(القلم × الكومبيوتر).. كيف يكتب الأدباء المصريون ؟

 وتؤكد الأميركية ليڤيا بلاكبيرن، المتخصصة في علم نفس المعرفة، وصاحبة كتاب (من الكلمات إلى العقل)، أن الأبحاث أثبتت وجود العديد من الفروق بين كتابات الكومبيوتر وكتابات القلم، فمستخدمو الكومبيوتر يستهلكون نصف الوقت الذي يستهلكه كتّاب القلم، ومستخدم الكومبيوتر يكتب حوالي 20% أكثر من مستخدم القلم في حال كتابتهما في نفس الموضوع، كما يقوم مستخدم الكومبيوتر بمراجعة 80% من النص في المسودة الأولى، في حين أن مستخدم القلم يراجع 50% فقط خلال المسودة الأولى.

يقول الروائي محمد المنسي قنديل: “كتبت بعض رواياتي بالقلم، وبعضها بالكومبيوتر، وبعضها بكليهما معاً، واكتشفت أن الكتابة على الكومبيوتر تتيح للكاتب ميزة مهمة : أن تدخل تعديلا في أي وقت، خاصة وأن الرواية لا تكتب بالترتيب الذي يصل للقارئ، وإنما تكتب حسب الحالة النفسية والمزاجية للكاتب، ووفقا لجاذبية الشخصيات التي يرسمها، وتبعا لهذه الحقيقة، فالكومبيوتر يتيح للكاتب أن يكتب بالترتيب والتكنيك الذي يناسبه، كما يتيح له نقل فصول وكتل من المعلومات.

لكن الواحد أحيانا ينصاع لسيولة الكتابة على لوحة المفاتيح، فيجد نفسه قد انتهى إلى فصل سطحي وبرّاق، فيضطر إلى إعادة كتابته بالقلم، ليمنحه عمقا أكثر، ثم ينقله إلى الكومبيوتر. مثلا روايتي قمر على سمرقند كتب أغلبها بالقلم، بينما كتبت “أنا عشقت” بالكومبيوتر، لذا تجد الأخيرة إيقاعها أسرع، وتفتقد لبعض العمق الذي تتميز به قمر على سمرقند. ومستقبلا، ستقود الكتابة بالكومبيوتر لفتح آفاق جديدة: نص مدعم بالموسيقى أو الصور أو الفيديوهات، أو نصوص تفاعلية يكتبها أكثر من كاتب”.

الشاعر والروائي ياسر عبد اللطيف، لاينفي وجود فوارق بين وسيطي الكتابة، لكنه يرى أن الفروق ليست واضحة: “أعتقد أن مقولة إيكو بها الكثير من المبالغة. فأنا توقفت عن الكتابة بالقلم منذ 12 سنة، حتى إني لم أعد أتعرف على خطي حين أضطر للكتابة بالقلم. صرت أعتمد بشكل كلي على الكومبيوتر. لفترة كنت مقتنعاً أن كتابة القصائد لا تصلح على الكومبيوتر، وكنت أكتب عليه السرد فقط، وإذا أردت أن أكتب قصيدة ألجأ من جديد للورق والأقلام، وهو ارتباط رومانتيكي غير مبرر، ولكن بعد فترة صرت أكتب قصائدي ذاتها على الكومبيوتر مباشرة، برنامج “وورد” بالذات، وهو يتيح لك إمكانيات وهمية من المحو والتصحيح والقص واللصق وإبدال مواضع الكلمات والأسطر والفقرات. بمجرد تسويد الموقع المراد نقله، ثم جذبه بالفأرة ونقله لمكان آخر، تتبدل طبوغرافيا النص في لحظة.. وهو ما كان سيستغرق الكثير من الأوراق في مسودات القلم.

وبعد أن هاجرت لكندا، استعدت عادة قديمة وهي الخروج للكتابة في المقاهي، واستعدت معها الدفاتر والأقلام.. لكنني أعاود بعد ذلك نسخ ما كتبته في الدفاتر على الجهاز مرةً أخرى، ليخضع مرةً أخرى لعمليات التنقيح نفسها.. أتحدى إيكو أن يجد الفرق”.

أمّا الشاعرة إيمان مرسال، فلاتؤمن بوجود ثنائية قلم/كومبيوتر من الأساس، وأن الأمر لايعدو كونه طقوساً للكتابة: “في حقيبتي دائماً مُفكّرة سوداء متوسطة الحجم، أجدها عادة في متناول اليد أثناء المشي وفي العمل والمطبخ والمقهى. معظم قصائدي تبدأ كمسودّات أولى بقلم رصاص في مثل هذه المفكّرات. لكن الكتابة ليست مجرد مسودّات أولى، فرحلة انتقال السطور من الورقة إلى شاشة الكمبيوتر والرجوع إليها أكثر من مرّة بالتعديل والإضافة والحذف، هو أيضاً من عملية الكتابة.

لا أعرف هل هذا يضعني في صفّ القلم أم الكمبيوتر في هذه الثنائية ! أنا لا أعتقد أن هناك ثنائية من الأساس، الأمر لا يتعدّى طقوس وعادات شخصيّة وليس له تأثير ميتافيزيقي على ما تتم كتابته. مثلاً شاشة الكمبيوتر أكثر ألفة بالنسبة لي من الورقة والقلم عندما أعمل على مشروع أكاديمي أو أقوم بترجمة، يمكنك أن تجلس إلى مكتب وتفتح أكثر من موسوعة، قاموس أو مرجع في نفس الوقت. أمامك أيضاً إمكانيّات لا نهائيّة لتغيير بناء ما كتبته وتحريك الفقرات وإعادة تحريرها بسهولة أكبر. أيضاً الكمبيوتر والمكتب والجلوس في وضع معيّن تدخلك في مزاج العمل”.

الروائي طارق إمام، ينعي زمن المخطوطات، رغم تحفظه على مزاعم الروائي الإيطالي:”أعتقد أن إيكو عندما أكد أنه يستطيع تمييز النص المكتوب بالورقة والقلم من الآخر المكتوب بالكومبيوتر، كان يفرط في “التأويل” الذي حذر هو نفسه منه في كتابه “التأويل المفرط”! ربما أيضاً كانت مداعبة، أو حدساً قهرياً، ننكره نحن العرب لأنه من قبيل “الاطلاع على الغيب”!. لكني، بشكل شخصي، مفتون بفكرة “المسودة” المكتوبة بخط اليد، تلك الأوراق المصفرة بفعل الزمن والمتسخة بشغب التراب، تظهر ببقع الشاي و القهوة و الأطعمة التي كان يتناولها الكاتب و هو يكتب ، غير مكترث .. تطل ـ كأنما من تلقاء ذاتها ـ و تمنح نفسها لأول يد تفتش في أوراقه بعد موته. كل ذلك الغموض المبهر، اختفى الآن!

بشكل شخصي، أعرف الاثنتين، فكتبي الثلاثة الأولى، والتي نشرت بين عامي 1995 و2002 كتبتها بقلمي.. قبل أن أنتقل للـ”كيبورد”، مجبراً في البداية، ثم عاجزاً عن التخلي عنه في نهاية المطاف، حتى أنني صرت عاجزاً منذ سنوات، عن كتابة نص مكتمل بخط اليد، لم يعد الأمر يتجاوز تدوين فكرة أو ملحوظة أو سطور قليلة أخشى ضياعها لو كنت بعيداً عن الكمبيوتر”. ثم من زاوية أخرى يضيف إمام : “أفكر في أناس لن تباع مسودات أعمالهم في المزادات بعد سنوات طويلة، لأن مسوداتهم مصفوفة، بخطوط إلكترونية، تختلف حسب مزاجك في “الفونط” أو نوع الخط.. أصابعك فقط التي تكتب، أصابع يديك الاثنتين .. عوضا عن يد واحدة، وتتحرك بأكملها. غير أنني أسهو، ويوخزني هاجس خفيف: نحن جيل لا يعرف عدد كبير من كتابه خطوط  أيدي أصدقائهم. مخطوطاتنا، التي صارت كلمة مجازية، نقرأها على الشاشات في الأغلب، كأنما نتفرج على مانكتب بنفس القدر الذي نقرأه به”.