مكتب الدراسات، واسمي المهندسين المشرفين وكلفة الإنجاز، والمدة المحددة لإنجازها.

أشعر بضجر غير محتمل وأنا أرى فرقاً فلكلورية تغني وترقص، يشاركها في رقصها أطفالٌ صغار، في حين وقف بعض الرجال والأطفال غير بعيد عن القنطرة يتهامسون فيما بينهم، اقتربتُ منهم، استرقتُ السمع، وصل إلى أذنيَّ ان السنة المقبلة، والتي بعدها وربما سنوات مقبلة كثيرة سيأتي أطفال ولدوا هذه السنة أو التي بعدها سيرون فرقاً فلكلورية تغني وترقص، يشاركها أطفال صغار، وسيقف بعض الرجال غير بعيد عن مكان القنطرة يتهامسون فيما بينهم. أغمضت عيني.. فتحتهما رأيتُ أختي، وقد كَبُرَتْ، ترقص مع الأطفال.

في الأفق وهج الشمس يضفي على المكان قساوة.. الشمس تصغر وتصغر وتختفي في شفق المغيب.. في طريق عودتي إلى البيت شعرتُ بضجر غير محتمل، وأنا أهمس لنفسي:” مشروع إعادة بناء القنطرة؛ واسم مكتب الدراسات واسمي المهندسين المشرفين وكلفة الإنجاز، والمدة المحددة لإنجازه.. مشروع إعادة بناء القنطرة؛ واسم مكتب الدراسات واسمي المهندسين المشرفين وكلفة الإنجاز، والمدة المحددة لإنجازه..